تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
قراءة في المقترح الإيراني المحدّث لواشنطن؛
طهران توجّه إنذاراً دبلوماسياً نهائياً من نيويورك
بدأت زيارة الوفد الإيراني الدبلوماسي إلى نيويورك بهدف طرح حل عملي لإنهاء الحرب المفروضة من قِبل أمريكا والكيان الصهيوني؛ وهو حل قُدّم في إطار خطة تمتد لسبعة أيام لإعادة فتح مضيق هرمز ونُقل عبر الوسطاء القطريين إلى واشنطن. وقد رفض الرئيس الأمريكي البنود المعقولة لهذه الخطة عند مدرج الطائرة بإيماءة نصر، ومع أن النمط السلوكي لدونالد ترامب يحيط حتمية هذا الرفض بالشكوك، فإن ما يهم طهران في الوقت الحاضر أكثر من هذا النمط هو إرسال إشارة واضحة إلى دول المنطقة والعالم والرأي العام؛ إذ قدّمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مبادرة دبلوماسية لإنهاء الوضع القائم في سياق إعادة الاستقرار والأمن النسبي إلى منطقة غرب آسيا، غير أنه بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي، فليست حقائق ما بعد الحرب هي التي تحظى بالأهمية وتوجّه قراراته، بل وهمُ الانتصار في الحرب نفسها.
ما هي الحلقة المفقودة لتجاوز الأزمة؟
تُعدّ كيفية الإنهاء الحاسم للعدوان العسكري لأمريكا والكيان الصهيوني ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتبعات هذه الحرب التي اختارها ترامب، إن لم نقل أهمّ الهواجس، فواحدة من أهم هواجس العالم اليوم، وتندرج المساعي المبذولة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لصياغة هذه النهاية في هذا السياق ذاته. تلك المساعي التي انطلقت منذ يوم الإثنين (21 أيلول/ سبتمبر 2026م) بالتزامن مع وصول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برفقة الوفد الدبلوماسي إلى نيويورك. وقد جرى الحوار غير المباشر بين الدبلوماسيين الإيرانيين وممثلي الرئيس الأمريكي عبر الوسيط القطري بهدف تبادل شروط ومواقف إيران، وذلك لإظهار إرادة إيران في التوصل إلى حل معقول من جهة، وتبيين صعوبة المسار المقبل من جهة أخرى.
وقبل أن تتحدث إيران رسمياً عن بنود هذه الخطة، عكست وسائل الإعلام الدولية في تقاريرها خطوطاً من ملامحها؛ وهي خطوط قيل إنها استُخلصت من جلسة الأسئلة والأجوبة لوسائل الإعلام الأمريكية مع الرئيس الإيراني ووزير الخارجية والاجتماع غير الرسمي الذي أعقبها.
وبناءً على هذه التقارير، كان إنهاء الأعمال العدائية في كافة الجبهات، بما فيها لبنان، خلال سبعة أيام، والإفراج عن قرابة 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، وإلغاء أو تعليق العقوبات المرتبطة بصادرات النفط الإيراني، ورفع الحصار البحري المفروض على إيران من قِبل أمريكا، وإعادة فتح مضيق هرمز في نهاية هذه المدة، وبدء المفاوضات النووية بعد إعادة فتح مضيق هرمز، من أهم بنود المقترح الإيراني؛ وهي بنود قريبة جداً من مضامين مذكرة تفاهم إسلام آباد، وسيكون وجه التمايز البارز الوحيد لها هو سرعة تنفيذها.
وتُمثّل إشارات وزير الخارجية الإيراني في المؤتمر الصحفي بمقر الأمم المتحدة إلى مقترح إيران، الموقف الرسمي الوحيد القابل للتأكيد من مواقف إيران. وأشار عراقجي إلى أن إيران قد نقلت برنامجاً محدداً لسبعة أيام عبر قطر إلى الولايات المتحدة، موضحاً: «تبدأ مهلة الأيام السبعة من الوقت الذي تقبل فيه الولايات المتحدة هذا البرنامج. وإذا نُفّذت الإجراءات اللازمة، فإننا نعتقد أننا نستطيع إكمال هذا المسار في غضون أربعة أو خمسة أيام؛ بحيث يُعاد فتح مضيق هرمز في اليوم السادس، وتدخل الولايات المتحدة في اليوم السابع لإبرام الاتفاق النهائي. وإن الإجراءات التي يتعين على الولايات المتحدة اتخاذها قد أُبلغت إلى هذا البلد مسبقاً وتندرج في إطار مذكرة التفاهم. فإذا وُجدت الجدية اللازمة من قِبل الجانب الأمريكي، فسيتحقق هذا الأمر ويُعاد فتح مضيق هرمز مجدداً».
لماذا ترفض واشنطن الانخراط في المسار الدبلوماسي؟
بفاصل يوم واحد عن تقديم هذه الخطة، أظهرت تصريحات الرئيس الأمريكي مجدداً أن «الجدّية» التي نوّه بها وزير الخارجية الإيراني بوصفها شرطاً مسبقاً لبدء المسار الدبلوماسي غير متوفرة، على الأقل في تصريحات ترامب؛ حيث أعلن الرئيس الأمريكي أنه رفض الخطة المقترحة من إيران، وادّعى أن «إيران تكبدت خسائر فادحة، ولا تتلقى عوائد مالية، وقد انقطع مصدر دخلها من مضيق هرمز بسبب الحصار».
وعقب ساعات من هذه المزاعم، صرّح الوزير عراقجي، مساء السبت (26 أيلول/ سبتمبر 2026م) في حديث للمراسلين حول التواجد في نيويورك وردّ فعل الرئيس الأمريكي على خطة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قائلاً: «قُدّمت في اللقاءات المتعددة للوفد الإيراني الشروطُ المقرّة من قِبل المجلس الأعلى للأمن القومي لإعادة فتح مضيق هرمز ودفع المفاوضات قُدماً، وجرى تبيينها والدفاع عنها. إن شروط الجمهورية الإسلامية الإيرانية محددة، وأي تحرك إلى الأمام لإعادة فتح مضيق هرمز مرهون بتحقق هذه الشروط ولن تتنازل عنها، والحل المتفاوَض عليه هو السبيل الوحيد لإخراجهم من هذا المأزق. لم يُنقل إلينا شيء من الوسطاء حتى الآن. وتتردد أقوال متناقضة كثيرة عن الرئيس الأمريكي. ونحن ننتظر نقل الآراء القاطعة إلينا عبر الوسطاء، وبناءً على ذلك سنتخذ القرار».
يُظهر نمطُ رد فعل الرئيس الأمريكي أنه ليس بمقدوره أن يقبل حقيقة أن يكون الإنجاز الوحيد للحرب ضد إيران بتكاليفها المادية والسياسية الباهظة منحصراً في إعادة فتح مضيق هرمز. من جانب آخر، يسعى ترامب هذه المرة أيضاً، بدافع خطأ في الحسابات، إلى تصديق أن العملية المسماة «العزل الاقتصادي لإيران» بوصفها خيار الضغط الجديد، ستفضي إلى استسلام طهران! وهو وهمٌ يبدو أن صياغته لم تأخذ في الحسبان صمود إيران في وجه هذا الضغط، كمتغير حاسم، على الأقل في المدى القريب من قِبل الرئيس الأمريكي. ومع ذلك كله، لا يبدو طيّ ملف الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة أمراً يسيراً، بالنظر إلى حراك الوسطاء من جانب وانعدام الثقة القائم حيال مواقف ترامب من جانب آخر، إذ تسعى كل من قطر وباكستان بنحوٍ ما لإعادة الأوضاع إلى سكة الحوار والتعاطي. أما أي المسارين، المواجهة أم التفاعل، سيهيمن على العلاقات بين طهران وواشنطن في الأسابيع المقبلة، فهو أمر لا يمكن التنبؤ به؛ بيد أن ما يتجلى بحزم استناداً إلى تصريحات المسؤولين الإيرانيين هو استعداد طهران لكلا السيناريوهين.
إن تقديم خطة بهدف وضع حد للحرب من أرفع منابر المنظومة الدولية وبحضور كبرى وسائل الإعلام العالمية مصداقية، يُجسّد إتماماً للحجة أمام دول المنطقة والعالم، وحتى الشعب الأمريكي، وهو أمر تطرق إليه عراقجي أيضاً في معرض حديثه وأكده صراحةً: «لا يوجد أحد الآن في العالم يمكنه توجيه الاتهام إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها لم تختبر طريق الدبلوماسية. نحن في موقع سياسي متقدم من هذا المنطلق؛ لأننا لم نوصد قط باب الدبلوماسية وطريق المفاوضات، غير أننا لم نتراجع قيد أنملة عن حقوقنا إطلاقاً».
وعلى هذا الأساس، لم يقتصر ما توخته طهران في نيويورك على مجرد طرح مقترح لإعادة فتح مضيق هرمز، بل تمثل في السعي لرسم مسار للخروج من حالة الحرب؛ مسار توضع فيه استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة قبالة الإجراء المتبادل من جانب أمريكا. وأبانت إيران بتقديمها هذه الخطة عن جاهزيتها لتسوية الأزمة، مثلما أوضحت في الوقت ذاته أنه يتعذر فصل إعادة فتح هرمز عن سلة الالتزامات والتدابير الواجب اتخاذها من قِبل الطرف الأمريكي.
وبات اليوم، إثر نقل شروط إيران بواسطة الوسطاء، شقٌ جسيم من المعادلة منوطاً بالقرار السياسي الأمريكي. ومع أنه لا يمكن اعتبار مسار التطورات في الأسابيع المقبلة محسوماً سلفاً، فإن موقف إيران المعلن واضح وجلي: ما زال باب الدبلوماسية مشرعاً، بيد أن الخروج من الأزمة يمر حصراً عبر اتفاق متبادل، وصون حقوق إيران، والإيفاء بتعهدات الجانبين. وفي المقابل، فإن اختيار التمادي في الضغط والمواجهة سيعني المضي في الدرب ذاته الذي تؤكد طهران، عن صواب، أنه خضع للتجربة سابقاً.
ويتمثل السؤال الرئيس بعد المشاورات غير المباشرة بين إيران وأمريكا في نيويورك فيما إذا كانت واشنطن مستعدة لقبول حل متفاوَض عليه يستند إلى التزامات محددة، أم أنها لا تزال تبتغي تحديد مآلات الحرب مسبقاً وخارج طاولة التفاوض. وستحدد الإجابة عن هذا السؤال، إلى حدٍّ بعيد، مسار المستجدات بين طهران وواشنطن ومستقبل مساعي الوساطة خلال الأسابيع القادمة.
