تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
الروبوتات القتالية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي
من المختبر إلى غزة .. الجامعات الأمريكية في قلب آلة الحرب الصهيونية
تحقيق استقصائي استند إلى أكثر من ألف صفحة من الوثائق يكشف عن تعاون بحثي امتد، منذ عام 2009 على الأقل، بين وزارة الدفاع الصهيونية وما لا يقل عن 30 جامعة أمريكية، وشمل أكثر من 70 مشروعًا. واللافت أن هذه المشاريع لا تتعلق فقط بتقنيات عسكرية تقليدية، بل بمجالات تقع في قلب حروب المستقبل: الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، الطائرات المسيّرة، تحليل البيانات، الاستشعار، وتتبع حركة السكان.
السؤال الأكثر خطورة هو: إلى أي مدى أصبحت المعرفة الجامعية جزءًا من البنية التكنولوجية التي تجعل الحرب أسرع وأكثر أتمتة وأقل خضوعًا للرقابة البشرية؟
من الصراصير الآلية إلى روبوتات ساحات القتال
قد يبدو تطوير روبوت يشبه الصرصور أو دودة الأرض مشروعًا علميًا طريفًا، وربما بعيدًا عن الحرب. لكن عندما يأتي التمويل من وزارة الدفاع الصهيونية، يصبح السؤال حول الاستخدام النهائي لهذه التكنولوجيا أكثر إلحاحًا.
طورت فرق بحثية أمريكية روبوتات صغيرة مستوحاة من الحشرات والديدان، وطائرات مسيرّة مصغرة قادرة على استكشاف الكهوف والمباني المنهارة، وروبوتات رباعية الأرجل تستطيع الحركة في تضاريس مختلفة. ولا تحمل هذه التقنيات بالضرورة وظيفة عسكرية في شكلها الأكاديمي، لكنها توفر للجيش قدرات يمكن أن تكون ذات قيمة عسكرية: الدخول إلى أماكن يصعب على الجنود الوصول إليها، الاستطلاع عن بعد، جمع المعلومات وتقليل المخاطر على القوات. وهنا تكمن إحدى أهم سمات الحرب الحديثة:لم يعد السلاح بالضرورة بندقية أو صاروخًا؛ فقد يكون خوارزمية أو مستشعرًا أو روبوتًا صغيرًا يجمع المعلومات قبل أن يبدأ الهجوم.
الذكاء الاصطناعي.. من تحليل الصورة إلى تحديد الهدف
الأكثر حساسية في هذه الشبكة هو التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي. فبعض المشاريع الجامعية تناولت تطوير أنظمة تستطيع تحليل الفيديو وإنشاء أوصاف تلقائية لما يظهر فيه، بينما ارتبطت مشاريع أخرى باكتشاف الأشياء وتصنيفها وتحليل المشاهد بصريًا.
في السياق العسكري، تتحول هذه القدرة إلى شيء مختلف تمامًا. فالكاميرا تجمع البيانات، والطائرة المسيّرة تنقلها، والخوارزمية تحللها، ثم تُستخدم النتائج في بناء صورة استخباراتية عن المكان والأشخاص والحركة.
هذه هي البيئة التي تتشكل فيها ما تُعرف بـ«سلاسل القتل» المدعومة بالذكاء الاصطناعي: سلسلة تبدأ بجمع البيانات وتنتهي بتحديد الهدف وتنفيذ الضربة.
المشكلة لا تتوقف عند سرعة الآلة، بل عند حجم البيانات التي تستطيع معالجتها. فكلما أصبحت الخوارزميات أكثر قدرة على تحليل آلاف الصور ومقاطع الفيديو والبيانات في وقت قصير، زادت إمكانية إنتاج عدد أكبر من الأهداف بوتيرة أسرع من قدرة البشر على مراجعتها بصورة مستقلة ومتأنية.
الإنسان يتحول إلى «بيانات»
من أخطر جوانب التعاون أيضًا استخدام تقنيات تحليل الشبكات الاجتماعية وبيانات الهواتف المحمولة.
فقد تناولت بعض المشاريع خوارزميات تستهدف تحليل العلاقات داخل الشبكات الاجتماعية، وتحديد ما وصف بـ«المتعاطفين»مع المقاومة في لبنان، بينما بحثت مشاريع أخرى في استخدام بيانات مواقع الهواتف لتتبع حركة السكان في كيان الاحتلال والأراضي المحتلة. هنا تنتقل الحرب من استهداف موقع عسكري محدد إلى مراقبة السلوك والحركة والعلاقات الاجتماعية. يصبح الهاتف المحمول مصدرًا للمعلومات، وشبكة العلاقات الاجتماعية خريطة استخباراتية، والحركة اليومية للسكان مادة يمكن تحليلها خوارزميًا.
وهذا يطرح سؤالًا أخلاقيًا يتجاوز حدود التكنولوجيا: ماذا يحدث عندما تُحوَّل حياة المدنيين إلى نقاط وبيانات داخل نظام أمني؟ وماذا يحدث عندما يمكن لخوارزمية أن تصنف شخصًا باعتباره «مشبوهًا» أو جزءًا من شبكة معينة دون أن يكون هذا التصنيف مفهومًا أو قابلًا للطعن من جانب الشخص نفسه؟
التمويل الأمريكي..الحلقة التي تربط الجامعة بالحرب
الأكثر أهمية في هذه القضية هو أن المسألة لا تبدو مجرد تعاون بين باحثين صهاينة وأمريكيين. فوفق الوثائق التي تناولها التحقيق، جرى تمويل عدد من المشاريع عبر وزارة الدفاع الصهيونية، باستخدام آليات مرتبطة بالمساعدات العسكرية الأمريكية. أي أن الأموال تتحرك في دائرة واضحة: المال الأمريكي يصل إلى كيان الاحتلال الذي يستخدم جزءًا منه لشراء خدمات دفاعية، وبعض هذه الخدمات يتمثل في أبحاث تُنفذ داخل جامعات أمريكية.
واللافت أن هذه المشاريع لم تُعامل بالضرورة كمنح بحثية عسكرية تقليدية، وإنما كعقود لشراء «مواد وخدمات دفاعية». هذه الصيغة تثير سؤالًا جوهريًا حول الشفافية: إذا كانت الأبحاث ذات صلة مباشرة باحتياجات عسكرية، فلماذا لا تخضع للدرجة نفسها من الرقابة التي تخضع لها صفقات السلاح التقليدية؟
الفجوة بين الورقة العلمية والعقد العسكري
تكشف الوثائق أيضًا عن تناقض يستحق التوقف عنده: بعض المقترحات المقدمة إلى وزارة الدفاع الصهيونية تحدد استخدامات عسكرية واضحة، بينما تظهر الأوراق العلمية المنشورة لاحقًا بلغة مدنية أكثر عمومية.
قد يكون البحث في حد ذاته عامًا وقابلًا لاستخدامات متعددة، لكن المشكلة تكمن في تجاهل السياق الذي جرى فيه تمويله. فإذا كان العقد العسكري يتحدث عن المتفجرات أو ساحة المعركة، ثم تظهر الورقة العلمية نفسها تحت عنوان التعدين أو الروبوتات المدنية، فإن القارئ لا يحصل على الصورة الكاملة. وهنا تظهر الحاجة إلى شفافية أكبر حول من يمول البحث، ولماذا، وما الاستخدامات المتوقعة لنتائجه.
من يملك المعرفة يملك جزءًا من الحرب
ختاماً، تكشف هذه القضية تحول الجامعات ومختبرات الأبحاث وشركات التكنولوجيا إلى أطراف فاعلة في إنتاج المعرفة العسكرية، بعدما تجاوز دورها حدود البحث الأكاديمي إلى تطوير تقنيات تدخل مباشرة في منظومات الحرب. فالباحث قد لا يصنع السلاح، لكنه يطور خوارزمية توجهه، أو نظامًا يحسن أداء المسيّرات، أو تقنية تساعد على اكتشاف الأهداف وتحليل البيانات. ومع تصاعد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الرصد والاستهداف وتسريع القرارات العسكرية، تبرز أسئلة جوهرية حول حدود التعاون الأكاديمي ومسؤولية المؤسسات عن الاستخدامات العسكرية لأبحاثها، خصوصًا عندما تتحول المعرفة المنتجة داخل المختبرات إلى تقنيات تُستخدم في ساحات القتال، وتصبح الجامعات جزءًا من المنظومة العسكرية.
