تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
من «سفير» إلى «سرير».. شرح أجيال حاملات الأقمار الصناعية الإيرانية
استقرار الأداء؛ المحرّك الدافع لبناء المجموعات المدارية
استناداً إلى الاستراتيجيات الكبرى لمنظمة الفضاء الإيرانية، تتمثل الأولوية الراهنة للهيئات المعنية في تحقيق مستوى عالٍ من الموثوقية في القاذفات متوسطة المدى. ويُظهر استقرار أداء قاذفتي «سيمرغ» و«قائم ١٠٠» أن إيران باتت قادرة اليوم على وضع الشحنات الحساسة في المدار بمخاطر تقترب من الصفر. وتتمثل الخطوة الاستراتيجية التالية في اكتساب القدرة على «الحقن المتعدد» للأقمار الصناعية، أي إطلاق عدة أقمار بشكل متزامن، وهو المتطلب الأساسي لاستقرار المجموعات المدارية (مثل مجموعة «الشهيد سليماني» لإنترنت الأشياء). وفي هذا السياق، يجري العمل بالتوازي مع تطوير الحاملات على تطوير وحدات النقل المداري، لضمان توزيع الأقمار الصناعية في زوايا مدارية مختلفة وبدقة عالية.
التطلع إلى المدار الجغرافي الثابت؛ المتراس الاستراتيجي
صِيغت الاستراتيجية الفضائية الإيرانية مع التركيز على المدار الجغرافي الثابت (GEO) على ارتفاع ٣٦ ألف كيلومتر. ولا يُعدّ التواجد في هذا المدار مجرد مهمة علمية فحسب، بل هو ضرورة لحماية حقوق المدارات الخاصة بالبلاد في المحافل الدولية.
وفي هذا المسار، يجري العمل بجدية على تطوير حاملات فائقة الثقل مثل «سرير» و«قائم ١٢٠». وستكون القاذفة «سرير»، بقدرتها على حمل 5/1 طن من الشحنات إلى المدار المنخفض (LEO) وقدرتها على وضع أقمار صناعية في المدار الجغرافي الثابت (GEO)، «نقطة تحول» حقيقية لصناعة الفضاء في البلاد.
التآزر الهيكلي؛ ذراعان متكاملتان
تقوم المنظومة الفضائية الإيرانية على التآزر بين مؤسستين متكاملتين: منظمة الصناعات الجوفضائية التابعة لوزارة الدفاع، وقوة الجوفضاء التابعة للحرس الثوري. ففي حين تركز قوة الجوفضاء، عبر عائلة حاملات «قائم» التي تعمل بالوقود الصلب بالكامل، على المرونة التكتيكية، والإطلاق عند الطلب، واستخدام المواد المركبة، مما يضمن مرونة الاتصالات في البلاد في ظروف الأزمات؛ تتولى وزارة الدفاع إدارة المهام الاستراتيجية والثقيلة من خلال تثبيت قاذفات الأقمار الصناعية التي تعمل بالوقود السائل «سيمرغ»، وتصميم حاملات ثقيلة مثل «سرير» و«سروش». وقد أدى هذا التقسيم الذكي للعمل إلى إيجاد سلة منتجات متكاملة تلبي كافة الاحتياجات الفضائية للبلاد.
الاقتصاد الفضائي؛ أبعد من كونه هدفاً مجرداً
يُعدّ تطوير حاملات الأقمار الصناعية المحلية أداة قوية لتحقيق الاقتصاد الرقمي. فعندما تتمكن القاذفة من وضع أقمار صناعية استشعارية دقيقة (مثل «كوثر» و«بايا») في المدار، يمكن للبيانات المستمدة منها أن تخلق قيمة مضافة تصل إلى ٣٠ ضعفاً من تكلفة الاستثمار. وتُعدّ مراقبة مساحات الأراضي المزروعة، وإدارة حصص المياه العابرة للحدود، والتنبؤ بالأزمات البيئية، أمثلة بارزة على الوفورات الكبيرة الناتجة عن تعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية عبر الفضاء.
التشريح التقني لأجيال الحاملات والأقمار الصناعية الإيرانية
يُظهر فحص مسار التنمية الفضائية في إيران طفرة هندسية متعددة المراحل في ثلاث فئات: الدفع السائل، والوقود الصلب، وتقنيات التبريد العميق (الكريوجينيك) الحديثة:
1- عائلة الدفع السائل؛ من «سفير» الرائد إلى «سيمرغ» العملياتي:
- حامل الأقمار الصناعية «سفير»: أول قاذفة محلية إيرانية، وضعت القمر الصناعي «أميد» في المدار بتاريخ ٢ فبراير ٢٠٠٩، مما جعل إيران الدولة التاسعة التي تمتلك الدورة الكاملة لتكنولوجيا الفضاء. أكملت «سفير»، بحمولة قدرها ٥٠ كيلوغراماً، مهمة إثبات التكنولوجيا بنجاح، وقد أُحيلت الآن إلى التقاعد.
- حامل الأقمار الصناعية «سيمرغ»: رمز لدخول إيران فئة القاذفات المتوسطة الأثقل وزناً، بوزن إقلاع يبلغ ٨٧ طناً وقوة دفع ١٤٢ طناً. بعد اجتياز مراحل معقدة من البحث والتطوير، أثبتت «سيمرغ» جاهزيتها العملياتية في فبراير ٢٠٢٤، عبر حقن ثلاثة أقمار صناعية متزامنة في المدار، وهي: «مهدا» (تابعة لمعهد أبحاث الفضاء)، و«كيهان ٢» و«هاتف ١» (تابعان لشركة صاإيران). وتتمتع نسختها المُطوَّرة، المعروفة باسم «سيمرغ المُحسَّنة»، بالقدرة على وضع حمولات تصل إلى ٥٠٠ كيلوغرام في مدار على ارتفاع ٥٠٠ كيلومتر.
2- ثورة الوقود الصلب والمرونة التكتيكية؛ «ذو الجناح» وعائلة «قائم»:
- حامل الأقمار الصناعية الهجين «ذو الجناح»: قاذفة ثلاثية المراحل (مرحلتان بالوقود الصلب ومرحلة بالوقود السائل) تتمتع بالقدرة على حمل حمولة تزن ٢٢٠ كيلوغراماً إلى مدار يبلغ ارتفاعه ٥٠٠ كيلومتر. وتكمن الميزة الاستراتيجية لـ«ذو الجناح» في عدم حاجتها إلى منصة إطلاق ثابتة، وقدرتها على الإطلاق من منصات متحركة في مواقع جغرافية مختلفة.
- عائلة قاذفات «قائم» (التابعة لقوة الجوفضاء بالحرس الثوري): أُسست بالاعتماد على الفوهات المتحركة والمحركات المصنوعة بالكامل من المواد المركبة (مثل محركي «سلمان» و«رافع»).
- قاصد: الخطوة الأولى التي وضعت أقمار الاستطلاع من سلسلة «نور» («نور ١»، «نور ٢»، و«نور ٣») في مدارات تتراوح بين ٤٢٥ و٥٠٠ كيلومتر.
- قائم ١٠٠: أول حامل أقمار صناعية يعمل بالوقود الصلب بالكامل في إيران؛ رسّخ دخول الحرس الثوري في تقديم خدمات الإطلاق للقطاع الحكومي بعد نقله الناجح للقمر الصناعي «ثريا» إلى مدار ٧٥٠ كيلومتراً، ثم الحقن الناجح للقمر الصناعي البحثي «جمران-١» (من إنتاج شركة صاإيران) في مدار ٥٥٠ كيلومتراً في سبتمبر ٢٠٢٤.
- قائم ١٠٥ وقائم ١٢٠: أجيال مقبلة بقدرات حمل أعلى؛ لاسيما «قائم ١٢٠» الذي ستوكل إليه مهمة نقل الأقمار الصناعية الثقيلة إلى المدار الجغرافي الثابت على ارتفاع ٣٦ ألف كيلومتر.
3- آفاق الحاملات فائقة الثقل؛ «سرير» و«سروش» ومحركات التبريد العميق:
- حامل الأقمار الصناعية «سرير»: يُعرف بأنه عامل «تغيير الدوري» في صناعة الفضاء الإيرانية. يبلغ ارتفاع «سرير» ٣٥ متراً، ويتمتع بقدرة على حمل 5/1 طن من الشحنات إلى المدار المنخفض، وإطلاق ٦ إلى ٧ أقمار صناعية في آن واحد؛ ويُعدّ الخطوة النهائية لنقل الأقمار الصناعية الكبيرة إلى المدار الجغرافي الثابت.
- عائلة «سروش» وتقنية التبريد العميق: خطط مستقبلية تهدف إلى حمل شحنات تتراوح بين ٦ و١٥ طناً باستخدام الدفع بالوقود المبرد (الهيدروجين والأكسجين السائل)، وذلك تحضيراً لعمليات الإطلاق المأهولة ومهام استكشاف أعماق الفضاء.
تقنية الحقن المتعدد ووحدات النقل المداري
يُعدّ الحصول الكامل على تقنية «الحقن المتعدد» لنشر «مجموعة الشهيد سليماني» (التي تشمل ٢٤ قمراً صناعياً ضيق النطاق لإنترنت الأشياء وإدارة الأزمات) من أهم برامج إيران. وفي هذه السلسلة، تلعب «وحدة النقل المداري سامان» دوراً محورياً؛ وهي نظام ذكي يتسلم الأقمار الصناعية من المدار الأولي (مدار الركن)، ليقوم بتوزيعها بدقة عبر مناورات دقيقة إلى مداراتها النهائية وزوايا ميلها المدارية المختلفة.
ربط الفضاء بالاقتصاد الرقمي والقدرة الدفاعية
إن تطوير القاذفات المحلية ليس مجرد إنجاز تقني؛ إذ إن البيانات المستمدة من أقمار الاستشعار المتطورة مثل «كوثر» و«بايا» توفر عائداً اقتصادياً يتراوح بين ١٠ و٣٠ ضعفاً في مجالات مراقبة الزراعة، وإدارة حصص المياه العابرة للحدود، واستكشاف المناجم. من ناحية أخرى، تضمن القدرة على «الإطلاق عند الطلب» والاكتفاء الذاتي المطلق في عمليات الإطلاق -إلى جانب تحييد الضغوط السياسية والعقوبات الغربية- حضور إيران المقتدر في المدار الجغرافي الثابت الاستراتيجي (GEO) على ارتفاع ٣٦ ألف كيلومتر.
