تحت شعار «لبيك يا خامنئي»

أسبوع الدفاع المقدس.. حين تتحول ذاكرة الحرب إلى ثقافة وفن

/  تستعد إيران لإحياء الذكرى السادسة والأربعين لأسبوع الدفاع المقدس، عبر برنامج ثقافي وفني واسع يتجاوز استعادة وقائع الحرب إلى إعادة قراءة ذاكرتها الإنسانية والاجتماعية من خلال الأدب والسينما والمسرح والفنون التشكيلية والمتاحف والبرامج التعليمية. ويأتي هذا العام تحت شعار «لبيك يا خامنئي»، مع تنظيم مئات الفعاليات في مختلف المحافظات والمؤسسات، بمشاركة قطاعات ثقافية وتعليمية وأكاديمية ومدنية وعسكرية.
وخلال مؤتمر صحفي عقد في المتحف الوطني للثورة الإسلامية والدفاع المقدس في طهران، أعلن رئيس مؤسسة حفظ ونشر قيم الدفاع المقدس والمقاومة، العميد بهمن كاركر، أن برنامج هذا العام يضم 1194 برنامجاً و5256 نشاطاً وفعالية، تتوزع بين مختلف المحافظات والمؤسسات والجامعات والمدارس والمراكز الثقافية. وأكد أن ساحات الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى مجالات العلم والتكنولوجيا والإعلام، الأمر الذي يجعل توثيق الذاكرة والحفاظ عليها جزءاً من العمل الثقافي ونقل التجربة إلى الأجيال الجديدة.
من الحدث التاريخي إلى الذاكرة الثقافية
يحتل توثيق الحرب واستعادة تجاربها الإنسانية موقعاً محورياً في برامج هذا العام، مع التركيز على دور الثقافة في حفظ الذاكرة وتقديمها للأجيال الجديدة. وفي هذا السياق، أكد كاركر أهمية وسائل الإعلام في ما وصفه بـ«الحرب الإدراكية»، مشيراً إلى أن الإعلام بات أحد الميادين الأساسية للصراعات المعاصرة.
ودعا كاركر إلى توسيع حضور السينما والتلفزيون والأعمال الوثائقية في توثيق الحروب والأحداث الأخيرة، مؤكداً في الوقت نفسه أهمية الأدب والفنون التشكيلية وسائر أشكال التعبير الثقافي في بناء الذاكرة وتقديم قراءة إنسانية للتجربة الحربية.
وتكشف هذه الرؤية عن محاولة لتحويل الحرب من مجرد حدث تاريخي إلى مادة ثقافية قابلة للقراءة وإعادة التفسير، بحيث لا تبقى الذاكرة محصورة في الوثائق الرسمية أو الروايات المباشرة، وإنما تجد امتداداتها في الكتاب والصورة والعمل الفني والوثيقة والمتحف.
المتحف.. ذاكرة تتحدث بلغة الأشياء
ويأتي المتحف في صلب هذه العملية، باعتباره فضاءً لحفظ الذاكرة المادية للأحداث. وفي هذا الإطار، تعمل مؤسسة حفظ ونشر قيم الدفاع المقدس والمقاومة على جمع الوثائق والصور والتسجيلات والمستندات المرتبطة بالحروب والأحداث الأخيرة.
وأشار كاركر كذلك إلى جمع معدات قال إنها خلّفت خلال الهجوم الأميركي على منطقة دشت مهيار في محافظة أصفهان، موضحاً أنها أصبحت في حوزة المؤسسة، على أن تعرض في المتاحف في الوقت المناسب، لتكون جزءاً من المواد المادية التي توثق أحداث هذه المرحلة.
ولا يقتصر دور المتاحف والنصب التذكارية المرتبطة بالدفاع المقدس على عرض المقتنيات، إذ تترافق برامجها مع فعاليات لتخليد ذكرى الشهداء وتوثيق تجارب المشاركين في الحرب واستقبال الزوار، بما يجعل المتحف مساحة للقاء الأجيال مع الذاكرة التاريخية.
الكتاب والفن.. أصوات متعددة للذاكرة
وتمنح برامج أسبوع الدفاع المقدس مساحة واسعة للأدب والفنون، من خلال المعارض الأدبية والفنية والمسابقات الثقافية والرياضية، وإنتاج الأفلام الوثائقية والأعمال المرئية، إلى جانب تنظيم برامج ثقافية في المساجد والجامعات والمدارس.
ومن أبرز المشاريع الثقافية المقررة خلال الأسبوع إصدار 164 كتاباً جديداً في مجال الدفاع المقدس، من بينها مجموعة مؤلفة من 22 جزءاً بعنوان «أسلوب حياة أمهات الشهداء»، تتناول جوانب من التجارب الإنسانية والاجتماعية لعائلات الشهداء.
ويمثل هذا النوع من الإصدارات انتقالاً من السرد العام للحرب إلى التفاصيل اليومية والإنسانية التي عاشتها الأسر، بما يمنح الذاكرة بعداً اجتماعياً وشخصياً يتجاوز سرد المعارك والأحداث العسكرية.
الشباب.. نقل الذاكرة إلى المستقبل
وتولي برامج الأسبوع اهتماماً خاصاً بالشباب والعلم والتعليم، إذ يحمل اليوم الثاني من الفعاليات عنوان «الشباب؛ رواد العلم والاقتدار الوطني»، بالتزامن مع بدء العام الدراسي، ويتضمن برامج في الجامعات والمدارس والحوزات العلمية تتناول دور العلم والتكنولوجيا في الحروب الحديثة.
كما تتناول الفعاليات اللاحقة حضور المرأة والأسرة والمشاركة الشعبية، مع تنظيم برامج لتكريم عائلات الشهداء وتخليد ذكراهم وزيارة مراقدهم. ويشير منظمو الفعاليات إلى مشاركة مختلف شرائح المجتمع في عمليات الإغاثة وتقديم الخدمات خلال الأحداث الأخيرة، إلى جانب مشاركة أعداد كبيرة من الشباب في العمل التطوعي.
وبذلك تتجه برامج أسبوع الدفاع المقدس إلى بناء جسر بين الذاكرة والمستقبل؛ فالأدب يوثق التجربة الإنسانية، والسينما تعيد تشكيل الصورة، والمتاحف تحفظ آثار الحدث، فيما تسهم المدرسة والجامعة في نقل الذاكرة إلى أجيال لم تعش فترة الدفاع المقدس.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الثقافة مجرد جانب مكمّل لفعاليات إحياء الذكرى، بل تتحول إلى إحدى الأدوات الأساسية في حفظ الذاكرة وإعادة تقديمها.
فالكتاب والصورة والفيلم والمتحف والعمل الفني تتيح لكل جيل أن يقترب من الماضي بلغته الخاصة، وأن يقرأ التجربة الإنسانية للحرب من زوايا متعددة.
وهكذا، يسعى أسبوع الدفاع المقدس، من خلال برنامجه الثقافي المتنوع، إلى نقل الذاكرة من صفحات التاريخ إلى فضاءات الثقافة والفن، وتحويل تجربة الحرب إلى مادة حية للإبداع الأدبي والفني والسينمائي، وإلى موضوع تتناوله المتاحف والمؤسسات التعليمية. وبذلك، يتيح للأجيال الجديدة الاقتراب من الماضي عبر نوافذ ثقافية متعددة، فيما يبقى شعار «لبيك يا خامنئي» العنوان المركزي للذكرى السادسة والأربعين وبرامجها هذا العام.
البحث
الأرشيف التاريخي