تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
رسالة صريحة من بيان «بريكس» إلى واشنطن: الإلغاء الفوري لإجراءات الحظر الأحادية وضمان الأمن النووي
عُقدت القمة الثامنة عشرة لقادة مجموعة بريكس باستضافة نيودلهي في ظل ظروف يتأثر فيها العالم بأزمة مستمرة منذ ستة أشهر ناجمة عن العدوان العسكري لأمريكا والكيان الصهيوني ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية. واعتُبر هذا الاجتماع اختباراً دبلوماسياً بالغ التعقيد لمجموعة بريكس الموسعة، التي رفعت عدد أعضائها في السنوات الأخيرة من 6 دول إلى 11 عضواً رئيسياً و10 شركاء حوار. ويضم هيكل هذه المجموعة دولاً ذات اهتمامات جيوسياسية متباينة، بما في ذلك إيران وحلفاء إقليميون لأمريكا مثل الإمارات، إلى جانب قوى كبرى مثل الهند والصين وروسيا.
صناعة الإجماع حول البيان الختامي
كانت الخلافات الناجمة عن أزمة منطقة غرب آسيا بين الأعضاء قد حالت في وقت سابق، خلال شهر أيار/ مايو، دون التوصل إلى اتفاق، واختُتم اجتماع وزراء خارجية بريكس آنذاك دون إصدار بيان. غير أن المشاورات المكثفة للدبلوماسيين في نيودلهي آتت أكلها هذه المرة؛ ففي اليوم الأول للقمة بالذات، جرت المصادقة بالإجماع من قِبل جميع الدول الـ11 الأعضاء على البيان الشامل والمكون من 45 صفحة والمعنون بـ«نيودلهي 2026»، وهو ما اعتبره المراقبون الدوليون مؤشراً على النضج الدبلوماسي وقدرة بريكس على إدارة الخلافات والتباينات الداخلية.
وسعى «إعلان نيودلهي» إلى بلورة نوع من الإجماع بين مختلف أطراف النزاع دون تسمية الدول بالاسم؛ فالإشارة إلى الهجمات على البنى التحتية المدنية ومنشآت الطاقة دون ذكر الجهة المنفذة جاءت من جهة تلبيةً لمطالب طهران التي تعرضت على مدار أكثر من 6 أشهر ماضية لهجمات عدوانية من أمريكا والكيان الصهيوني طالت البنى التحتية المدنية، واستجابت في الوقت ذاته لهواجس أبوظبي التي تزعم تضرر بعض منشآتها غير العسكرية خلال الهجمات الدفاعية الإيرانية التي استهدفت القواعد العسكرية الأمريكية.
الملاحة التجارية ومضيق هرمز
في صلب اهتمام «بريكس»
التأمت هذه القمة في وقت توقفت فيه حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز بشكل شبه كامل جراء حالة انعدام الأمن الناجمة عن العدوان العسكري الأمريكي، وتسببت الهجمات على ناقلات النفط الإيرانية وإغلاق خط أنابيب «شرق - غرب» الاستراتيجي في المملكة العربية السعودية في ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى ما فوق 100 دولار للبرميل؛ وهي تطورات فرضت ضغوطاً باهظة على اقتصادات كبار مستوردي الطاقة مثل الهند والصين.
وشكّلت قضية أمن وحرية الملاحة التجارية ملفاً استأثر باهتمام كافة الأطراف في هذه القمة؛ فمن جانب، ترزح إيران تحت وطأة حصار بحري أمريكي وهجمات تطال ناقلات نفطها. ومن جانب آخر، فرض إغلاق مضيق هرمز ضغوطاً كبرى على الأعضاء الرئيسيين في بريكس الذين يُعدّون من كبار مستوردي الطاقة عبر هذا المضيق.
وأكد البيان على ضرورة الاحترام المطلق لحرية الملاحة، وحق المرور البريء، والمرور الترانزيتي، مديناً كافة الممارسات والسلوكيات التي تعرض الممرات الملاحية الدولية للخطر. ورغم عدم ذكر اسم «مضيق هرمز» بصورة مباشرة في نص البيان لإتاحة التوصل إلى إجماع بين الأعضاء الـ11، إلا أن التشديد الخاص في البيان على «صون أمن الملاحة في الممرات المائية والشرايين الحيوية الدولية لضمان الانسياب السلس للتجارة وإمدادات الطاقة العالمية» يشير صراحةً وضمناً إلى الإغلاق والتعطيل الحاصل في مضيق هرمز.
وأعرب البيان الختامي بوضوح عن بالغ قلقه إزاء أي إجراء عسكري، أو احتجاز، أو هجمات تستهدف السفن التجارية وناقلات النفط في المياه الدولية والمضايق الاستراتيجية. وتمثل هذه العبارة في واقع الأمر رداً مشتركاً من الأعضاء على الهجمات الأمريكية ضد ناقلات النفط الإيرانية، وتزامناً مع ذلك، على حالة انعدام الأمن التي طالت خطوط الملاحة التجارية على سواحل الخليج الفارسي ومضيق هرمز.
وفي مجال الملاحة البحرية التجارية أيضاً، تبنى البيان لغة مزدوجة أخذت في الاعتبار مطالب الجمهورية الإسلامية الإيرانية بإدانة الهجمات على ناقلات النفط واحتجاز السفن التجارية، وأبرزت في الوقت ذاته مخاوف سائر الأعضاء من غياب الأمن في الممرات المائية التجارية الرئيسية.
كما أن تزامن الإعلان عن عقد اجتماع صلالة بين إيران وسائر الدول المطلة على الخليج الفارسي للإعلان عن توافق بين طهران ومسقط بشأن المسارات الجديدة لحركة السفن في مضيق هرمز مع انعقاد هذه القمة، يعكس مساعي إيران لتبديد قلق ومخاوف الدول الصديقة الأخرى في هذا التكتل بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز.
إدانة إجراءات الحظر الأحادية الأمريكية
جرت المصادقة على هذا البيان في ظل استمرار الحرب العدوانية الأمريكية ضد إيران، وقيام واشنطن -في المرحلة الجديدة من الحرب ضدّ الشعب الإيراني- بتشديد إجراءات الحظر الاقتصادي الأحادية وتهديد دول العالم بفرض عقوبات ثانوية أحادية الجانب على الدول التي تتعاون مع إيران.
وعلى الصعيد الاقتصادي أيضاً، انتقد البيان الختامي «الإجراءات القسرية الأحادية الجمركية وغير الجمركية» وإجراءات الحظر المفروضة خارج إطار مجلس الأمن، واصفاً إياها بغير القانونية ومطالباً بإلغائها الفوري؛ وهو ما يمثل خطاباً وتوجيهاً مباشراً -وإن جاء دون ذكر الاسم- لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي وثيقة بيان نيودلهي المكونة من 45 صفحة، أعرب أعضاء بريكس، دون تسمية الدول مباشرة، عن قلقهم البالغ إزاء تصاعد حدة التوترات في منطقة غرب آسيا، داعين إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس. وشدد الأعضاء على التسوية السلمية للخلافات عبر الحوار، وحماية المدنيين، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والحفاظ على أمن الملاحة البحرية والتدفق السلس للتجارة العالمية وفقاً للقانون الدولي.
إدانة استهداف المنشآت النووية المدنية
يتمثل أحد المحاور البارزة في البيان، والذي يُعدّ إنجازاً هاماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في الإدانة الصريحة للهجمات على المنشآت النووية؛ حيث أعلن بيان نيودلهي إعرابه عن قلقه البالغ والجاد إزاء الهجمات المتعمدة على البنى التحتية المدنية والمنشآت النووية السلمية الخاضعة لاتفاقات الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكداً على وجوب الحفاظ الكامل على الأمن والسلامة النووية حتى أثناء النزاعات المسلحة.
كما أعرب البيان عن دعمه لانضمام كل من إيران وإثيوبيا، بوصفهما عضوين في مجموعة بريكس، إلى منظمة التجارة العالمية.
انتقاد لاذع من الأعضاء للأحادية وتأجيج التوترات
حذّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في كلمته، من أن منظومة العلاقات الدولية برمتها تتجه نحو الانهيار بفعل محاولات الغرب مقاومة بروز عالم متعدد الأقطاب. وانتقد بوتين الفكر الاستعماري الغربي وتقسيم العالم إلى «حديقة غناء وغابة موحشة»، مديناً اللجوء إلى الابتزاز، وإجراءات الحظر غير المشروعة، والحروب الجمركية.
وشدد الرئيس الروسي على ضرورة تعزيز دور ميثاق الأمم المتحدة، وتوسيع مجلس الأمن بضم دول آسيوية وأفريقية ولاتينية، فضلاً عن إصلاح هيكل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، معلناً دعمه لمشاريع وخطط بريكس لإنشاء منصات دفع وتسوية مستقلة ومنصة لتبادل الحبوب.
بدوره، أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الذكرى العشرين لتعاون دول بريكس، واصفاً هذه المجموعة بالمنصة الأكثر تأثيراً للدول النامية. وشدد على أن حرب غرب آسيا ألحقت خسائر فادحة بشعوب المنطقة، ولا تصب بأي حال من الأحوال في مصلحة المجتمع الدولي.
وجدد شي جين بينغ تأكيده على المبادرة الصينية ذات النقاط الأربع لتحقيق السلام والاستقرار في غرب آسيا، داعياً للتحرك نحو وقف دائم وشامل لإطلاق النار، مشيراً إلى استعداد الصين بالتعاون مع سائر أعضاء بريكس للقيام بدور بنّاء لإحلال السلام والهدوء في الشرق الأوسط.
من جهته، صرح رئيس وزراء الهند ومستضيف القمة ناريندرا مودي بأنه لا ينبغي لدول الجنوب العالمي أن تكون مجرد «متلقٍ للقوانين»، بل يجب أن تتحول إلى «صانعة ومصممة لها». وقدّم خارطة طريق مكونة من 10 بنود للحوكمة العالمية، داعياً إلى تحويل هرم القوة والامتيازات الدولية إلى منصة قائمة على الشراكة العادلة.
كما تزامنت مشاركة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسعود بزشكيان في القمة مع إلقاء كلمات هامة نددت بالنزعة الأحادية لأمريكا وعجز الأمم المتحدة وتقاعسها. واستعرض الرئيس بزشكيان الخسائر البشرية للحرب، مؤكداً على أن تحقيق أمن الشرق الأوسط ينبغي أن يتم عبر اللاعبين الإقليميين أنفسهم، وطرح مقترحات عملية شملت التبادل التجاري بالعملات الوطنية، وتأسيس نظام تسوية ومقاصة متبادلة، وإنشاء شركة مشتركة لإعادة التأمين لدول بريكس برأس مال قدره 10 مليارات دولار.
وعلى هامش القمة، التقى الرئيس مسعود بزشكيان برئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، ورئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد علي، وولي عهد أبوظبي خالد بن محمد؛ حيث جرى التأكيد خلال هذه اللقاءات على إدانة الاعتداءات الخارجية.
وقاد وزير الخارجية الإيراني السيد عباس عراقجي مشاورات ثنائية مع وزير خارجية الصين وانغ يي، ووزير خارجية البرازيل ماورو فييرا. وفي تصريحات لوسائل الإعلام الهندية، أشاد عراقجي بإدارة الهند للقمة، مؤكداً على وجود إجماع بين الأعضاء لتقليص التبعية للدولار، معلناً أن موضوع العملة الموحدة لبريكس يخضع للدراسة على المستوى التخصصي، وأن إيران تتابع بجدية نيل العضوية الكاملة في بنك التنمية الجديد التابع لبريكس (NDB).
ويمكن اعتبار بيان يوم السبت لقادة مجموعة بريكس إنجازاً دبلوماسياً لافتاً لهذا التكتل المتعدد الأطراف الصاعد؛ إذ نجح الأعضاء الـ11 في بريكس -عبر تقديم المشتركات واعتماد الحلول الدبلوماسية- في التغلب على الخلافات البينية، ليتردد صوت واحد موحد لبريكس على مسامع العالم بأسره.
