تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
تصاعد الخلافات داخل إدارة ترامب
إقالات واستقالات تهزّ البنتاغون وتعيد تشكيل القيادة العسكرية الأميركية
وتأتي الاستقالة بعد أشهر فقط من نفي دريسكول نيته مغادرة منصبه. وكان قد تولى وزارة الجيش في شباط/فبراير 2025، ودفع باتجاه تحديث القوات البرية وتسريع تبني التقنيات الحديثة، ولا سيما الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إصلاح آليات شراء الأسلحة. وبينما تحاول إدارة ترامب تقديم هذه التغييرات باعتبارها إعادة بناء للجيش واستعادة للقوة الأمريكية، تبدو الصورة من الداخل أكثر اضطرابًا. فالدولة التي تتحدث عن الاستقرار والردع والهيمنة العسكرية أصبحت منشغلة بإعادة تشكيل قياداتها وإقصاء شخصيات بارزة من مواقعها. وهنا لا يعود السؤال: لماذا استقال دريسكول؟ بل: إلى أين تقود هذه الموجة المتسارعة من التغييرات؟
سلسلة إقالات واستقالات.. البنتاغون يهتز من القمة
جاءت استقالة دريسكول بعد سلسلة من التغييرات التي ضربت قمة المؤسسة العسكرية. فقد أقال هيغسيث رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، كما غادر الجنرال كريستوفر دوناهو قيادة الجيش الأمريكي في أوروبا وأفريقيا مبكراً، في خطوة أثارت تقارير عن خلافات مع هيغسيث.وطالت التغييرات قيادات عسكرية أخرى، بينها رئيسة العمليات البحرية السابق الأدميرال ليزا فرانشيتي، والرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون. كما شهدت وزارة الدفاع رحيل وزير البحرية جون فيلان، في وقت غادرت فيه شخصيات عسكرية أخرى مواقعها بالتقاعد أو الإبعاد. وقد تبدو كل حالة منفردة قابلة للتفسير، لكن تراكمها خلال فترة قصيرة يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد تغييرات إدارية عادية.
دريسكول.. الحلقة الأحدث
في الصدام
لم يغادر دريسكول في فراغ. فقد كان يدفع باتجاه تحديث الجيش وتسريع الابتكار العسكري، وتوسيع استخدام الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، وتطوير آليات شراء الأسلحة بما يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة. وكانت هذه الملفات في صلب مشروع أوسع لتحويل القوات البرية إلى قوة أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع أسلحة وتقنيات منخفضة الكلفة وسريعة التطور.
لكن هذه الرؤية اصطدمت بإعادة تشكيل القيادة التي قادها هيغسيث، وسط خلافات حول مستقبل الجيش وإبعاد عدد من كبار الضباط. وتقول تقارير إن هذه الخلافات كانت من العوامل التي عمقت التوتر بين الرجلين.
وبينما تتحدث واشنطن عن تعزيز جاهزية الجيش، ينشغل البنتاغون بصراع نفوذ حول من يملك توجيه المؤسسة ومن يحدد مسارها.
الإقالات لا تغيّر الأسماء فقط..
بل تضرب ذاكرة المؤسسة
المشكلة الأخطر في موجة الإقالات ليست رحيل شخصيات بعينها، بل احتمال فقدان الخبرة المتراكمة. فالمؤسسات العسكرية الكبرى تعتمد على سنوات من التخطيط والتجربة، ولا تستطيع تعويض هذه المعرفة بمجرد تعيين بدلاء جدد.
وعندما يغادر عدد من كبار الضباط خلال فترة قصيرة، قد تصل رسالة مقلقة إلى بقية المؤسسة: الانسجام مع الاتجاه السياسي الجديد قد يصبح شرطًا غير معلن للاستمرار. وإذا ترسخت هذه القناعة، فقد يتراجع هامش الاختلاف المهني، ويصبح بعض القادة أكثر حذرًا في تقديم تقييمات لا تتوافق مع رغبة القيادة السياسية. وهنا يتحول الأمر من صراع على المناصب إلى مشكلة في آلية صنع القرار. فالقيادة العسكرية تحتاج إلى أصوات تحذر من الأخطاء، وتكشف نقاط الضعف، وتعترض عندما تكون الخطط غير واقعية. وإذا اختفى هذا الصوت تحت ضغط الخوف من الإبعاد، فقد يصبح القرار أسرع، لكنه أكثر عرضة للخطأ.
ترامب وهيغسيث.. إعادة بناء الجيش أم إحكام السيطرة؟
تقدم إدارة ترامب عملية إعادة الهيكلة باعتبارها مواجهة مع البيروقراطية وإعادة الجيش إلى أولويات الجاهزية والقتال. لكن منتقديها يرون أن سرعة التغييرات واتساعها يثيران مخاوف من تسييس المؤسسة العسكرية وتغليب الولاء السياسي على الاستمرارية المهنية.
ما يحدث في البنتاغون يتجاوز أسماء المستقيلين والمقالين، ليكشف اختبارًا حساسًا للعلاقة بين القرار السياسي والمؤسسة العسكرية. فإعادة الهيكلة قد تمنح الإدارة سيطرة أكبر على القيادة، لكنها تصبح خطرة إذا تحولت إلى أداة لإقصاء الأصوات المخالفة.
و قد تنجح الإدارة في فرض سيطرة أكبر على المناصب، لكنها قد تدفع في المقابل إلى إضعاف الثقة داخل المؤسسة.
والأخطر أن استمرار الاضطراب في قمة المؤسسة قد يربك التخطيط بعيد المدى؛ فالجيش لا يبني قدراته خلال أسابيع، وإنما عبر برامج تسليح وتدريب وتطوير تمتد لسنوات. وكلما تغيرت الأولويات والقيادات بصورة متسارعة، أصبح الحفاظ على خط استراتيجي ثابت أكثر صعوبة.
عندما تصبح السيطرة على الجيش ثمنًا لاستقرار السلطة
ختاماً، لا تكشف استقالة دان دريسكول مجرد خلاف داخل البنتاغون، بل تضع إدارة ترامب أمام اختبار أصعب: هل تستطيع إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية من دون أن تدفع ثمنًا من تماسكها وثقتها الداخلية؟ فمع كل إقالة واستقالة، لا يتغير الأشخاص فقط، بل تتراجع مساحة الاستمرارية وتتعمق الأسئلة حول حدود التدخل السياسي في القرار العسكري. وقد تبدو واشنطن أكثر إحكامًا لقبضتها على البنتاغون، لكنها في المقابل تخاطر بتحويل القوة العسكرية من مؤسسة تقوم على الخبرة وتعدد الرأي إلى مؤسسة أكثر ارتباطًا بإرادة القيادة السياسية.
والنتيجة الأخطر أن إدارة ترامب قد تنجح في فرض الانضباط السياسي الذي تريده، لكنها قد تكتشف أن السيطرة على المناصب أسهل بكثير من إدارة قوة عسكرية ضخمة وسط أزمات متزامنة. فإذا أصبحت الإقالات وسيلة لحسم الخلافات، فإن واشنطن لا تعيد بناء قوتها بقدر ما تعيد تعريفها: قوة أكثر خضوعًا للقرار السياسي، وأقل قدرة على تحمّل الاختلاف. وهنا تكمن المفارقة التي قد تلاحق إدارة ترامب: أمريكا لا تواجه أزمة في حجم ترسانتها، بل في كيفية إدارة القوة التي تملكها.
