تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
ضغوط انتخابية على ترامب؛
الجمهوريون يطالبون بإنهاء الحرب ضدّ إيران
وعود جوفاء لإنهاء الحرب
تأتي حالات التباعد هذه في ظل ظروف استؤنفت فيها المواجهات الفعلية في إيران خلال الشهر الماضي، وذلك بعد توقف محادثات السلام بين واشنطن وطهران في الصيف. وكان ترامب، الذي توقّع في البداية ألّا تستمر الحرب سوى بضعة أسابيع، قد طرح بشكل علني خلال الأيام الأخيرة احتمال «تدمير إيران» و«تفجير كامل البلاد».
ومع ذلك، توقع مؤخراً أن ينتهي هذا النزاع بعد الانتخابات النصفية. كما صرح ترامب للصحفيين في هذا المحفل الدبلوماسي، بعد وقت قصير من توجيه تهديد جديد في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأنه أجرى لقاءً «جيداً جداً» مع «وسطاء إيران»، وقال يوم الثلاثاء: «من مصلحتهم التوصل إلى اتفاق، ونحن قادرون على فعل ذلك». ورغم ذلك، أعرب المشرّعون من كلا الحزبين عن قلقهم إزاء عدم تقديم ترامب حتى الآن استراتيجية للخروج من هذا النزاع، وحذروا من تأثير الحرب على أسعار الوقود التي ارتفعت في جميع أنحاء أمريكا منذ بداية الحرب.
ومع تصاعد قلق الجمهوريين بشأن انتخابات شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المصيرية، قرر عدد متزايد من مرشحي هذا الحزب ومشرّعيه النأي بأنفسهم عن الرئيس في مسألة الحرب. وعلى الرغم من أن معارضي الحرب لا يزالون يمثلون أقلية، فقد صرح الخبراء الاستراتيجيون الجمهوريون لمجلة «تايم» بأن استياء الجمهوريين من الحرب في إيران من المرجح أن يواصل الارتفاع؛ ولكن لماذا؟
مخاوف التضخم عشية الانتخابات النصفية
عشية الانتخابات النصفية، دعا عدد من المرشحين الجمهوريين خلال حملاتهم الانتخابية إلى إنهاء الحرب مع إيران، ويخوض بعضهم منافسات متقاربة على مقاعد مجلس الشيوخ.
وقال الخبير الاستراتيجي الجمهوري والمستشار القانوني السابق للسيناتور راند بول عن ولاية كنتاكي، برايان دارلينغ، في حديث لمجلة «تايم»: «بالنسبة لمرشحي الانتخابات النصفية، يرتبط كل شيء بإعادة الانتخاب؛ وهم يريدون التأكد من قدرتهم على أن يُظهروا لناخبيهم أن لديهم المخاوف ذاتها بشأن حرب إيران». ويرى دارلينغ أن قسماً كبيراً من الاستياء حيال حرب إيران ينجم عن تأثيرها التضخمي داخل أمريكا. وأظهر تقرير نشره مكتب ميزانية الكونغرس الأمريكي الأسبوع الماضي، أن هذه الحرب أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة في أمريكا بشكل رئيسي بسبب تعطل شحن الحمولات عبر مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي يمر عبره نحو خُمس النفط الخام في العالم. وبحسب هذا التقرير، أضافت الحرب في الربع الثاني من عام 2026 ما مقداره 3/2 نقطة مئوية إلى معدل التضخم السنوي البالغ 3/5%. واستناداً إلى إحصاءات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ارتفع سعر البنزين العادي منذ اندلاع الحرب بنحو 52% ليصل إلى حوالي 48/4 دولارات للغالون الواحد. كما ارتفع سعر وقود الديزل في الفترة ذاتها بنسبة 71%.
ويمثل ارتفاع الأسعار بالنسبة لكثير من الأمريكيين أحد أهم الموضوعات عند الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات النصفية. وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة «رويترز/ إبسوس» في أواخر شهر آب/ أغسطس أن 47% من الناخبين ذكروا أن تكلفة المعيشة ستكون العامل الأكثر أهمية في قرارهم لاختيار مرشحهم في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر.
علاوة على ذلك، يُعدّ تأييد الحرب منخفضاً؛ واستناداً إلى الاستطلاع ذاته، يرى ربع الأمريكيين فقط أن هذه الحرب تستحق ذلك.
ورغم أن الجمهوريين ما زالوا يؤيدون الحرب بنسب أعلى مقارنة بالناخبين الديمقراطيين والمستقلين، تشير استطلاعات الرأي إلى أن رؤيتهم للحرب قد أصبحت سلبية بشكل ملحوظ خلال الأشهر المنقضية منذ اندلاعها. وأظهر استطلاع رأي لمؤسسة «يوغوف»، أُجري في الفترة من 18 إلى 21 أيلول/ سبتمبر، أن أغلبية هشة تبلغ 53% من الجمهوريين تعتقد، بالنظر إلى الأحداث الماضية، أن قرار الدخول في الحرب مع إيران كان صائباً. وتراجع هذا الرقم بمقدار 15 نقطة مئوية مقارنة بنسبة 68% ممن كانوا يحملون هذا الرأي في شهر نيسان/ أبريل. كما أظهر استطلاع آخر أجرته مؤسسة «إس إس آر إس» لصالح شبكة «سي إن إن» أن نسبة تأييد الجمهوريين للحرب تراجعت من 73% في شهر آذار/ مارس إلى 60% في أحدث جولة استطلاع أُجريت يومي 16 و17 أيلول/ سبتمبر. وعارض الحرب 53% من الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 45 عاماً.
وفي الوقت نفسه، تزايد قلق الجمهوريين من احتمال فقدان السيطرة على الكونغرس في الانتخابات النصفية؛ وهو قلق تفاقم بفعل تغير تقييمات خبراء الانتخابات بشأن الولايات والدوائر الانتخابية الرئيسية لصالح الديمقراطيين، فضلاً عن استطلاعات الرأي التي تُظهر تفضيل الناخبين لمرشحي الكونغرس الديمقراطيين في بطاقات الاقتراع العامة.
ويقول دارلينغ: «خلاصة القول بالنسبة لمعظم المرشحين هي أنهم يريدون الحديث عن حرب إيران وإنهائها بوصف ذلك حلاً لارتفاع أسعار البنزين».
وأشار المرشحون الذين طالبوا بإنهاء الحرب مع إيران في تصريحاتهم بصراحة إلى تأثيرها على الأسعار. وكتبت النائبة الجمهورية والمرشحة عن الحزب لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية آيوا، آشلي هينسون، يوم الإثنين الماضي على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي: «يرزح أهالي آيوا تحت الضغط، ولا ينبغي أن يضطروا لدفع تكلفة حرب إيران في محطات الوقود أو عند سداد قيمة مشترياتهم». وأضافت: أن «الحرب يجب أن تنتهي بنجاح وعلى الفور».
وطالب النائب الجمهوري السابق عن ولاية ميشيغان والمرشح أيضاً للفوز بمقعد مجلس الشيوخ في هذه الولاية، مايك روجرز، الأسبوع الماضي في إعلان ترويجي جرى تصويره داخل متجر للمواد الغذائية، بإنهاء الحرب.
وأشار روجرز إلى ارتفاع تكاليف الوقود والمواد الغذائية، قائلاً: «يجب أن تنتهي الحرب مع إيران، ويجب أن تنتهي بسرعة. تواجه عائلات ميشيغان صعوبات في تغطية نفقات المعيشة اليومية. لقد أصبحت المواد الغذائية باهظة الثمن أكثر من اللازم، ويجب علينا خفض الأسعار». كما صرح السيناتور الجمهوري عن ولاية أوهايو، جون هيستيد، الذي يواجه هذا العام منافسة محتدمة للاحتفاظ بمقعده، يوم الثلاثاء الماضي في حديث لموقع «بوليتيكو»، قائلاً: «يجب أن تنتهي الحرب في أسرع وقت ممكن حتى نتمكن من خفض سعر البنزين». وكان ترامب قد رفض في وقت سابق المخاوف المتعلقة بتأثير الحرب على أسعار البنزين، واصفاً إياها بأنها «ثمن ضئيل للغاية مقارنة بما أنجزناه» و«فكة نقود زهيدة». ومع ذلك، قال يوم الثلاثاء الماضي خلال كلمته إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن إدارته تدرس فرض حظر على تصدير الديزل للحد من ارتفاع أسعار الوقود. وقال ترامب: «لقد طالبتُ بذلك أيضاً؛ قلت: «دعونا لا نصدّر الديزل». نحن ننتج كميات كبيرة من الديزل، وقد طلبت من رجالي تنفيذ ذلك».
«يبدو أنه لا نهاية تلوح
في الأفق»
ورغم أن دارلينغ يرى أن التضخم هو السبب الرئيسي لاستياء الناخبين من حرب إيران، فإنه يؤكد أن العديد من المشرّعين والناخبين الجمهوريين قد سئموا أيضاً تورط أمريكا في النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم.
ويشير دارلينغ إلى الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق، ويقول: «إن بعض الجمهوريين ليسوا من دعاة التدخل، وبعضهم الآخر واقعيون، وحينما ينظرون إلى الوضع في إيران، لا يرون أي نهاية للأمر على الإطلاق». وأضاف: أن الناخبين ينظرون إلى إيران بقلق بسبب تجربة أفغانستان والعراق، ويرون فيها «ظروفاً شديدة الشبه». ويواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان قد وعد في حملته الانتخابية باتباع سياسة «أمريكا أولاً» وعدم إدخال الولايات المتحدة في حروب خارجية جديدة، ردَّ فعلٍ سلبي من جزء من قاعدته السياسية بسبب تدخلاته العسكرية في إيران ومناطق أخرى من العالم. ويقول الخبير الاستراتيجي الجمهوري المخضرم الذي عمل في قطاعات الاتصال السياسي في الكونغرس، دوغ هاي، إن غموض الجدول الزمني وخطة العمل لحرب إيران قد أثار موجة من المشاعر المناهضة لترامب في صفوف المشرّعين والناخبين الجمهوريين. وقال هاي لمجلة «تايم»: «يبدو أنه لا نهاية تلوح في الأفق، وهذا الأمر، جنباً إلى جنب مع ارتفاع الأسعار، قد أوجد مشكلة حقيقية للجمهوريين؛ إذ لم يعد بالإمكان اعتباره مجرد تقلب قصير الأجل». وقال النائب الجمهوري والمرشح عن الحزب لمنصب حاكم ولاية ميشيغان، جون جيمس، للصحفيين يوم الثلاثاء الماضي: «علينا إنهاء هذه الحرب سريعاً؛ لأن الحرب مروعة ولا أحد يحب الحرب». وفي مطلع الشهر الجاري، أعرب النائبان الجمهوريان زاك نان وماريانيت ميلر-ميكس، اللذان يخوض كلاهما منافسات انتخابية محتدمة للاحتفاظ بمقعديهما في ولاية آيوا، عن قلقهما بشأن غياب خطة واضحة لإنهاء النزاع، وذلك بعد أن صوّتا للمرة الأولى لصالح قرار يحدّ من قدرة ترامب على مواصلة الإجراءات العسكرية في إيران دون موافقة الكونغرس.
وقال العقيد في القوات الجوية الأمريكية والمحارب القديم في العمليات القتالية لبلاده، نان، في بيان له: «مع انغلاق نافذة المفاوضات، بات استمرار العمليات القتالية الآن يتطلب تفويضاً من الكونغرس. وبعد إيفادي مرات عدة إلى المنطقة وتنفيذ أكثر من 700 ساعة طيران قتالي في الشرق الأوسط، لن أدعم حرباً أخرى بلا نهاية محددة».
واتخذت ميلر-ميكس، التي خدمت لأكثر من عقدين في الجيش الأمريكي، موقفاً مماثلاً في منشور لها على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، مشيرة كذلك إلى تأثير النزاع على أسعار البنزين، وكتبت قائلة: «لقد ذكرتُ في شهر آذار/ مارس أن المهمة يجب أن تظل مركزة ومحدودة، لأن الأمريكيين لا يريدون حرباً أخرى لا نهاية لها. لن أصوت لصالح استمرار وجود جنودنا في حرب دون نهاية محددة؛ وهي حرب تجبر أهالي آيوا على دفع تكلفة باهظة للبنزين». وشملت قائمة الجمهوريين الآخرين الذين صوتوا لصالح هذا القرار كلاً من: توماس ماسي عن كنتاكي، وبرايان فيتزباتريك عن بنسلفانيا، ووارن ديفيدسون عن أوهايو، وتوم باريت عن ميشيغان، ونانسي ميس عن كارولاينا الجنوبية. وكانت هذه هي المرة الثالثة التي يجري فيها مجلس النواب الأمريكي تصويتاً للحدّ من صلاحيات ترامب في الحرب مع إيران. وأعربت غالبية الناخبين، بما في ذلك عدد من الجمهوريين، في استطلاعات الرأي الأخيرة عن قلقهم إزاء إطالة أمد الحرب. وأظهر استطلاع رأي لشبكة «فوكس نيوز»، أُجري في الفترة من 11 إلى 14 أيلول/ سبتمبر، أن 71% من الناخبين يرون أن إدارة ترامب لا تملك استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب، بينما بلغت هذه النسبة بين صفوف الجمهوريين 43%. وفي غضون ذلك، أظهر استطلاع رأي حديث لمؤسسة «يوغوف» أن 52% من الأمريكيين يعتقدون أن الحرب ستستمر لمدة عام آخر على الأقل. وقد ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يحملون هذا الاعتقاد تدريجياً خلال الأشهر الأخيرة؛ إذ بلغت هذه النسبة 50% في شهر آب/ أغسطس، و46% في شهر تموز/ يوليو، و32% في شهر آذار/ مارس بعد وقت قصير من اندلاع الحرب. ومع ذلك، واستناداً إلى هذا الاستطلاع، يتوقع 28% فقط من الجمهوريين أن تستمر الحرب حتى ذلك الحين.
