حوار مع وزير الجهاد الزراعي حول إدارة الأزمات خلال أيام العدوان والجفاف
خريطة طريق لتأمين مستدام للسلع الأساسية
وضعت الحرب والعقوبات وتحرير سعر الصرف والجفاف، الأمن الغذائي في إيران، خلال الأشهر الـ14 الماضية، أمام واحد من أصعب الاختبارات التي شهدها خلال العقود الأخيرة؛ وهو اختبار بدءاً من تأمين مستلزمات الثروة الحيوانية والزراعة، وصولاً إلى التسعير والمخزونات الاستراتيجية وشبكة التوزيع. وفي خضم ذلك، سعت وزارة الجهاد الزراعي إلى إدارة الأزمة على مستوى الحكومة قبل أن تصل تداعياتها إلى موائد المواطنين. وفي هذا السياق، تحدّث وزير الجهاد الزراعي «غلام رضا نوري قزلجه»، في حوار مع مراسل صحيفة «إيران»، عن كيفية استمرار الإنتاج رغم شح الموارد من النقد الأجنبي، ودور المنظومات الإلكترونية في مراقبة التوزيع، ودعم الوحدات المتضررة من الحرب، وبرامج خفض الهدر، وسياسات التسعير بعد إلغاء سعر الصرف البالغ 28 ألفاً و500 تومان. كما كشف عن إعداد سيناريوهات تمتد من ثلاثة أشهر إلى عام لتأمين السلع الأساسية، ومشاركة القطاع الخاص في استكمال المخزونات، وآفاق تعزيز قدرة القطاع الزراعي على الصمود في مواجهة الأزمات المقبلة.
تقع على عاتق وزارة الجهاد الزراعي مسؤولية تأمين الأمن الغذائي للبلاد، ويتعين عليها، في جميع الظروف، توفير الغذاء الذي يحتاج إليه المواطنون من الناحيتين الكمية والنوعية. وانطلاقاً من ذلك، تتمثل السياسة الأساسية للوزارة في الاعتماد على الإنتاج المحلي وتوفير الظروف التي تتيح للمنتجين مواصلة نشاطهم بثقة واطمئنان. يُنتج نحو 85% من السعرات الحرارية والبروتين التي تحتاج إليها البلاد محلياً، ولذلك فإن الاهتمام بالإنتاج الداخلي وزيادة الإنتاجية وتحسين المردود في وحدة المساحة يحظى بأهمية كبيرة. ويتمثل دور وزارة الجهاد الزراعي في هذا المجال، قبل أي شيء آخر، في تيسير الأمور بما يضمن توفير مستلزمات الإنتاج اللازمة للمزارعين ومربي الماشية، وكذلك دخول المنتجات إلى السوق عبر شبكة العرض الرسمية.
ما الإجراءات التي اتخذت لزيادة قدرة القطاع الزراعي على الصمود في مواجهة الأزمات؟
خلال العامين الماضيين، ونظراً إلى الاتساع الجغرافي للبلاد، جرى إيلاء اهتمام خاص بالوحدات الصغيرة في القرى والمناطق العشائرية، ومزارع تربية الماشية الصغيرة، والوحدات الزراعية. كما كُلّفت منظمات الجهاد الزراعي في المحافظات وإدارات الجهاد الزراعي في الأقضية بتوفير الظروف اللازمة لاستمرار الإنتاج. وقد أوجد الجفاف وتحرير سعر الصرف والحرب والحصار وغيرها من الأزمات ظروفاً صعبة للقطاع الزراعي. وفي ظل هذه الظروف، سعينا إلى الاستفادة من تجارب الأزمات السابقة، بهدف تعزيز نقاط القوة ومعالجة نقاط الضعف، والحيلولة دون انتقال المشكلات إلى المنتج والمستهلك.
وأدى إعلان سياسة دعم الإنتاج المحلي والتأكيد على ضرورة طرح منتج المُنتِج بسعر يغطي تكاليف إنتاجه ويضمن له هامش ربح معتاداً، إلى تعزيز ثقة المنتجين. كما واصل المنتجون، رغم المشكلات القائمة، عملية الإنتاج دون انقطاع، ويستحق حسهم الوطني ووطنيتهم في هذه الظروف كل التقدير.
في ظل الاعتماد على الاستيراد بالنسبة إلى بعض المستلزمات، كيف أُديرت عملية التأمين؟
تعتمد إيران على الاستيراد لتأمين جزء من المستلزمات التي تحتاج إليها، لاسيّما في مجالات المواد البروتينية ومنتجات الألبان والأسمدة والمبيدات. وفي هذا السياق، جرى تعديل بعض القوانين والتعليمات المعرقلة، بهدف تسهيل عملية تسجيل طلبات الاستيراد واستيراد المواد الأولية وتأمينها. ورغم القيود التي نشأت في الموانئ الجنوبية، ومشكلات النقل والظروف الحربية، بُذلت جهود لتأمين السلع بوفرة وإدخالها إلى شبكة التوزيع، بحيث لا يشعر المنتج بالقلق إزاء تأمين المواد الأولية، ولا يشعر المستهلك بالقلق إزاء وفرة السلع. كما لعب تعاون سائر الأجهزة الحكومية والتنسيق بينها دوراً مهماً في هذا المجال.
كيف أُديرت سلسلة الإمداد من المزرعة إلى السوق؟
إضافة إلى الإجراءات المتخذة في مجالي الإنتاج والاستيراد، اتخذت الوزارة قرارات تقتضيها الظروف. فعلى سبيل المثال، بعد تحرير سعر الصرف، كان من الضروري اتخاذ قرارات متناسبة في مجال التسعير أيضاً؛ لأن الإصرار على الاستمرار في الأساليب السابقة كان من شأنه أن يؤدي إلى انقطاع سلسلة الإنتاج والعرض. وفي مجال تسعير منتجات مثل القمح والشمندر السكري والبذور الزيتية، جرى السعي إلى اتخاذ القرارات في ضوء الظروف الراهنة، بحيث يشعر المنتج بأن صوته مسموع، ويبقى متفائلاً بشأن مواصلة الإنتاج وطرح محصوله.
كيف جرى ترتيب أولويات الاستيراد في ظل محدودية موارد النقد الأجنبي؟
في ظل محدودية موارد النقد الأجنبي والمشكلات اللوجستية، كان من الضروري تنفيذ عمليات الاستيراد وفق ترتيب للأولويات. وكانت أولويتنا الأولى تأمين مستلزمات الإنتاج، بما في ذلك الأسمدة والمبيدات والبذور ومستلزمات الثروة الحيوانية. أما في مجال السلع النهائية، فقد أُعطيت الأولوية للمنتجات التي يُؤمَّن جزء منها عن طريق الاستيراد. فعلى سبيل المثال، يُستورد جزء من احتياجات البلاد من الأرز، كما يُؤمَّن الجزء الأكبر من احتياجات الزيت عن طريق الاستيراد، ولذلك وُضعت هذه السلع ضمن الأولويات.
أما السلع الأخرى غير الأساسية التي كان استيرادها ضرورياً لتلبية احتياجات البلاد، فقد وُضعت ضمن الأولويات اللاحقة، وجرت متابعة عملية تأمينها من خلال الاستفادة من إمكانات التجار ومواردهم والتراخيص اللازمة. بشكل عام، كانت السياسة الأساسية تقضي بتأمين مستلزمات الإنتاج والسلع الأساسية أولاً، لكي لا يتضرر الإنتاج المحلي، وفي الوقت نفسه تُلبّى الاحتياجات الأساسية للمواطنين دون انقطاع.
كيف تفسرون ارتفاع أسعار السلع الأساسية خلال العام الماضي؟
ارتفاع التكلفة النهائية للمنتجات أمر طبيعي، لأن تكاليف الإنتاج ارتفعت. فأسعار مستلزمات الثروة الحيوانية والأسمدة والمبيدات والأجور وأجور النقل والرسوم الجمركية وظروف الحرب والحصار وغيرها، كلها عوامل تؤثر في السعر النهائي للمنتجات. وكان تحرير سعر الصرف ونقل الدعم من بداية سلسلة الإمداد إلى نهايتها أحد العوامل المهمة في ارتفاع الأسعار. وكان من الطبيعي أن يؤدي إلغاء سعر الصرف البالغ 28 ألفاً و500 تومان وتغيير سعر الصرف إلى ارتفاع أسعار المستلزمات والمنتجات.
ولتعويض هذا الارتفاع في الأسعار، وضعت الحكومة خطة القسائم السلعية لتعويض المستهلك عن جزء من فارق الأسعار. وإلى جانب هذه الإجراءات، عززت وزارة الجهاد الزراعي وسائر الأجهزة المعنية الرقابة على السوق، بهدف منع البيع بأسعار مبالغ فيها، والتلاعب بالكميات، والاحتكار. كما جرى العمل على توفير وفرة في السلع من خلال الاستيراد وعرض الإنتاج المحلي، لأن وفرة السلع تساعد على إيجاد التوازن في الأسعار. والهدف هو ألّا يُغبن المنتج، وألّا تُهمل حقوق المستهلك. فينبغي أن يحصل المنتج على تكاليف إنتاجه وهامش ربح معتاد، وفي المقابل يجب أيضاً مراعاة القدرة الشرائية للمستهلك.
ما البرامج التي لديكم لخفض الهدر وزيادة الإنتاجية في القطاع الزراعي؟
إن حجم الفاقد والهدر في المنتجات، من مرحلة الإنتاج وصولاً إلى الاستهلاك، كبير، ولذلك كان خفض هذا الهدر مدرجاً على جدول الأعمال منذ بداية عمل الحكومة. ويُعدّ تطوير المكننة في الوحدات الزراعية ووحدات الثروة الحيوانية إحدى وسائل خفض الهدر وزيادة الإنتاجية. إلى جانب ذلك، يكتسب التعليم والإرشاد أهمية كبيرة، لكي تُستخدم مستلزمات الإنتاج بما يتناسب مع الاحتياجات، وتُراعى المعايير اللازمة في مختلف مراحل الإنتاج. كما يمكن لاستخدام الآلات والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء أن يؤدي دوراً في خفض الهدر وزيادة الإنتاجية. ويتطلب ذلك تعاون مختلف الأجهزة وتوفير البنى التحتية اللازمة، علماً أن جزءاً من هذه الإجراءات يجري تنفيذه بالفعل.
كيف تقيّمون تأثير الحرب والعقوبات وتقلبات أسعار الصرف والتغيرات المناخية في القطاع الزراعي، وماذا فعلتم لتعزيز قدرته على الصمود؟
من الطبيعي أن تؤثر هذه العوامل في الإنتاج؛ والمسألة المهمة هي أن نتمكن من إدارتها وعبور الأزمة بأقل قدر ممكن من التداعيات. وقد وُضعت على جدول الأعمال خطط للتأمين لمدة ثلاثة أشهر وستة أشهر وتسعة أشهر وعام كامل، كما جرى إعداد سيناريوهات مختلفة للاستيراد، والتنبؤ بوسائل بديلة لتأمين السلع.
وفي قطاع الإنتاج المحلي أيضاً، دُرست آثار التغيرات المناخية على مختلف القطاعات الفرعية، وحُددت الحلول الفنية اللازمة.
ويتيح الاتساع الجغرافي لإيران، فضلاً عن كونه ميزة للإنتاج والدفاع غير النشط، إمكانية التخطيط بما يتناسب مع ظروف كل محافظة وقضاء. وقد حقق هذا النهج، ولا سيما في مجال الإنتاج المحلي للخضراوات والمحاصيل الصيفية، نتائج جيدة خلال العامين الماضيين. ويتمثل أحد المحاور الأساسية لبرامج وزارة الجهاد الزراعي في تعزيز الاقتصاد المقاوم في ظل الأمن القومي، وتُتابع البرامج المرتبطة بهذا الموضوع على مستوى المحافظات والأقضية.
في ظل الاعتماد الكبير لقطاع الثروة الحيوانية والدواجن على المستلزمات المستوردة، كيف جرى دعم المنتجين؟
كان قطاع الثروة الحيوانية والدواجن الأكثر تأثراً بتقلبات أسعار الصرف، بسبب الاعتماد الكبير لمستلزمات إنتاج الثروة الحيوانية والدواجن على الاستيراد. وللحيلولة دون تراجع الإنتاج، دخلت الشركات الحكومية وسلاسل الإنتاج مجال الزراعة التعاقدية، بهدف توفير سند للمنتجين يتيح لهم مواصلة نشاطهم. وقد حققت هذه السياسة نتائج جيدة، وأدت إلى استمرار الإنتاج وفق المستوى المخطط له.
ونظراً إلى محدودية الموارد المالية والقيود المصرفية، أُدرج استخدام أساليب تمويل جديدة والمدفوعات الائتمانية أيضاً على جدول الأعمال. وجرت محاولة لتأمين الموارد المالية التي يحتاج إليها المنتجون والتجار، وربط مختلف حلقات السلسلة بعضها ببعض. كما تدخلت شركة دعم شؤون الثروة الحيوانية لشراء فائض الإنتاج، حتى لا تبقى المنتجات لدى المنتج دون مشترٍ فيتعرض للخسارة. ولم يسهم هذا الإجراء في دعم الإنتاج المحلي فحسب، بل ساعد أيضاً على استكمال المخزونات، ويمكن عند الحاجة أن يحول طرح السلع من هذه المخزونات دون حدوث قفزات في الأسعار.
ما أشكال الدعم المقدمة للوحدات التي تضررت خلال الحرب، وكيف ترون مستقبل الأمن الغذائي؟
أولاً ينبغي أن نستذكر 11 من زملائنا ونحو 80 من مزارعينا ومنتجينا وصيادينا الأعزاء الذين استُشهدوا في الحربين الأخيرتين. وثانياً تأثرت جميع وحدات القطاع الزراعي بالظروف الحربية، إلا أن بعض الوحدات تعرضت لإصابات مباشرة. وقد جرى الانتهاء من حصر الأضرار، كما تمت المصادقة عليها في مجموعات العمل الحكومية المعنية. ويجري حالياً إعداد حزمة لدعم الوحدات المتضررة، وقد كُلّفت منظمة التخطيط والموازنة في البلاد بإعدادها. كما أُدرج القطاع الزراعي ضمن هذه الحزمة، بحيث تتمكن الوحدات المتضررة، بعد تعويض خسائرها، من العودة إلى دورة الإنتاج. أما فيما يتعلق بآفاق تأمين الأمن الغذائي في البلاد، فإننا، بالتوكل على الله والاعتماد على قدرات المنتجين المحليين والمورّدين وجميع العاملين في سلسلة تأمين وإنتاج وعرض السلع الأساسية، لن نواجه في المستقبل مشكلة خاصة. وفي وزارة الجهاد الزراعي، تُتخذ القرارات بما يتناسب مع الظروف وبالمرونة اللازمة، كما جرى إعداد السيناريوهات المطلوبة لمختلف الظروف. والهدف هو أنه إذا ظهرت مشكلة، تتم إدارتها وتسويتها على مستوى الحكومة والقطاعات المسؤولة، وأن تنتقل أقل قدر ممكن من تداعياتها إلى مجتمعي الإنتاج والاستهلاك.
ولن تمر أي مرحلة من دون مشكلات، ومهارتنا تكمن في إدارة هذه المشكلات وحلها في الوقت المناسب، لكي يتمكن المنتجون والمورّدون والمستهلكون من مواصلة أنشطتهم وحياتهم بصورة طبيعية وبأقل قدر ممكن من التداعيات.
ما التدابير التي اتُخذت لإدارة التوزيع العادل ومعالجة اضطرابات سلسلة الإمداد؟
في بعض الفترات، استقبلت بعض المحافظات أعداداً من المسافرين تعادل أضعاف عدد سكانها، وهو ما وضع عملية تأمين السلع أمام تحديات. ولإدارة هذه الظروف، جرى الاستفادة من إمكانات منظومات مختلفة داخل وزارة الجهاد الزراعي وخارجها، وكذلك من التعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بهدف تقدير حجم السكان واحتياجات كل محافظة.
كما أدت المنظومات الإلكترونية دوراً في إدارة التوزيع، وأتاحت إمكانية رصد عمليات التوزيع ومراقبتها. وكان إصلاح شبكة التوزيع والانتقال من الشبكات التقليدية إلى شبكات رسمية قابلة للرصد أحد الإجراءات المهمة التي اتخذتها الوزارة، بحيث تُوزع السلع الأساسية عبر مسارات محددة وقابلة للرقابة. كما مُنح المحافظون صلاحيات أوسع في مجال تنظيم السوق، بحيث تدرس كل محافظة القضايا في مقر تنظيم السوق وفقاً لاحتياجاتها، وتعلن احتياجاتها. وعلى المستوى المركزي، جرى تأمين السلع استناداً إلى هذه المعلومات والقرارات. ولحسن الحظ، لم نواجه خلال هذه الفترة أي مشكلة في تأمين السلع الأساسية، حتى في أبعد مناطق البلاد. وفي أوقات الأزمات، تنشأ مشكلات مختلفة في سلسلة الإمداد. فخلال الحرب وأحداث 22 ديسمبر - 20 يناير وإضراب سائقي الشاحنات، حدثت اضطرابات في قطاع النقل، ولمنع حدوث نقص، استخدمت وزارة الجهاد الزراعي المخزونات الموجودة في المحافظات. وقد أتاح هذا القرار، الذي اتُّخذ في الوقت المناسب، تلبية احتياجات المنتجين والمستهلكين. وخلال الحرب أيضاً، تضرر عدد من مستودعات التبريد ومخازن السلع بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وللحيلولة دون حدوث اضطراب في الإمدادات، تقرر تأمين احتياجات هذه المناطق من المحافظات المجاورة وكذلك من المركز، بما يضمن استمرار تدفق السلع دون انقطاع.
