الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وخمسة وخمسون - ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وخمسة وخمسون - ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

كوميديا سوداء برواية «الغارديان»

أثر الدماء على يدي ترامب؛ من ميناب إلى حفل زفاف سيريك

/ يشير الكاتب في صحيفة «الغارديان» إلى التناقض بين تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولي إدارته بشأن الحرب ضدّ إيران، مؤكداً أن تغيير تسمية هذا النزاع إلى «عملية عسكرية» لا يمكنه إخفاء حقيقة مجازر المدنيين وتكاليفها الإنسانية والاقتصادية والسياسية الباهظة؛ وهي حرب بقيت آثار دمائها شاخصة من ميناب إلى حفل زفاف سيريك.
«أنا لن أرسلكم للقتال والموت في حروب خارجية حمقاء لا تنتهي أبداً»؛ كانت هذه العبارة التي تفوّه بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية في عام 2024 أمام حشد من أنصاره في بنسلفانيا!
ويكتب كاتب المقال في صحيفة «الغارديان» بنبرة ساخرة متهكمة: إن الحرب في إيران، التي تصاعدت حدّتها خلال الأيام الأخيرة، قد تولد على الأرجح انطباعاً بأن الرئيس الأمريكي قد نكث وعده، غير أن هذا الاستنتاج قد لا يكون دقيقاً تماماً. فالقول بأن الرئيس الأمريكي قد زجّ بهذه البلاد في أتون حرب كارثية أخرى لا نهاية لها في منطقة غرب آسيا ليس صحيحاً؛ لأنه -كما يزعم مسؤولو إدارته باستمرار- فإن ما يجري في إيران ليس «حرباً» في واقع الأمر!
على سبيل المثال، صرّح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس للصحفيين مطلع الشهر الجاري، رداً على سؤال حول ما إذا كان النزاع في إيران سينتهي بحلول انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/ نوفمبر: «أنا لا أسمّيها حرباً. في الوقت الراهن، لا يوجد إطلاق نار نشط جارٍ». ويتابع كاتب المقال في «الغارديان» محافظاً على نبرته المتهكمة: ربما يكون الأمر كما يقول فانس، غير أن هناك «عمليات قصف نشطة وكثيرة نسبياً» كانت جارية. ففي مطلع الشهر الجاري (أيلول/ سبتمبر)، أصاب صاروخ أمريكي حفل زفاف أقيم في منزل جنوب إيران، مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص على الأقل، بينهم طفل في الرابعة من عمره وفتى في السادسة عشرة. وقد تبدو هذه الجريمة «معتدلة» نسبياً مقارنة بالمجزرة التي وقعت في شهر آذار/ مارس، حين أصاب صاروخ أمريكي «موجّه بدقة» مدرسة ابتدائية في إيران، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 150 شخصاً، من بينهم 120 طفلاً؛ لكنني شخصياً مازلت أصنّفها ضمن فئة «جرائم الحرب». ومع ذلك، تصرّ إدارة ترامب باستمرار على أن هذه ليست حرباً حقيقية، بل وتشدد على مزاعم أنه لم تقع أساساً أي «جريمة حقيقية!»، بل ويصرّ نائب ترامب على فرض هذه الرواية على الرأي العام بأن لا تصدقوا أعينكم وآذانكم بشأن التقارير المتعلقة بمقتل المدنيين. وعلى الرغم من تأكيد خبير أسلحة والتحليل البصري المصور الذي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» والذي يثبت أن القنبلة التي أصابت حفل الزفاف في منطقة سكنية كانت أمريكية الصنع، فإن فانس لا يزال متمسكاً بروايته، مدعياً (بنظرة عنصرية معهودة لدى ترامب ودائرته المقربة) أن القصة برمتها ربما تكون قد فُبركت من قِبل بعض الأشخاص غير الجديرين بالثقة من غير البيض! وادّعى فانس، في المؤتمر الصحفي ذاته المشار إليه، بشأن المجزرة في حفل الزفاف: أن «وسائل الإعلام الإيرانية لم تكن حتى الآن راوياً موثوقاً به للغاية بشأن ما حدث في هذا النزاع؛ ولذلك فإن لديّ شكوكاً بالغة حول هذا الموضوع».
ويضيف الكاتب: قد تنتاب نائب الرئيس الأمريكي الشكوك؛ لكني أشعر بالحيرة والذهول. فإذا لم تكن هذه حرباً، فما عساها أن تكون إذن؟ مناوشة واشتباك صغير؟ سلسلة لا نهاية لها من العمليات العسكرية الخاصة؟ فضيحة دموية؟ لقد وصفها ترامب نفسه في مناسبات متعددة بالحرب؛ فعلى سبيل المثال، ادّعى يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي أن «الحرب ستنتهي فور انتهاء الانتخابات». ومع ذلك، ولإضفاء مزيد من التعقيد على الأمر، زعم مؤخراً تأييداً لرأي فانس أن هذا النزاع ليس حرباً شاملة؛ كما ادّعى ترامب في الشهر الماضي أيضاً، قائلاً: «أنا أسمّيه نزاعاً عسكرياً، لأنه بالنسبة لنا مسألة قليلة الأهمية وصغيرة».
غير أن الكاتب يرى أن هذه المسألة قليلة الأهمية تنطوي على تكلفة باهظة للغاية؛ فهذه الحرب ذاتها التي «لا يسمّيها ترامب حرباً»، كبّدت أمريكا حتى الآن عشرات المليارات من الدولارات. وقد قدّر كبير الاقتصاديين في وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني مارك زاندي، أن هذا النزاع كلّف كل أسرة أمريكية عادية نحو 1200 دولار؛ وبطبيعة الحال، لا ينبغي نسيان التكلفة الإنسانية أيضاً؛ والمتمثلة في آلاف الأشخاص الذين فقدوا أرواحهم.
إن تسمية هذا «النزاع العسكري» ليست مجرد بحث في الدلالات اللغوية وعلم الألفاظ، بل إن القضية تكتسب أهمية بالغة للغاية؛ لاسيّما أن الدستور الأمريكي ينص صراحة على أن الرئيس لا يمكنه بدء حرب رسمية بصورة أحادية وبناءً على أهوائه ونزواته، بل إن الكونغرس وحده مَن يمتلك سلطة إعلان الحرب؛ وبطبيعة الحال، ليس ترامب أول رئيس يشنّ عملاً عسكرياً واسعاً دون الحصول على تفويض من الكونغرس؛ فقد أطلق الرئيس هاري ترومان أيضاً على حرب كوريا مسمى «إجراء شرطي» للالتفاف على الكونغرس، واستخدم الرؤساء اللاحقون ألعاباً ومناورات لغوية وخداعاً مشابهاً.
ولكن كما أشار المؤرخ وخبير العلاقات الخارجية السويدي - الأمريكي فريدريك لوغفال، في حوار مع كلية كينيدي بجامعة هارفارد، إن «الأمر المثير للدهشة بشأن ترامب في الظروف الراهنة هو أنه في الواقع لم يكلف نفسه حتى عناء استشارة الكونغرس، ناهيك عن السعي للحصول على موافقته. وبعبارة أوضح، إنه يتصرف كديكتاتور».
ومن باب الإنصاف، أعلن ترامب صراحة أنه يستنسخ أسلوب ترومان؛ إذ اعترف في حفل لجمع التبرعات في شهر آذار/ مارس قائلاً: «أنا لا أستخدم كلمة «حرب»، لأنهم يقولون إن استخدام كلمة حرب قد لا يكون جيداً. إنهم لا يحبون كلمة حرب، لأنه سيتعين عليك حينها الحصول على ترخيص وتفويض. ولذلك، فأنا أستخدم مصطلح «عملية عسكرية»، وهي كذلك في واقع الأمر حقاً. إنها عملية عسكرية للإبادة والتدمير».
وبحسب كاتب المقال، فإن تفادي الإعلان الرسمي للحرب قد يساعد الإدارة الأمريكية أيضاً على الالتفاف على بعض الالتزامات المفروضة «زمن الحرب» تجاه القوات العسكرية وعائلاتهم. وكتبت ليبي كلينر، وهي زوجة أحد طياري القوات الجوية الأمريكية الذي قُتل في عملية قتالية ضد إيران في شهر آذار/ مارس، مؤخراً عبر حسابها على منصة إنستغرام: «إنها لا تحصل على مزايا وحقوق محددة، لأن أمريكا -من الناحية الفنية- ليست في حالة حرب». وكتبت كلينر في هذا المنشور على إنستغرام: «أخبرتني القوات الجوية مؤخراً أنه نظراً لأننا لم نعلن الحرب رسمياً، فإنني وأطفالي غير مؤهلين للحصول على بعض المزايا. وبذلك، لم يُقتل زوجي في حرب لم يكن يرغب قط في خوضها فحسب، بل بات التلاعب بالألفاظ وانطباعات الرأي العام هو ما يملي علينا المزايا المتبقية لنا». وعقب الانتشار الواسع لهذا المنشور في الفضاء الافتراضي، يبدو أن الإدارة قد تحركت لتهدئة الأجواء؛ حيث زعم فانس مؤخراً أن الإدارة الأمريكية ستضمن حصول كلينر على «ما تستحقه». ومع ذلك، يكتب كاتب المقال في «الغارديان» حول هذا الشأن: قد تتمكن الإدارة الأمريكية من حل مشكلة مزايا كلينر، غير أن معالجة وتدارك الأضرار الاقتصادية والسياسية الناجمة عن هذه «اللاحرب» سيكون أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لها. فنسبة الرضا عن أداء ترامب تهوي بشدة، والغالبية العظمى من الأمريكيين ضاقوا ذرعاً بهذا النزاع الذي وصفه الرئيس بأنه «صغير وقليل الأهمية» والمستمر منذ 6 أشهر، والذي جعل الحياة اليومية أكثر خطورة وأعلى تكلفة.
وأظهرت تقديرات نشرتها جامعة براون الأسبوع الماضي أن هذا النزاع فرض تكاليف طاقة إضافية بقيمة 100 مليار دولار على كاهل الأمريكيين، وتزداد هذه «الفاتورة» بمقدار مليون دولار كل دقيقتين. كما تجاوزت أسعار النفط هذا الأسبوع حاجز الـ100 دولار للبرميل لأول مرة منذ شهر تموز/ يوليو الماضي. ونقرأ في ختام هذا المقال: يأتي هذا في وقت يبدو فيه أن الخيارات المتاحة أمام ترامب باتت شحيحة للغاية، في ظل تصاعد التوترات وغياب أي مسار واضح للخروج من الحرب. وكل ما تبقى له ليس سوى وعود جوفاء؛ إذ ادّعى الرئيس الأمريكي أن أسعار الطاقة ستهوي «فور انتهاء الانتخابات»، ووعد -في خطوة تبدو دليلاً على الإفلاس واليأس التام- بدفع 5 آلاف دولار لكل مواطن أمريكي بالغ إذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على كلا مجلسي الكونغرس في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر. بإمكان إدارة ترامب أن تطلق ما تشاء من تسميات على هذه الحرب، غير أن الأجيال القادمة ستعتبرها عملاً كارثياً نابعاً من الغطرسة والغرور والاعتداد الزائف بالنفس.
البحث
الأرشيف التاريخي