تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
تتمة المنشور من الصفحة 6
يمكن اعتبار السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين وجهين متكاملين لتجربة تاريخية واحدة.
كان السيد نصر الله وجهاً استطاع المزاوجة بين القيادة، والإعلام، والدين، والسياسة، والهوية الجمعية؛ وحظي في رؤية الإمام الشهيد بمكانة تجاوزت حدود القائد اللبناني أو زعيم تنظيم ما، لدرجة وصفه بـ«السيّد العزيز للأمّة الإسلامية»، و«حامل لواء المقاومة»، و«لسان شعوب المنطقة الصادق الناطق». في المقابل، مثّل السيد صفي الدين جيلاً تابع مسيرة المقاومة عبر التنظيم، والإدارة، وتوريث التجربة، والاستدامة التاريخية؛ وتتضح مكانته في بيان الإمام الشهيد حين وصفه بـ«المجاهد الرشيد والمضحي» و«من أبرز الشخصيات الكبرى لحزب الله»، إلى جانب لقبه كـ«عضد ورفيق دائم» للسيد حسن نصر الله. غير أن أهمية هاتين الشخصيتين تتجاوز في النهاية ذواتهما الفردية؛ إذ ينبغي دراستهما في سياق العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، والقائد والتنظيم، والكاريزما والمؤسسة، والذاكرة والهُوية، ولبنان والعالم الإسلامي. لقد أثبت السيد حسن نصر الله كيف يمكن لزعيم سياسي أن يتحول إلى رأسمال رمزي لتيار كامل؛ وأثبت السيد هاشم صفي الدين كيف يحتاج أي تيار -لتحقيق استدامته التاريخية- إلى جيل من القادة والمديرين الميدانيين. ولعل الأهم من ذلك كله، أن تجربة هاتين الشخصيتين تثبت أن أي حركة سياسية لا تتجاوز مستوى ردّ الفعل العابر إلا حين تنجح في نسج أواصر وثيقة بين المعنى، والتنظيم، والذاكرة الجمعية. ومن هذا المنظور، فإن توصيف الإمام الشهيد للسيد حسن نصر الله بأنه «لم يكن مجرد شخص، بل كان نهجاً ومدرسة»، لا يمثل مجرد تعبير عاطفي وجداني، بل يمكن أن يشكل منطلقاً لتحليل سوسيولوجي يبحث في كيفية تحول إنسان إلى رمز، وتحول تجربة سياسية إلى ذاكرة تاريخية.
وعلى الدرب عينه، تجب مقاربة تجربة السيد هاشم صفي الدين: من الفرد إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى الجيل، ومن الجيل إلى الذاكرة. وفي المحصلة، يمكن النظر إلى السيدين كصورتين متكاملتين لتجربة تاريخية فذة؛ أحدهما بوصفه وجه المقاومة وصوتها الهادر، والآخر بوصفه منظم صروحها وحامل راية استدامتها. ولعل هذا هو السرّ في أن مكانتهما في العالم الإسلامي لا يمكن اختزالها في جغرافية لبنان؛ فهما جزء من التاريخ المعاصر لخطاب عابر للأوطان، خطاب لم تعد فيه المقاومة مجرد تكتيك سياسي، بل أضحت في وجدان أتباعها جزءاً أصيلاً من هُويتهم، وذاكرتهم، ومعناهم التاريخي.
