الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وستة وستون - ٠٣ أكتوبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وستة وستون - ٠٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

بين التبعية لواشنطن والعدوان على إيران؛ أوروبا تُعلن هزيمة استقلالها السياسي

/ كشف اعتراف الأمين العام لحلف الناتو «مارك روته» بتنفيذ 5 آلاف طلعة جوية قتالية من القواعد الأوروبية، عن الدور المباشر للبنى التحتية العسكرية الأوروبية في دعم حرب أمريكا والكيان الصهيوني ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وهو اعتراف وضع مزاعم عدم مشاركة الدول الأوروبية في هذه الحرب موضع تساؤل، ويستتبع، من منظور طهران، المسؤولية الدولية للحكومات المشاركة. ومع دخول الحرب المفروضة من جانب أمريكا والكيان الصهيوني ضد إيران شهرها السابع، كشف روته عن تفاصيل جديدة للدعم اللوجستي لهذه المنظمة للعدوان العسكري ضد إيران، وادّعى أنه لولا وجود الناتو، لما كانت العملية المسماة بـ«الغضب الملحمي» لترامب ممكنة. وتأتي هذه التصريحات ويجري التأكيد عليها في حين كانت الحكومات الأوروبية تدّعي منذ بداية الحرب أنها لا تشارك فيها. وقد قوبل هذا الاعتراف من روته برد فعل من طهران؛ سواء في تصريحات مسؤولي السلك الدبلوماسي أو عبر الملاحقة القانونية في الأمم المتحدة. وليست هذه التصريحات هي المرة الأولى التي تُسمع على لسان الأمين العام للناتو؛ فقد أكد في شهري يونيو وأغسطس من العام الجاري أيضاً، في مقابلات وتصريحات متعددة، مرافقة أوروبا لأمريكا في العدوان العسكري ضد إيران، بل وأعلن تفاصيل عن مشاركة دول مثل إيطاليا في تأمين الاحتياجات اللوجستية الحربية لأمريكا.
يرى محلل قضايا الشؤون الأوروبية «علي بيكدلي»، في حديث مع مراسل وكالة الجمهورية الاسلامية للأنباء «إرنا»، أنه «على الرغم من أنه من الناحية القانونية واستناداً إلى المادة الخامسة من ميثاق الناتو، في حال وقوع هجوم على دولة عضو في هذا الحلف، فإن جميع الأعضاء ملزمون بدعمها، وهذا هو الأساس القانوني الذي يستندون إليه، إلا أن الواقع يفيد بأن الرئيس الأمريكي يقيم علاقات وثيقة للغاية مع الأمين العام للناتو. ويجري انتخاب الأمين العام بتصويت الأعضاء، غير أنه عادةً، ولأن أمريكا تتحمل الحصة الكبرى في تغطية نفقات الناتو، يكون الأمين العام خاضعاً لنفوذ الرئيس الأمريكي».
قوبل اعتراف روته بالمشاركة في الحرب ضد إيران برد فعل من طهران؛ وفي هذا السياق، كتب وزير الخارجية الإيراني «عباس عراقجي» حول اللقاء مع مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي «كايا كالاس»، ومسؤولين أوروبيين آخرين، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في حسابه على منصة «إكس»: «حذّرتُ -في هذه اللقاءات- من التداعيات الوخيمة وطويلة الأمد لـ«تسهيل جرائم الحرب التي يرتكبها الكيان الصهيوني وأمريكا ودعمها»؛ سواء في غزة أو في إيران، وبمعزل عن هذا الخطأ الفادح، ينبغي للأمين العام للناتو أن يكون قد أدرك حتى اليوم أن الرضوخ أمام متنمر لن يرضيه أبداً». واعتبر نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية «كاظم غريب آبادي» هذا الاعترافَ من الأمين العام لحلف الناتو بتنفيذ 5000 طلعة جوية من القواعد الأوروبية دعماً للعدوان العسكري الأمريكي ضد إيران دلالةً على أن «أوروبا كانت جزءاً من البنية التحتية للعدوان»، وأكد أن «الحكومات التي وضعت أراضيها تحت تصرف أمريكا لا يمكنها التملص من مسؤوليتها، وهذه المشاركة لن تبقى دون رد».
وكتب المتحدث باسم وزارة الخارجية «إسماعيل بقائي» في هذا الصدد أيضاً: «يجب على الاتحاد الأوروبي وأعضاء الناتو أن يتحملوا المسؤولية تجاه دورهم ومشاركتهم في العدوان العسكري لأمريكا والكيان الصهيوني ضد إيران؛ بما في ذلك تجاه أي دعم سياسي أو عسكري أو لوجستي أو غيره من أشكال الدعم التي ساهمت في القتل والدمار الناجمين عن هذه الحرب، وكذلك تجاه التداعيات المستمرة، ويحق للمواطنين الأوروبيين أن يُسائلوا حكوماتهم بشأن القرارات التي اتخذوها لدعم هذا العدوان أو المشاركة فيه».
وفي الخطوة القانونية الأولى، وجّه السفير الإيراني والقائم بأعمالها لدى الأمم المتحدة «غلام حسين درزي» رسالة إلى الأمين العام لهذه المنظمة ومجلس الأمن، واعتبر أن التصريحات العدائية لروته منافيةً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.  وذكّرت إيران في هذه الرسالة بالمسؤولية الدولية للدول المعنية، وكذلك بالمسؤولية الجنائية الفردية للمسؤولين الأوروبيين المتورطين في تخطيط أو إعداد أو تسهيل أو تنفيذ الأعمال التي تشكل مصداقاً للعدوان وجرائم الحرب المرتكبة من قِبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما أكدت إيران في هذه الرسالة أن مثل هذا السلوك يمكن أن يتعارض مع الالتزامات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. علاوة على ذلك، قد تخضع هذه الإجراءات للدراسة في إطار مفهوم المشاركة في العمل العدواني أو المساعدة عليه، المشمول بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 تحت عنوان «تعريف العدوان».
لماذا اصطفّت أوروبا إلى جانب ترامب؟
يأتي الاعتراف والإقرار ومن ثم التأكيد والتكرار لأداء دور في حرب غير قانونية ضد بلد مستقل من جانب الناتو، الذي يضم حالياً 23 دولة من أصل 27 عضواً في الاتحاد الأوروبي، في وقت تدّعي فيه الدول الأعضاء في هذا الاتحاد، منذ بدء العدوان العسكري لأمريكا والكيان الصهيوني ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أنها لا تشارك في هذه الحرب.
ويوضح بيغدلي بشأن هذا النهج للاتحاد الأوروبي، ولا سيما بريطانيا: «لم تضع بريطانيا في عهد رئيس وزرائها السابق ستارمر، على الرغم من ضغوط ترامب، قواعدها في دييغو غارسيا وفيرفورد تحت تصرف أمريكا، في حين اعتُبر ذلك أقرب المسارات، ولم يكن يفرض تكلفة استخدام الأساطيل على أمريكا». ورغم إعلان مسؤولي الاتحاد الأوروبي عدم رغبتهم في المشاركة في العدوان، فإن هذا الموقف لم يكن نابعاً من رفض شرعية الهجوم، بل من الخلافات والتحديات القائمة بين الدول الأوروبية والرئيس الأمريكي.
ويرى بيكدلي، في تحليله لهذا الموضوع، أن «حجم التدخل الأوروبي في هذه الحرب ليس واضحاً ودقيقاً للغاية، ولا يمكن وضع مقياس ومعيار محدد له، غير أن الاتحاد الأوروبي لم تكن تربطه علاقات جيدة بترامب، كما أن ترامب ليس لديه نهج إيجابي تجاه الاتحاد الأوروبي؛ وبالنظر إلى الخلافات والرسوم الجمركية التي فرضها ترامب ضد أوروبا، لم تكن لديهم رغبة كبيرة في مساعدته في المسألة العسكرية؛ لكن ترامب يواصل ضغوطه على الاتحاد الأوروبي». ولعبت الدول الثلاث: ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، خلال العقد المنصرم دوراً مهماً في الملف النووي الإيراني والاتفاق الاستراتيجي لخطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي). وهي الآن، بالمقارنة مع ظروف ذلك الوقت، تواجه دون شك تراجعاً في مكانتها وتكافح لمواجهة هذا الوضع. ويُعدّ تأكيد المشاركة في الهجمات العسكرية والإقرار بأن عمليات أمريكا لم تكن ممكنة دون وجود الناتو مؤشراً واضحاً على رضوخ أوروبا أمام الضغوط الأمريكية، ولكن لماذا؟ يمكن العثور على الإجابة عن هذا السؤال في نقطة الضعف التي فرضتها حرب روسيا وأوكرانيا على هذا الاتحاد ورفعت احتياجاته الدفاعية والعسكرية بصورة حادة؛ إلى درجة يبدو فيها أن تأمينها بمفردهم ليس ممكناً، ومن ثم يمكن تقييم جزء من المساعي للمشاركة في الحرب مع إيران لضمان الدعم العسكري والمالي الأمريكي لهذه القارة.
وكتبت وكالة رويترز، في تحليل بتاريخ 17 أيلول/ سبتمبر، حول تأثير حرب أوكرانيا في العلاقات بين أوروبا وأمريكا: «لقد كشفت حرب أوكرانيا أيضاً عن ثغرة أمنية ونقطة ضعف يقول مسؤولو الناتو إن حلها أكثر صعوبة بكثير؛ وهي الدفاع الجوي والصاروخي. فقد أبرزت الهجمات الروسية المستمرة على المدن الأوكرانية اعتماد أوروبا على المنظومات الأمريكية المتطورة المضادة للصواريخ، مثل باتريوت».
ونقلت رويترز عن الجنرال البارز في الناتو «ألكسوس غرينكويتش»: «في نموذج قوات الناتو، وُجد اعتماد متبادل غير صحي على القوات الأمريكية».
وقبل حرب أوكرانيا، كانت الشراكة الاستراتيجية بين أوروبا وأمريكا مسألة لا يمكن إنكارها، غير أننا لم نكن نستطيع تعريفها على أنها تبعية، كما أن أوروبا وقفت في قضايا مثل الاتفاق النووي في وجه المطامع التوسعية لترامب.
ويشير بيكدلي، في توضيح طبيعة علاقات أوروبا، ولا سيما فرنسا، مع ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى، إلى حدث وقع، ويقول: «قبل بضع سنوات (11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018م) في باريس وخلال مراسم الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطابه إن أولئك الذين يسعون لدعم أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا سيشعلون النيران في أوروبا مرة أخرى. وهي جملة أشارت بصورة غير مباشرة إلى ترامب ودعمه لهذه التيارات، وقوبلت كذلك بردة فعل عنيفة من الرئيس الأمريكي».
ومع أن الحرب الروسية - الأوكرانية شكّلت منعطفاً في العقيدة السياسية والأمنية للاتحاد الأوروبي، إلا أن هذا التغيير لا يقتصر فقط على الآثار المفروضة لهذه الحرب، بل إن دول القارة الخضراء تسعى جاهدة أيضاً لاستعادة مكانتها المفقودة في التطورات العالمية، لاسيّما في الملف الخاص بإيران. فقد انخرطت الترويكا الأوروبية (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة) لأكثر من عقدين على مستوى عالٍ جداً في الملفات المرتبطة بالسلام العالمي، وكانت تُقدَّم كلاعب فاعل من سوريا وليبيا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعراق. ولعبت الدول الثلاث، خلال العقد المنصرم، دوراً مهماً في الملف النووي الإيراني والاتفاق الاستراتيجي لخطة العمل الشاملة المشتركة. وهي الآن، بالمقارنة مع ظروف ذلك الوقت، تواجه دون أدنى شك تراجعاً في مكانتها وتكافح لمواجهة ذلك.
وفي يونيو من العام الجاري، أشار معهد أبحاث «تشاتام هاوس»، في تحليل له، إلى أن الأزمة الداخلية لأوروبا قد تحولت إلى أزمة في سياستها الخارجية، واستدل على أن مشكلة أوروبا ليست مجرد ضغط خارجي؛ إذ تواجه أوروبا مجموعة من المشكلات الداخلية مثل تراجع الثقة السياسية، وتآكل التماسك الاجتماعي، وانخفاض معدلات النمو والرفاه، والضغط على الخدمات العامة، وتنامي القوى الشعبوية.
أوروبا وتبعات اللعب في الملعب الأمريكي
لم تستطع الحرب التي اختارها ترامب، بمرافقة الكيان الصهيوني والناتو وعدد آخر من البلدان الخاضعة لإمرته، بعد سبعة أشهر، أن تحقق الأهداف التي ارادها ترامب. وبالتزامن مع ذلك، نشهد ضغوطاً اقتصادية وسياسية تجري في قالب عقوبات اقتصادية وإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن وتصعيد الضغط على إيران عبر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمرافقة مباشرة من الدول الأوروبية، وهي في الحقيقة الوجه الآخر للحملة العسكرية ذاتها؛ لكن ما هو التأثير الذي سيتركه مثل هذا النهج على إيران وعلاقات أوروبا مع طهران؟ سؤال يرى بيغدلي في الإجابة عنه: «لا ينبغي انتهاج أسلوب انتقامي مع الدول الأعضاء في الناتو؛ لأن دولاً مثل تركيا هي أيضاً عضو في هذه المؤسسة العسكرية، فلا يمكن اتباع نهج عسكري معها؛ ولكن فيما يخص دول الاتحاد الأوروبي نفسها، فإن الواقع هو أننا لا نمتلك علاقات اقتصادية وسياسية واسعة ومطلوبة مع هذه الدول في الوقت الراهن، حتى إن بعضها قام بسحب أعضاء طاقمه السياسي والدبلوماسي من سفاراته، وأدرج عدد منها اسم حرس الثورة الإسلامية في قائمة الإرهاب الخاصة به، وهو ما كان محل احتجاج إيران أيضاً. ورغم هذا كله، فإنني أعتقد أنه يجب استغلال الخلاف بين ترامب وهذه الدول لصالحنا وألا نخسر أوروبا».
إن ساحة الحرب التي تصر أوروبا على التواجد فيها لا تبشر بأي نصر مميز لترامب؛ ومن هنا فإن الوقوف إلى جانب أمريكا التي لا تزال بعد سبعة أشهر تواجه أزمة إغلاق مضيق هرمز وعقب 40 يوماً وليلة من قصف إيران دون جدوى، لا يمكن أن يكون حلاً موثوقاً للأزمة التي تتخبط فيها أوروبا. إن بروكسل والناتو لم يراهنا في هذا القمار على الحصان الرابح. إن ما يتجلى من هذه التطورات واعتراف المسؤولين الأوروبيين بمرافقة أمريكا والكيان الصهيوني في الحرب ضد إيران يتجاوز مسألة دخول أوروبا أو عدم دخولها في هذه الحرب. فقد أظهرت هذه التطورات مجدداً الفجوة بين سعي أوروبا لأداء دور أكثر استقلالية في النظام الدولي وبين تبعيتها لأمريكا في مجالي الأمن والدفاع؛ وهي تبعية تحدّ من قدرة أوروبا على اتخاذ قرار مستقل أمام مطالب واشنطن، بما فيها مطالب دونالد ترامب. من جانب آخر، يمكن أن يحمل الإقرار بالمشاركة في الحرب تبعات قانونية وسياسية للدول الأوروبية وحلف الناتو، ويطرح في الوقت ذاته هذا السؤال: كيف ستردّ طهران على هذا الاصطفاف؟ وقد وجّه «كاظم غريب آبادي» أيضاً، بتأكيده أن هذا الاصطفاف «لن يبقى دون رد»، تحذيراً عملياً للأطراف الأوروبية من تداعياته.
البحث
الأرشيف التاريخي