تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
استعراض الأبعاد الاستراتيجية لمسرع الجيل الرابع وتأثيراته التنموية على المنطقة والعالم الإسلامي
«جشمه نور».. أكبر مشروع علمي إيراني في طريقه للتحقق
«جشمه نور».. محرّك الاكتشاف
أكد الدكتور لاريجاني، في مستهل الحوار، على المكانة التاريخية والحضارية لهذا المشروع، موضحاً: يُعد مشروع «جشمه نور إيران» أكبر مشروع علمي في البلاد، ليس فقط في العصر المعاصر، بل على امتداد التاريخ الإيراني برمته. وفي الأدبيات العلمية العالمية، يُطلق على هذه البنى التحتية اسم «محرك الاكتشاف»؛ لأنها إلى جانب تطبيقاتها الصناعية والعلاجية الواسعة، تُعدّ مصدراً للاكتشافات العلمية الأساسية في مجالات الفيزياء وعلم الأحياء (البيولوجيا) وفهم الكون.
وأشار لاريجاني إلى الطبيعة التي تتطلب تعاقب الحكومات في المشاريع العلمية الكبرى، قائلاً: المشاريع العلمية الضخمة، خلافاً لمشاريع الإعمار قصيرة الأجل، تتطلب وقتاً طويلاً. لقد كان معهد الدراسات الأساسية (IPM) منفذاً لمشاريع وطنية تحولية من قبل؛ منها إدخال أولى خطوط الإنترنت إلى البلاد في عام ١٩٩١، والتي ربطت أكثر من ٩٠ جامعة وأرست دعائم النطاق الوطني (.ir)، وكذلك إنشاء «المرصد الوطني الإيراني» الذي جعل إيران الجهة الوحيدة التي تمتلك مثل هذه البنية التحتية الاحترافية في العالم الإسلامي، وأسندت رئاسة مجموعة عمل الفلك في مجموعة «بريكس» إلى إيران. إلا أن مشروع المسرع الوطني «جشمه نور» يفوق المرصد الوطني ضخامةً وتعقيداً بأضعاف مضاعفة.
وأشار رئيس معهد الدراسات الأساسية إلى الدعم الاستراتيجي الذي قدّمته السلطة والحكومات، مضيفاً: لقد وُضعت اللبنات الأولى لهذا المشروع وللمرصد الوطني في الحكومات السابقة، ودعمتها جميع الحكومات؛ لكن العمود الفقري والمحفز الرئيسي لهذه القفزات العلمية الكبرى كان القائد الشهيد، الذي أصبح شخصياً داعماً لهذه المشاريع بدعمه المادي والمعنوي الواسع ومتابعته المستمرة. وفي الوقت الراهن أيضاً، تولي الحكومة ووزارة العلوم والمعاونية العلمية، وبالأخص الدكتور عارف، اهتماماً كبيراً بهذا المشروع مع إشراف علمي دقيق.
وحول الآلية العلمية لهذا المسرع، أوضح لاريجاني قائلاً: هناك فئتان من المسرعات في العالم؛ الفئة الأولى مثل مصادم «سيرن»، التي تنتج جسيمات أولية جديدة عن طريق شطر النواة. أما في مسرع «السينكروترون» من الجيل الرابع الذي نعمل على بنائه حالياً، فلا يتم شطر النواة، بل تصل حزمة الإلكترونات إلى سرعة تقترب من سرعة الضوء. وفي هذه الحالة، تنبعث إشعاعات وتوهجات فريدة من نوعها نتيجة الاصطدام بالمادة، مما يقدم للعلماء معلومات لا مثيل لها عن جوهر المادة وطبيعتها.
وأكد لاريجاني على استراتيجية التوطين، قائلاً: استراتيجيتنا في المعهد هي أنه «لغزو علم ما يجب فتح عاصمته»؛ وبناءً على ذلك، اتجهنا نحو بناء النماذج وتوطين الأنظمة الفرعية فائقة التطور؛ بما في ذلك تصميم وبناء المسرع الخطي والمغناطيسات متعددة الأقطاب المعقدة، التي أثمرت بفضل جهود علماء البلاد الشباب وتخليداً لذكرى جهاد الشهيد الدكتور شهرياري. وأضاف: في الوقت الراهن، تم الانتهاء من التصميم الشامل لهذا المشروع، واختبار النماذج بنجاح، ومع مصادقة لجنة المادة ٢٠، وصلنا إلى تقدم بنسبة ٣٠٪ تقريباً في قسم التجهيزات، والتي ستصل إلى التشغيل الكامل خلال برنامج يمتد لـ٧ إلى ٨ سنوات، فور تأمين الاعتمادات بالكامل.
رؤية ما بداخل الجزيئات بتكنولوجيا تتجاوز حدود النانو
من جانبه، أوضح المدير العلمي لمشروع «جشمه نور إيران»، عبر شرح التفاصيل التقنية وتميز هذه البنية التحتية الوطنية، قائلاً: «جشمه نور» هو نوع خاص من مسرعات الجسيمات بأبعاد تقريبية تضاهي ملعب كرة قدم.
وتتلخص وظيفة هذا المركز في إنتاج نوع خاص من الإشعاع الضوئي المتوافق الطور ومتحد الطاقة، والذي لا يمكن إنتاجه بأي أداة أخرى على وجه الأرض. هذا الإشعاع فائق السطوع يتيح إمكانية التصوير الحقيقي والمباشر وتحليل المواد على مستوى الجزيئات المفردة وبمقاييس أقل من النانو؛ وهو إنجاز يمثل أساس تطوير تقنيات ثورية مثل الرقائق الإلكترونية بدقة ٣ و ٤ نانومتر.
وأكد الدكتور صادقي بناه على التطبيقات غير المحدودة لـ«جشمه نور»، مضيفاً: في كل علم وصناعة تحتاج إلى المراقبة والتتبع على مقياس النانو -بدءاً من صناعات النفط والغاز والمحفزات والبوليمرات، وصولاً إلى صناعات الصلب والأدوية وتصنيع اللقاحات الحديثة (مثل لقاح كورونا فايزر) وتحديد العناصر المعدنية النادرة مثل الليثيوم والإيريديوم والغاليوم- يعد هذا المسرع أداة لا بديل لها. علاوة على ذلك، فإنه يوفر في عمليات الرصد البيئي إمكانية تتبع الملوثات بدقة مذهلة تصل إلى جزء واحد في المليار. واليوم، تمتلك الدول الصناعية المتقدمة العديد من مصادر الضوء، ويُعد امتلاك هذه الأداة شرطاً أساسياً لرفع المستوى العلمي للبلاد إلى مراتب عليا.
وحول ضرورة الاكتفاء الذاتي والتصنيع المحلي، صرح الدكتور صادقي بناه قائلاً: في حلقة التخزين لهذا المسرع، يجب أن تدور حزمة الإلكترونات حوالي ٦٠٠ ألف دورة في الثانية لمدة تتراوح بين ٧ إلى ١٠ ساعات، وأن يتم احتواؤها بأبعاد ميكرومترية؛ وهي دقة لم تكن موجودة في صناعة البلاد من قبل. لا يمكننا الإبقاء على جهاز بهذا النطاق معتمداً على الدعم الخارجي، لذا تم وضع هدف لتوطين أكثر من ٦٠٪ من القطع الرئيسية، وقد شاركت حتى الآن أكثر من ٥٠ شركة قائمة على المعرفة في هذه العملية.
التقارب الدولي والمرجعية العلمية
في المنطقة والعالم الإسلامي
في جانب آخر من هذا الحوار، تم التطرق إلى الأبعاد الدولية والإقليمية لمشروع «جشمه نور». فبفضل السجل الحافل لعلماء إيران في مختبر «سيرن» في سويسرا -بما في ذلك مشاركة المهندسين الإيرانيين وتصنيع معدات رئيسية في اكتشاف جسيم «بوزون هيغز»- تتمتع إيران حالياً بتفاعلات واسعة النطاق مع مراكز بحثية مرموقة في الصين وروسيا والبرازيل وشبكة «بريكس» العلمية.
في الوقت الراهن، وعلى مستوى منطقة غرب آسيا والشرق الأوسط، لا توجد أي دولة مجهزة بمسرع متطور من الجيل الرابع، باستثناء المنشآت القديمة التي تم تجديدها في الأردن. ومع اكتمال مشروع «جشمه نور إيران»، لن تصبح البلاد رائدة لأبحاث علوم المواد والعلوم الحيوية في العالم الإسلامي فحسب، بل ستمهد الطريق لتقديم خدمات مخبرية متطورة وتدريب جيل جديد من الباحثين والنخب في الدول الإسلامية والمنطقة؛ وهو مشروع يُعدّ خطوة حاسمة في القفزة العلمية وتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي للبلاد، وذلك بفضل إقرار الدعم الائتماني من قبل المعاونية العلمية لرئاسة الجمهورية وتجميع قدرات الشركات القائمة على المعرفة.
