الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعون - ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعون - ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

رفض الصين للعقوبات الأمريكية؛ تعزيز الأداة الجيوسياسية لإيران

د. محمدمهدي مظاهري
أستاذ جامعي


بالتزامن مع البدء الرسمي للحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة ضد إيران، مع التركيز على أدوات العقوبات والعزل والضغط الاقتصادي، تبرز الآن، أكثر من أي وقت مضى، أهمية عدم انخراط القوى الكبرى الأخرى في العالم، ولا سيما الصين، في هذه السياسة. فهذا البلد، الذي تحول اليوم إلى قوة اقتصادية عظمى في العالم، هو الشريك الاقتصادي الأول لإيران، وعضو مؤثر في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، كما أنه عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، وقد اضطلع، على الأقل خلال الحرب العدوانية الأخيرة ضد إيران، بدور بنّاء ومتوازن ومسؤول تجاه إيران. فمنذ شهر يونيو/ حزيران من العام الماضي وحتى الآن، حين شنت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هجومين غير قانونيين على إيران وألحقتا أضراراً جسيمة بالبلاد، دعمت الصين موقف إيران في الدفاع عن أمنها وسيادتها الوطنية. واعتبرت وزارة الخارجية الصينية وممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة الهجمات على إيران انتهاكاً للقانون الدولي، وأدانا اغتيال قائد الثورة الاسلامية الشهيد آيةالله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، وطالبا بالوقف الفوري للعمليات العسكرية واستئناف المحادثات. وفي أحدث موقف رسمي لها، رفضت بكين بوضوح وحزم العقوبات الأمريكية الأحادية الجانب والعابرة للحدود، وأعلنت أن علاقاتها مع إيران محددة بالكامل في إطار القانون الدولي، وأن الصين ستدافع بكل إمكاناتها عن مصالحها المشروعة في علاقتها مع إيران. وعلى الرغم من هذه المواقف الداعمة والموقف القانوني الصيني، وأهمية هذه القوة الآسيوية بالنسبة إلى إيران، ولا سيما في مرحلة الحرب والعقوبات الاقتصادية الراهنة، فإنه من الضروري أن نلقي نظرة واقعية ودقيقة على مختلف أبعاد العلاقات بين البلدين، حتى يتسنى، من خلال فهم الظروف الموضوعية والملموسة للعلاقات الثنائية، تعزيز فاعلية هذه العلاقات في مرحلة الضغط والعقوبات.
لدى الصين، منذ مارس/ آذار 2021، اتفاق شامل للتعاون الاستراتيجي مع إيران. واستناداً إلى الوثيقة التي نشرتها وزارة الخارجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد جرى إعداد وإقرار برنامج التعاون الشامل الممتد لـ25 عاماً في ثلاثة أبعاد، هي: السياسي-الاستراتيجي، والاقتصادي، والثقافي.
- البُعد السياسي-الاستراتيجي: تعزيز التعاون الثنائي في المنظمات الإقليمية والدولية، والتفاعلات الدفاعية.
- البُعد الاقتصادي: مشاركة إيران في مبادرة «الحزام والطريق»، والاستثمارات الصينية في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات والطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية للنقل والمواصلات.
- البُعد الثقافي والاجتماعي: توسيع التبادلات الجامعية والسياحية والرياضية، والتعاون الإعلامي.
وإذا غضضنا الطرف، في المرحلة الراهنة، عن البُعد الثالث بسبب ظروف الحرب، فإنه ينبغي القول بشأن البُعدين الآخرين إن الصين، على الصعيد السياسي-الاستراتيجي، وباعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن وشريكاً اقتصادياً لإيران، تقدم دعماً سياسياً لمواقف طهران في المحافل الدولية. وإن إعلان الصين مؤخراً عن الشرعية القانونية لعلاقاتها مع إيران سيُنشئ درعاً قانونياً-دبلوماسياً مهماً في مواجهة العقوبات الأمريكية الجديدة؛ إلا أن بكين، على الصعيد العملي، لا تزال تتبنى حسابات حذرة في مجالات مثل استخدام حق النقض أو التعاون الدفاعي-العسكري، كما ينفي المسؤولون الصينيون الأنباء المتعلقة ببيع أسلحة ومعدات دفاعية ثقيلة لإيران. أما على الصعيد الاقتصادي، فيشير التقرير الجديد الصادر عن مركز أبحاث غرفة إيران إلى الفجوة بين الإمكانات الكامنة والمتاحة من جهة، والوقائع التشغيلية الفعلية في العلاقات بين طهران وبكين من جهة أخرى. وتظهر دراسة البيانات الرسمية المتعلقة بحجم الاستثمارات الصينية في إيران خلال الفترة الممتدة من عام 2005 إلى عام 2025، والتي أمضت أربعة أعوام منها في مرحلة ما بعد توقيع وثيقة التعاون الاستراتيجي الشامل، أن إجمالي الاستثمار الصيني المباشر في إيران خلال هذه الفترة البالغة 20 عاماً لم يتجاوز سقف 7/4 مليارات دولار؛ في حين ضخّت بكين، خلال الفترة نفسها، مئات المليارات من الدولارات في أسواق واقتصادات بعض دول المنطقة، مثل باكستان والعراق والإمارات والسعودية.
ووفقاً لتقرير مركز أبحاث غرفة إيران، فإن العوامل الرئيسية وراء عدم النجاح في استقطاب الحدّ الأقصى من الاستثمارات الصينية تتمثل في عوائق من قبيل «العقوبات الدولية»، و«التحديات المصرفية والمالية الداخلية»، و«غياب المؤسسات المستقرة وضمانات الاستثمار».
وخلال فترة الحرب أيضاً، كان دعم الاقتصاد الصيني المحلي وحماية السوق العالمية للطاقة من الصدمات الشديدة جزءاً من أولويات السياسة الاقتصادية لبكين. وبعبارة أخرى، فإن الصين، التي تأتي بعد الولايات المتحدة، باستهلاك يومي يبلغ 19 مليون برميل، في صدارة مستهلكي النفط الخام في العالم، باستهلاك يومي يبلغ 37/16 مليون برميل؛ تمكنت، في بعض المراحل التي أعقبت الهجمات الأمريكية والصهيونية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، من إدارة أثر الصدمة في سوق النفط من خلال خفض الواردات المباشرة والسحب من مخزوناتها الاستراتيجية. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات، في رأي بعض المحللين، اتُّخذت أساساً للحفاظ على الاقتصاد الداخلي الصيني، فإن نتيجتها الجانبية تمثلت في الحيلولة دون حدوث قفزة هائلة في أسعار النفط، الأمر الذي ساعد واشنطن في إدارة التداعيات الاقتصادية للحرب. كما تسعى هذه القوة الشرقية العظمى، من خلال إطلاق مسار جديد للملاحة البحرية عبر المحيط المتجمد الشمالي، يُعرف باسم «طريق الحرير الجليدي»، إلى إيجاد مسارات بديلة وتجنب مواطن الضعف في الممرات المائية الجنوبية. وعلى الرغم من أن هذا المسار يواجه قيوداً موسمية وبيئية، فإنه يدل على مساعي بكين لتنويع طرقها التجارية. ومع ذلك، فإن تأكيد بكين الجديد على حماية مصالحها في إيران ورفضها الحازم للعقوبات الأمريكية يدل على أن الصين تدرك جيداً الأبعاد الجيوسياسية لصمود إيران في مواجهة الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، أدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال صمودها في الدفاع عن نفسها والحيلولة دون تحقيق الولايات المتحدة انتصاراً سهلاً وخاطفاً، دوراً محورياً في إضعاف مصداقية الولايات المتحدة ومكانتها المهيمنة، وإلحاق الضرر بمخزوناتها الاستراتيجية العسكرية-الاقتصادية، بوصفها القوة العظمى المنافسة الرئيسية للصين. ومن ثم، فإن من الحقائق الجيوسياسية التي لا يمكن إنكارها أنه مادامت إيران، باعتبارها ثقلاً قوياً في غرب آسيا، تشغل قسماً كبيراً من التركيز العسكري والتسليحي والمالي والدبلوماسي للولايات المتحدة، فلن تكون واشنطن قادرة على «التركيز الكامل على احتواء الصين في شرق آسيا» ومتابعة قضية تايوان بجدية. إنطلاقاً من ذلك، وبالاستناد إلى الموقف الصيني الحازم مؤخراً في رفض العقوبات، يتعين على السلك الدبلوماسي الإيراني الدخول في مفاوضات نشطة مع بكين. فالموقف الجديد لبكين يدل على أن هامش المناورة التفاوضية لإيران قد تعزز؛ ولذلك ينبغي لإيران أن تدخل المفاوضات لا باعتبارها «طرفاً واقعاً تحت الضغط»، بل باعتبارها «طرفاً مؤثراً في التوازن الإقليمي». ولا تقتصر أوراق القوة الإيرانية في هذه المفاوضات على «النفط الرخيص» و«الموقع الترانزيتي»، وإنما تشمل أيضاً «قدرتها على الحفاظ على توازن القوى في منطقة غرب آسيا» وتحولها إلى أداة جيوسياسية قوية في التنافس الهيمني بين الصين والولايات المتحدة.
ويمكن لإيران أن تنقل إلى بكين، خلال المفاوضات، هذه الرسالة: بما أن الصين رفضت رسمياً العقوبات وأكدت الحفاظ على مصالحها في إيران، فمن المتوقع أن تتحول هذه المواقف السياسية إلى فرص مالية مستدامة، واستثمارات في البنية التحتية، ومشتريات مضمونة للطاقة. وينبغي لفت انتباه بكين إلى أن تكلفة الحفاظ على إيران مستقرة وقوية بالنسبة إلى الصين أقل بكثير من التكلفة التي ستتحملها بكين في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة المتفرغة من إيران والشرق الأوسط في منطقة المحيط الهادئ. وبالطبع، إلى جانب الاستفادة من هذه الورقة، يتمثل الحل الطويل الأمد لاستقطاب أقصى قدر ممكن من التعاون الصيني الفاعل في إطار الاتفاق الشامل للتعاون الاستراتيجي، في العمل على إعادة الاستقرار والأمن المستدام إلى البلاد، وإصلاح الهياكل المصرفية وتيسير قوانين الاستثمار، وتطوير العلاقات التجارية-الاقتصادية مع الشرق والغرب وتحقيق توازن فيها، وتهيئة الظروف التي تجعل الحضور في السوق والجغرافيا الإيرانية بالنسبة إلى بكين «ضرورة استراتيجية منخفضة المخاطر»، لا «خياراً مرتفع التكلفة في مواجهة الولايات المتحدة».

البحث
الأرشيف التاريخي