قفزة في نادي الإطلاقات المتعددة؛
من «سفير» إلى «سيمرغ»؛ رواية تطور منصات الإطلاق في إيران
في تقويم أسبوع الفضاء العالمي، ارتبط كل يوم باسم إحدى منصات الإطلاق الوطنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وكان يوم أمس، في الخطوة الأولى، استعراضاً لإرث «سفير»؛ منصة الإطلاق التي كسرت احتكار القوى الفضائية بتسجيل اسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية كعضو تاسع في نادي الفضاء العالمي، ومهّدت الطريق للوصول إلى مدار الأرض بنجاح عبر القمر الصناعي «أميد». كان حامل الأقمار الصناعية «سفير»، باعتباره أول منصة إطلاق وطنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قد أدخل البلاد كالدولة التاسعة في العالم إلى النادي الحصري لأصحاب التكنولوجيا الفضائية، وذلك بإطلاق القمر الصناعي «أميد» بنجاح في ۲ فبراير ۲۰۰۹م. مَثّل هذا النظام المكون من مرحلتين والذي يعمل بالوقود السائل، رمزاً لكسر احتكار القوى الفضائية وبداية الثقة بالنفس الوطنية في صناعة الإطلاق. لم يكن نجاح «سفير» مجرد خطوة عملياتية للوصول إلى المدار الأرضي المنخفض (LEO) فحسب، بل وضع حجر أساس متيناً لتطوير منصات إطلاق أكثر تقدماً في المستقبل، بما فيها «سيمرغ»، وذلك من خلال تسجيل بيانات حيوية حول أداء المحركات وأنظمة الملاحة. واليوم، في اليوم الثاني من هذا الحدث، تتجه الأنظار نحو رمز تطوير ونضج تكنولوجيا الإطلاق في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ حامل الأقمار الصناعية «سيمرغ»؛ وهو منصة إطلاق لا تقتصر على كونها استمراراً لمسيرة «سفير»، بل تمثل نقطة انطلاق الجمهورية الإسلامية الإيرانية نحو الإطلاقات المتعددة والمدارات الأكثر ارتفاعاً.
كبري أميري
خُصص اليوم الثاني من البرنامج الخاص لأسبوع الفضاء العالمي (الإثنين 5 أكتوبر)، لاستعراض سجل حامل الأقمار الصناعية «سيمرغ»؛ وهو نظام يُعد نقطة تحول في عبور الصناعة الفضائية للجمهورية الإسلامية الإيرانية من منصات الإطلاق الخفيفة وأحادية الحمولة من فئة «سفير» إلى منصات الإطلاق شبه الثقيلة، متعددة المحركات، وذات القدرة على نقل منظومات الأقمار الصناعية.
وإذا كانت مهمة الجيل الأول هي إثبات الدخول الناجح إلى المدار الأرضي المنخفض (LEO)، فقد وُلد «سيمرغ» بهدف مضاعفة قدرة النقل الفضائي للبلاد، وتثبيت أقمار صناعية أكثر ثقلاً وعملياتية في مدارات بيضاوية ودائرية ذات ارتفاعات أعلى، وتوفير البنية التحتية لاستمرارية بقاء المعدات في الفضاء لسنوات عديدة.
وكان القلب النابض لهذا التحول هو السيطرة على تكنولوجيا العناقيد المحركة لمحركات الوقود السائل في المرحلة الأولى؛ وهو إنجاز استراتيجي أتاح إمكانية التحكم المتزامن في عدة محركات دفع قوية في آن واحد، والتوجيه الدقيق لمتجه الدفع، وكسر قيود «إطلاق عدة أقمار صناعية في آن واحد في عملية إطلاق واحدة» في التاريخ الفضائي للبلاد.
البطاقة التقنية وهيكلية الدفع
استناداً إلى التقارير التخصصية والرسمية لوكالات أنباء «إرنا»، «تسنيم»، «فارس» و«مهر»، يتمتع حامل الأقمار الصناعية «سيمرغ» بهيكلية ثنائية المرحلة ذات المواصفات التالية:
تكوين الهيكل والأبعاد: منصة إطلاق بمرحلتين من محركات الوقود السائل، يبلغ طولها حوالي 26 متراً وقطر بدنها 4/2 متراً في المرحلة الأولى (ما يقارب ضعف قطر بدن «سفير»).
الوزن الكلي عند الإطلاق: أُفيد بأن مجموع وزن الهيكل والوقود والمؤكسد والحمولة لحظة الإقلاع من المنصة يتراوح بين 85 إلى ۸۷ طناً.
المرحلة الأولى وتحفة العناقيد المحركة (كلاسترينغ): يتكوّن نظام الدفع في هذه المرحلة من تجميع وعنقدة 4 محركات تعمل بالوقود السائل جرى تطويرها، وتم تركيبها إلى جانب 4 محركات توجيه وتحكم. وتولد هذه المجموعة إجمالاً قوة دفع تعادل نحو 140 إلى 160 طن-قوة لحظة الاشتعال.
المرحلة الثانية والحقن المداري: استخدام محركات مطورة تعمل بالوقود السائل ذات فوهات طويلة تتناسب مع ظروف الفراغ، وذلك لتوفير التسارع اللازم في المرحلة الثانية من الرحلة، بما يوصل المجموعة إلى السرعة المطلوبة للاستقرار في المدار.
سعة التحميل: القدرة على نقل وحقن حمولات منفردة أو متعددة تصل إلى 250 كيلوغراماً في المدارات البيضاوية وعلى ارتفاعات تتجاوز 400 إلى 500 كيلومتر.
تجاوز عقبة «كلاسترينغ» وديناميكيات الطيران
حتى ما قبل «سيمرغ»، كانت تجربة الإطلاقات المدارية الوطنية تعتمد على محرك دفع واحد. وفي مجال الهندسة الفضائية، تُعدّ العناقيد المحركة (كلاسترينغ) إحدى أكثر عقبات الدفع تعقيداً؛ لكونها تتطلب تنسيقاً بأجزاء من الثانية في الحقن، وتغذية متسقة بالوقود عبر منظومات المضخات التوربينية (توربوبمب)، وتحييد تداخل موجات الصدمة والاهتزازات الصوتية، والسيطرة التامة على التوازن الزاوي لمنصة الإطلاق في طبقات الغلاف الجوي الكثيف.
وقد شكّلت قاعدة الإمام الخميني(رض) الفضائية في سمنان ومنصتها للإطلاق الثقيل، على مدار عقد كامل، محوراً لتنفيذ الاختبارات الثابتة (الاستاتيكية)، والرحلات دون المدارية، والتجارب الديناميكية لمنصة الإطلاق خطوة بخطوة؛ وهي مسيرة -ورغم اقترانها بتحديات تقنية في المراحل الأولى للانفصال أو أداء المرحلة الثانية- أفضت إلى مراكمة بيانات عملية حقيقية حول سلوك الأنظمة في ظروف الفراغ ودرجات الحرارة الفائقة.
التثبيت العملياتي؛ الرقم القياسي للإطلاق المتعدد ووحدات النقل المداري
سُجّل أبرز إنجاز في سجل «سيمرغ» في شهر فبراير 2024؛ حينما نجحت منصة الإطلاق هذه في مهمة عملياتية كاملة في تحقيق «حقن ثلاثة أقمار صناعية في آن واحد» لأول مرة:
1. القمر الصناعي البحثي «مهدا» (من نتاج معهد أبحاث الفضاء) بكتلة تبلغ حوالي ۳۲ كيلوغراماً لاختبار الأنظمة الفرعية للاتصالات وتحديد المدار.
2. النانو-قمر الصناعي «كيهان ۲» (المُطوّر في شركة «صاإيران») لإثبات تكنولوجيا تحديد المواقع والملاحة الفضائية.
3. النانو-قمر الصناعي «هاتف ۱» (المُطوّر في شركة «صاإيران») بمهمة اتصالات النطاق الضيق في مجال إنترنت الأشياء.
لم يُظهر هذا الإطلاق الأداء الناجح لمراحل الاحتراق والتوجيه والتحكم في «سيمرغ» فحسب، بل أثبت بجلاء قدرة المنظومة الفضائية للجمهورية الإسلامية الإيرانية على تنفيذ مناورة الفصل المتوالي لعدة حمولات؛ وهو شرط حاسم وجوهري لتشكيل المنظومات الفضائية متعددة المهام. وعلاوة على ذلك، استمر «سيمرغ» كمنصة اختبار طيراني لمحركات وأنظمة كتل النقل المداري (بما في ذلك مشروع «سامان») الرامية للوصول إلى مدارات أبعد وارتفاعات أعلى.
