الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وثمانية وأربعون - ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وثمانية وأربعون - ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - الصفحة ٦

السعودية وأميركا أمام هزيمة رهاناتهما

اليمن يقلب معادلة الحرب.. من الساحل الغربي إلى باب المندب

/ دخلت السعودية الحرب على اليمن وهي تراهن على معادلة بدت محسومة: تفوق جوي هائل، قدرات مالية وعسكرية ضخمة، دعم أميركي، وقوى محلية مدعومة بالسلاح والتمويل، في مقابل بلد محاصر يفترض أن تؤدي سنوات القصف والاستنزاف إلى إخضاعه وكسر إرادته. لكن الرهان انتهى إلى نتيجة مختلفة؛ اليمن لم يسقط، وصنعاء لم تتراجع، والقوات المسلحة اليمنية لم تكتفِ بالصمود، بل راكمت خبرة قتالية واسعة وانتقلت تدريجياً من الدفاع إلى المبادرة وفرض الوقائع على الأرض.
اليوم، تتحدث التقارير عن تحول ميداني واسع على الساحل الغربي، من جنوب الحديدة والجراحي وحيس والخوخة، إلى موزع وذوباب، وصولاً إلى المخا ومحيط باب المندب والجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر. وتكمن أهمية هذه التطورات في أنها جاءت متتابعة ومترابطة؛ فكل تقدم فتح المجال أمام تقدم جديد، وكل تراجع في جبهة انعكس على الجبهات المجاورة، وصولاً إلى وضع أصبحت فيه المخا نفسها عنواناً لتحول كبير في ميزان القوة.إنها ليست مجرد جبهة تتحرك، بل خريطة عسكرية وسياسية تتغير أمام الرياض وواشنطن.
الساحل الغربي.. انتصارات متتالية قلبت اتجاه المعركة
في جنوب الحديدة، تزامن التقدم باتجاه الجراحي وحيس والخوخة مع التحرك في موزع وذوباب، ما وضع خطوط دفاع القوى المناهضة للقوات المسلحة اليمنية تحت ضغط متزايد.
ولم يعد الأمر متعلقاً بسقوط موقع منفرد، بل بتراجع منظومة عسكرية كاملة بُنيت لسنوات بهدف منع القوات اليمنية من التقدم نحو الساحل والجنوب.
وجاءت المخا لتشكل أبرز محطات هذا التحول. فالمدينة كانت من أهم نقاط ارتكاز خصوم القوات المسلحة اليمنية على الساحل الغربي، ولذلك فإن سقوطها، لا يمثل خسارة جغرافية فحسب، بل ضربة مباشرة للبنية العسكرية التي اعتمدت عليها القوى المدعومة من الرياض في تثبيت حضورها على البحر الأحمر.
ومع تغير السيطرة على المخا، أصبحت ذوباب ومحيط باب المندب في صلب الحسابات العسكرية.
وسبق ذلك، وفق المصادر التي تناولت التطورات، تقدم في جبهات جنوب الحديدة وغربي تعز والسيطرة على مواقع عسكرية مهمة، بينها معسكر خالد بن الوليد. 
كما أشارت التقارير إلى اضطراب خطوط الإمداد وانسحاب أو إعادة انتشار قوات من مواقع عدة. وهكذا تحولت المعركة إلى سلسلة من الضغوط المتراكمة: الجبهة التي كان يفترض أن تمنع التقدم أصبحت مساحة للتقدم، وخطوط الإمداد تحولت إلى نقاط ضعف، والقوى التي كانت تتحرك من موقع المبادرة أصبحت مضطرة إلى إعادة ترتيب صفوفها.وهنا تكمن القيمة الحقيقية للانتصارات اليمنية: ليس في عدد المواقع وحده، بل في تغيير إيقاع المعركة ونقل المبادرة من طرف إلى آخر.
من المخا وذوباب إلى باب المندب
مع انتقال العمليات نحو ذوباب ومحيط باب المندب، اكتسبت التطورات بعداً يتجاوز الجغرافيا البرية. فباب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأي تحول في ميزان القوة بالقرب منه يفرض نفسه على حسابات التجارة والطاقة والملاحة الدولية.
وتحدثت تقارير عن تطورات مرتبطة بجزر حنيش وجزر أخرى في البحر الأحمر، مع اختلاف بعض الروايات بشأن تفاصيل السيطرة عليها. لكن المؤكد أن اتساع نطاق العمليات باتجاه هذه الجغرافيا جعل البحر الأحمر جزءاً مباشراً من المعادلة اليمنية.
ولا يعني ذلك بالضرورة إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة، لكن وجود قوة يمنية أكثر حضوراً في محيطه يجعل تجاهل أمن اليمن وسيادته أكثر صعوبة عند بحث أمن البحر الأحمر. وهنا تظهر المفارقة: الساحل الذي أرادت الرياض أن يكون جداراً يمنع صنعاء من الوصول إلى البحر أصبح أحد أهم مسارات تقدمها.
واشنطن في قلب المعادلة
منذ بداية العدوان على اليمن، حضرت الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً واستخبارياً، وتحدثت تقارير عن وجود أكثر من مئة مستشار عسكري أميركي في السعودية، إلى جانب أدوار في التدريب والدعم الاستخباري والمساعدة في تحديد الأهداف، وهي معلومات ينبغي التعامل معها باعتبارها منسوبة إلى مصادر وتقارير صحافية.
لكن المفارقة الأساسية لا تتوقف عند عدد المستشارين. فإذا كانت الرياض تمتلك التفوق العسكري والموارد الهائلة، وكانت واشنطن توفر الدعم التقني والاستخباري، فإن النتيجة الميدانية جاءت بعكس الهدف الذي قامت عليه الحرب. القوات المسلحة اليمنية لم تُكسر، بل أصبحت تتحرك في جبهات كانت لسنوات تحت سيطرة خصومها، فيما تحولت المخا ومحيط باب المندب إلى نقاط مركزية في المشهد.
وهذا يكشف حدود القوة الخارجية. تستطيع واشنطن تقديم السلاح والمعلومات والخبرة التقنية، لكنها لا تستطيع صناعة إرادة يمنية بديلة. كما تستطيع الرياض تمويل وتسليح قوى محلية، لكنها لا تستطيع ضمان وحدة القرار بينها. فالتفوق الجوي والدعم الاستخباري لا يكفيان وحدهما لحسم حرب طويلة أمام طرف استطاع التكيف وإعادة بناء قدراته والانتقال إلى المبادرة.
والأخطر بالنسبة إلى واشنطن أن تقدم القوات  المسلحة اليمنية بات مرتبطاً بمصالحها في البحر الأحمر. فكلما اقتربت التطورات من باب المندب، أصبحت حماية الملاحة والاستقرار الإقليمي أكثر ارتباطاً بالتعامل مع صنعاء كطرف فاعل لا يمكن تجاوزه.
من الحصار إلى تغيير ميزان القوة
أرادت السعودية أن يؤدي الحصار والاستنزاف إلى إضعاف اليمن ودفعه إلى التراجع. لكن مسار الحرب أنتج نتيجة مختلفة: تحول اليمن من موقع المتلقي للضربات إلى موقع قادر على إنتاج كلفة مقابلة، ومن الدفاع إلى المبادرة، ومن مواجهة الحرب داخل أراضيه إلى التأثير في الحسابات المرتبطة بالبحر الأحمر.
وفي المقابل، تواجه الرياض نتيجة لا تنسجم مع الرهان الذي بدأت الحرب على أساسه. فالمواقع التي أُنشئت لمنع تقدم القوات المسلحة اليمنية أصبحت عرضة للتراجع، والقوى التي كان يعول عليها في تثبيت الساحل اضطرت إلى إعادة الانتشار، فيما أصبحت القوات المسلحة اليمنية باتت أقدر على المبادرة  وتحديد اتجاه العمليات. وهكذا لم يعد أثر الانتصار يُقاس بالأرض وحدها، بل بما أحدثه من تغيير في ميزان القوة وشروط المرحلة المقبلة.
الميدان الذي أعاد رسم المعادلة
ما يجري على الأرض لم يعد مجرد تبدل في خطوط السيطرة، بل تحول إلى عامل يعيد تشكيل المعادلة السياسية نفسها. فكل تقدم ميداني حققته القوات المسلحة اليمنية وسّع هامش حركتها، ورفع كلفة تجاهلها، وحوّل حضورها العسكري إلى ورقة سياسية يصعب تجاوزها في أي تسوية مقبلة.
الميدان لم يمنح القوات المسلحة اليمنية مواقع جديدة فحسب، بل منحها قدرة أكبر على التأثير في شكل المرحلة المقبلة. فالقوة التي كانت تخوض المعركة من موقع  الدفاع عن نفسها أصبحت قادرة على فرض وقائع، والخصوم الذين كانوا يحددون إيقاع المواجهة باتوا مضطرين إلى التعامل مع نتائج يفرضها الواقع العسكري.
لذلك، فإن قيمة ما تحقق لا تختصر في الأرض التي تغيرت السيطرة عليها، بل في الأثر الذي تركته الانتصارات على ميزان القوة وموقع اليمن داخل المعادلة الإقليمية. 
البحث
الأرشيف التاريخي