تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
غضب جيل كامل
مدارس فرنسا تشتعل .. احتجاج وعنف واستقطاب سياسي
لكن الأخطر ليس اتساع الاحتجاج، بل ما يكشفه عن الدولة نفسها: جمهورية ترفع المساواة شعاراً، بينما يختبر طلابها تفاوت الموارد والفرص داخل مدارسهم. وهنا تتحمل الحكومة مسؤولية سياسية مباشرة؛ فبدلاً من معالجة أسباب الغضب، تجد نفسها أمام احتجاج يتسع يوماً بعد يوم، ما يجعل السؤال أكبر من فتح المدارس: كيف وصلت الأزمة إلى الشارع قبل أن تصل حلولها إلى الفصول؟
ليست احتجاجات على الامتحانات.. بل على التهميش
من الخطأ اختزال ما يقوله الطلاب في الاحتجاج على صعوبة الامتحانات أو طول ساعات الدراسة. المطالب أكثر جوهرية: مدرسون حاضرون، فصول أقل اكتظاظاً، مبانٍ صالحة للتعلم، ممرضون وعاملون اجتماعيون، وتجهيزات أساسية.
وتشير بيانات إلى أن ما يقرب من 10% من ساعات التدريس في المدارس الثانوية الحكومية خلال العام الدراسي 2024-2025 لم تُدرّس، بينها نسبة كبيرة بسبب عدم العثور على مدرسين بدلاء. وفي إقليم سين-سان-دوني، تحدث طلاب ومعلمون عن اكتظاظ الفصول، ونقص المدرسين، وتدهور ظروف الدراسة. لهذا يحمل شعار أحد المحتجين معنى سياسياً يتجاوز المدرسة: «عنواننا لا يجب أن يحدد مستقبلنا».
أزمة التعليم ليست منفصلة عن سياسة التقشف
تزامنت الاحتجاجات مع مشروع موازنة 2027، الذي يأتي في إطار خطة حكومية لخفض العجز العام. وكانت الحكومة قد أعلنت جهداً مالياً إجمالياً بقيمة 54 مليار يورو، بينما يبلغ حجم الإجراءات الجديدة في مشروع الموازنة نحو 43 ملياراً. وفي المقابل، ترتفع مخصصات التعليم المدرسي إلى نحو 65.53 مليار يورو في 2027، بزيادة تقارب 1.1 مليار يورو عن موازنة 2026. وهنا تتضح المفارقة التي تغذي الجدل: الحكومة تقول إن التعليم أولوية، بينما يواجه الطلاب واقعاً يترجم أزمة الموارد إلى مدرس غائب وفصل مكتظ ومدرسة تحتاج إلى الاستثمار. وقد تكون لدى الحكومة اعتبارات مالية وديموغرافية تفسر خياراتها، لكن الطالب لا يعيش الموازنة كرقم؛ بل يختبر نتائجها داخل الفصل. وهذا ما يجعل الأزمة سياسية: حين تصبح الخيارات المالية محسوسة داخل المدرسة، تتحول الموازنة من وثيقة اقتصادية إلى تجربة يومية لجيل كامل.
حكومة في مواجهة جيل لا يثق بالوعود
تأتي الأزمة في لحظة شديدة الحساسية سياسياً. ففرنسا تستعد للانتخابات الرئاسية المقررة في 2027، فيما تواجه الحكومة ضغوطاً سياسية ومالية متزايدة مرتبطة بالموازنة والإنفاق العام. وفي هذا السياق، يصعب فصل احتجاجات الطلاب عن أزمة الثقة الأوسع في المؤسسات.
لكن اختزال الحركة في مؤامرة حزبية سيكون تبسيطاً خطيراً. فقد اتهمت الحكومة قوى من اليسار الراديكالي، وعلى رأسها حزب «فرنسا الأبية»، بالمساهمة في تحريك الاحتجاجات، بينما رفضت المعارضة هذه الاتهامات. وفي الوقت نفسه، نقلت رويترز أن أجهزة استخبارات فرنسية نسبت في اجتماع حكومي دوراً إلى قوى من اليسار الراديكالي في بدء الحركة، وهو ما نفاه حزب «فرنسا الأبية». فالآلاف الذين خرجوا إلى الشوارع لا يمكن اختزالهم في حزب سياسي. وجود سياسيين في الاحتجاجات شيء، وكونهم أصحاب القرار في إطلاقها شيء آخر. والسؤال الأهم للحكومة ليس من يقف خلف كل احتجاج، بل لماذا أصبحت مطالب كهذه قادرة على الانتشار بهذه السرعة؟
الرد الأمني لا يستطيع معالجة جذور الأزمة
لا يمكن تبرير إحراق المدارس أو الاعتداء على المعلمين والشرطة. وقد شهدت الاحتجاجات بالفعل أعمال تخريب وإحراق ومواجهات خطيرة، وأعلنت السلطات توقيف آلاف الأشخاص، معظمهم من القاصرين، كما أصيب طلاب وموظفون وأفراد من الشرطة والدرك. لكن تحويل الأزمة إلى ملف أمني فقط لن يعالج أسبابها.
وحين تتحدث الحكومة عن مجموعات هامشية أو تحذر الأهالي من إرسال أبنائهم إلى الاحتجاجات، يصبح من المشروع طرح سؤال آخر: هل تريد السلطة معالجة أسباب الغضب، أم الاكتفاء بالسيطرة على مظاهره؟. وكلما طغت لغة الأمن على لغة الإصلاح، ازدادت الفجوة بين جيل من الطلاب ومؤسسات يفترض أن يشعروا بأنها تمثل مصالحهم. وقد أثارت طريقة التعامل مع بعض التحركات انتقادات، ولا سيما مع مشاركة قاصرين في بعض الاحتجاجات.
المشكلة أعمق.. فرنسا التي تتحدث عن المساواة
القضية الأكثر حساسية في احتجاجات الطلاب ليست فقط نقص المدرسين أو تهالك المدارس، بل التناقض بين شعار المساواة الذي ترفعه الجمهورية الفرنسية والواقع الذي يعيشه كثير من الطلاب. في الضواحي، ولا سيما في سين-سان-دوني، تتحدث التقارير عن نقص الكوادر، واكتظاظ الفصول، وضعف التجهيزات والخدمات. وهنا يصبح السؤال سياسياً بامتياز: كيف يمكن لدولة تتحدث عن تكافؤ الفرص أن تقبل بأن تختلف جودة التعليم باختلاف الحي الذي يولد فيه الطالب؟
فالمدرسة الفرنسية يفترض أن تكون أداة لكسر الفوارق الاجتماعية، لا أن تعكسها. وإذا كان الطالب يحصل على فرص تعليمية مختلفة تبعاً للمنطقة التي يعيش فيها، فإن المدرسة تتحول من وسيلة لمواجهة التفاوت إلى إحدى ساحاته.
ولهذا يطرح الجيل الذي يدخل المدرسة اليوم سؤالاً بسيطاً لكنه سياسي وعميق: إذا كانت الجمهورية تعد بتكافؤ الفرص، فلماذا يبدو مستقبل الطالب مختلفاً منذ لحظة ولادته؟
الحكومة أمام امتحان أكبر من امتحان الطلاب
قد تتمكن الشرطة من إزالة الحواجز وفتح أبواب الثانويات، لكنها لن تستطيع تفريق الغضب الذي خرج منها. فحين يمتد الاحتجاج إلى أكثر من ألف مؤسسة، وتتكرر المطالب المتعلقة بنقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتدهور المباني، يصبح اختزال الأزمة في أعمال شغب أو تحريض سياسي تجاهلاً لجانب أساسي من حقيقتها.
قد تُغلق الحكومة أبواب المدارس أمام المحتجين، لكنها لا تستطيع إغلاق الأسئلة التي خرجت منها. والامتحان الحقيقي أمام رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو والرئيس إيمانويل ماكرون ليس فقط كيف تنتهي الاحتجاجات، بل هل تتحول مطالب الطلاب إلى مدرسين وموارد ومدارس أفضل، أم يبقى الغضب كامناً داخل المدارس والمجتمع.
