قفزة فضائية بالمحركات المركبة بالكامل وأنظمة توجيه الدفع المتحرك
«قاصد»؛ الطليعة الرشيقة للمدارات بعيدة المدى وفك أسرار التوجيه في الفراغ
كبري أميري
في سلسلة تطور تكنولوجيا منصات الإطلاق الفضائية في البلاد، يخصص يوم الأربعاء (٧ أكتوبر) لمنصة إطلاق شكّلت نقطة الانطلاق لفصل جديد من الاستقلال الفضائي وقفزة نوعية في تكنولوجيا الدفع؛ وهي منصة إطلاق الأقمار الصناعية ثلاثية المراحل «قاصد».
لم يُسجَّل «قاصد» كونه أول منصة إطلاق عملياتية تابعة للقوة الجوفضائية في حرس الثورة الإسلامية لإيصال أقمار «نور» الصناعية المحلية بنجاح إلى المدار الأرضي المنخفض (LEO) فحسب، بل كان أيضاً ساحة للكشف عن تقنيتين فائقيتي التطور وتكسران الحواجز في الصناعة الفضائية للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وهما تقنيتان لم تكونا قبل ذلك إلّا حكراً على عدد قليل من القوى الفضائية الكبرى في العالم: المحركات المركبة بالكامل ذات ألياف الكربون، وأنظمة توجيه الدفع ذات الفوهات المتحركة (TVC). أحدثت منصة الإطلاق هذه -ببنية دفعها الهجينة (الوقود السائل والصلب) واعتمادها على هياكل خفيفة الوزن ومتطورة- تحولاً في معادلة التكلفة وسرعة التحضير ودقة التوجيه في البيئة خارج الغلاف الجوي.
جناحان للقفزة التقنية؛ الهيكل المركّب والمناورة
في الفراغ
تعود القفزة الرئيسية لمنصة الإطلاق «قاصد» إلى توظيف محرك الفضاء ذي الوقود الصلب «سلمان» في مراحلها العليا.
وقد نقل هذا المحرك حدود التصميم المحلي إلى مستويات جديدة عبر ميزتين استراتيجيتين:
١. الهيكل والغلاف المركب بالكامل (ألياف الكربون): إن توظيف ألياف الكربون المتقدمة بدلاً من الهياكل المعدنية الثقيلة وسبائك الفولاذ في البدن وحاوية المحرك، خفّض الوزن الميت للمنظومة إلى أدنى حد، وضمن في الوقت ذاته تحمل ضغوط العمل العالية جداً والإجهادات الحرارية للوقود الصلب الكثيف. هذا الانخفاض الملحوظ في الوزن أتاح لمنصة الإطلاق تخصيص الجزء الأكبر من طاقة الدفع للتسارع ونقل الحمولة الفضائية در الارتفاعات العالية، بدلاً من استهلاكها في حمل وزنها الخاص.
٢. تكنولوجيا فوهة التوجيه: إن التحدي الكبير للطيران في الفراغ وخارج الغلاف الجوي الكثيف للأرض، هو عدم فاعلية الزعانف الديناميكية الهوائية للتحكم في مسار الصاروخ وتوجيهه. وفي الطرق القديمة، كان استخدام الزعانف الغرافيتية داخل تيار خروج الغازات أمراً شائعاً، وهو ما كان يسبب -بالإضافة إلى الوزن العالي والتآكل الشديد- هدراً لجزء من قوة دفع المحرك. أما محرك الفضاء المستخدم في «قاصد»، فقد وفّر -من خلال تزويده بفوهة متحركة- إمكانية الدوران والتوجيه الميكانيكي للفوهة المخرجية بأكملها. وبذلك، تصبح منصة الإطلاق قادرة على تغيير متجه الدفع مباشرة في الفراغ دون أي انخفاض في الكفاءة، وتنفيذ مناورات دقيقة لتصحيح الزاوية والتحكم في المسار خلال مرحلة الحقن النهائية؛ وهو إنجازٌ جعل القدرة على تصميم وتصنيع هذه المنظومات حكراً على ٥ دول فقط في العالم.
سجل العمليات والمهام المدارية
سجّل «قاصد» سجلاً حافلاً ومشرقاً في التثبيت المداري لأقمار الاستشعار عن بُعد والاستطلاع:
المهمة المدارية الأولى (٢٢ أبريل ٢٠٢٠): الإطلاق الناجح لأول قمر صناعي عسكري للجمهورية الإسلامية الإيرانية (نور-١) ووضعه بدقة في مدار يرتفع ٤٢٥ كيلومتراً عن الأرض؛ وهو حدث سُجِّل عالمياً بوصفه مفاجأة فضائية وعملياتية كبرى للبلاد.
عمليات الإطلاق المتتالية والارتقاء بالمستوى المداري (مارس ٢٠٢٢ وسبتمبر ٢٠٢٣): الحقن المداري الناجح للقمر الصناعي «نور-٢» في مدار يبلغ ارتفاعه ٥٠٠ كيلومتر، ثم إطلاق القمر الصناعي «نور-٣» بنجاح وتثبيته في مدار بارتفاع ٤٥٠ كيلومتراً؛ محققاً نسبة نجاح بلغت ١٠٠٪ في جميع مهامه، ومكرساً مكانة «قاصد» كمنصة إطلاق موثوقة ورشيقة للأقمار الصناعية.
