«علي الطاهر».. معركة المقاومة لإفشال رهان الاحتلال على تثبيت وجوده شمال الليطاني

/ ثمة منطقة صغيرة على الخارطة اللبنانية تحولت في الأسابيع الأخيرة إلى واحدة من أكثر نقاط المواجهة استنزافاً للاحتلال، حيث تتقاطع عندها الحسابات العسكرية والاستخبارية والسياسية. إنها علي الطاهر، المرتفع الذي لم يعد يُنظر إليه كموقع جغرافي عادي، بعدما ارتبط اسمه بمنشأة واسعة تحت الأرض يعتبرها العدو إحدى العقد المهمة في البنية العسكرية للمقاومة شمال الليطاني. ولهذا لم يكن إصراره على الوصول إليها مجرد محاولة للسيطرة على مرتفع، بل رهاناً على كسر إحدى أكثر حلقات المنظومة المقاومة غموضاً وتعقيداً. إلا أن استمرار المواجهة من دون حسم، رغم القصف والاستطلاع ومحاولات التقدم، يكشف في المقابل حدود قدرته على تحويل التفوق الناري إلى سيطرة فعلية. وهكذا تحولت «علي الطاهر» إلى اختبار حاسم لصمود المقاومة وإرادتها في مواجهة الاحتلال، ومعركة لإفشال محاولاته فرض معادلة أمنية جديدة في جنوب لبنان. فالمواجهة لم تعد مجرد صراع على تلة، بل باتت معركة على الأرض والسيادة وحق المقاومة في حماية الجنوب ومنع الاحتلال من فرض وقائع جديدة بقوة النار.
هدف استخباري أرق الاحتلال قبل اندلاع المعركة
لم تبدأ أهمية «علي الطاهر» مع العدوان الذي اندلع قبل يومين والذي ارتقى خلاله عدد من الشهداء وأصيب آخرون جراء الغارات الصهيونية. فمنذ وقف إطلاق النار عام 2024، بقيت المنطقة تحت مراقبة صهيونية مكثفة، مع نشاط متواصل للطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع المختلفة. ووفق معطيات محليةلم تقتصر المحاولات على الرصد الجوي، بل شملت أيضاً محاولات للوصول إلى المنشأة وكشف مداخلها وطبيعة تحصيناتها، إلا أن هذه المحاولات لم تحقق هدفها. ويكشف هذا الاهتمام الطويل أن الاحتلال كان يتعامل مع المنطقة باعتبارها ملفاً استخبارياً مفتوحاً قبل أن تتحول إلى ساحة مواجهة مباشرة؛ فالمشكلة لم تكن فقط معرفة موقع المنشأة، وإنما معرفة ما يوجد داخلها، وكيفية الوصول إليها، وما إذا كان بالإمكان تعطيلها أو السيطرة عليها من دون دفع كلفة عسكرية مرتفعة.
من مرتفع استراتيجي إلى رمز لصمود المقاومة
وتنبع أهمية «علي الطاهر» من موقعها المرتفع الذي يمنحها إطلالة واسعة على المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلية في الجليل الأعلى، ويجعلها نقطة متقدمة لرصد تحركات الاحتلال ومراقبة عمقه القريب.لم تكن التلة مجرد مرتفع جغرافي في شرق النبطية، بل شكّلت بحكم موقعها وارتفاعها نقطة استراتيجية تتيح الرصد ومراقبة الحركة في المنطقة. ومن هنا اكتسبت قيمتها العسكرية، إذ إن السيطرة على المرتفعات تمنح قدرة أكبر على الرصد ومراقبة الحركة، وتجعلها عاملاً مؤثراً في أي مواجهة تدور في محيطها. لكن أهمية التلة لا تنحصر في الحسابات العسكرية، فهي ترتبط أيضاً بذاكرة الجنوب وتاريخه، وتحمل دلالة تتجاوز الخرائط والمواقع الميدانية.
وخلال الاحتلال للجنوب، أدرك جيش الاحتلال هذه القيمة، فحوّل التلة إلى موقع عسكري ومركز للمراقبة والسيطرة، مستفيداً من موقعها المرتفع لفرض نفوذه على المنطقة المحيطة. إلا أن هذا الوجود حوّلها في المقابل إلى هدف أساسي للمقاومة، التي تعاملت معها كساحة مواجهة واستنزاف متواصل. ومع تراكم سنوات الصراع، خرجت «علي الطاهر» من كونها موقعاً عسكرياً إلى رمز للمواجهة والصمود، وشاهداً على مسار طويل من مقاومة الاحتلال وصولاً إلى تحرير الأرض.
التفوق الناري لا يكفي.. المقاومة تخوض معركة منع الحسم
يستخدم الاحتلال في محيط «علي الطاهر» أدوات عسكرية متعددة، من المدفعية والغارات الجوية والمسيّرات إلى العمليات الخاصة ومحاولات كشف مداخل المنشأة. لكن كثافة الأدوات المستخدمة لا تعني بالضرورة تحقق الحسم. ومع وجود بنية محصنة تحت الأرض، وكلما امتلك الطرف المدافع معرفة دقيقة بالتضاريس، يصبح الانتقال من القصف إلى السيطرة الفعلية أكثر صعوبة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: يمتلك الاحتلال تفوقاً نارياً واستخبارياً واضحاً، بينما تحاول المقاومة تحويل معرفة الأرض والتحصين والغموض الميداني إلى أدوات تمنع هذا التفوق من إنتاج نتيجة نهائية. وبالتالي، فإن معيار النجاح لا يصبح حجم النيران المستخدمة، بل القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى سيطرة مستقرة، وهو ما تسعى المقاومة إلى منعه.
وتدعم ذلك أهمية محور كفرتبنيت–أرنون–علي الطاهر، الذي اتجه إليه الاحتلال بعد تعثر محاولات التقدم في محاور أخرى. فوفق المعطيات الواردة، حاولت القوات الصهيونية الاستفادة من هذا المسار لتأمين مجال أوسع للحركة، إلا أن المقاومة عملت على تحويله إلى جبهة استنزاف متواصلة، مستفيدةً من طبيعة المنطقة ومن قدرتها على استهداف التحشدات والقوات المتقدمة.
وتنبع أهمية التلة هنا من إشرافها على مساحات واسعة، ما يجعل السيطرة عليها عاملاً مهماً لحماية القوات الصهيونية وخطوط إمدادها، بينما يؤدي بقاؤها خارج سيطرة الاحتلال إلى إبقاء قواته المنتشرة في محيطها عرضة للعزل والاستهداف.
«المنطقة الأمنية».. محاولة لتكريس الاحتلال كأمر واقع
مع وقف إطلاق النار، لم يعد الخلاف محصوراً في كيفية التعامل مع المنشأة، بل انتقل إلى سؤال أكثر حساسية: هل يستطيع الاحتلال الاحتفاظ بالتلة تحت ذريعة إنشاء «منطقة أمنية»؟ هنا تتجاوز القضية الحساب العسكري المباشر، لأن قبول بقاء الاحتلال في الموقع تحت عنوان أمني يعني عملياً تكريس واقع جديد في جنوب لبنان، وتحويل السيطرة المؤقتة إلى وجود يمكن أن يستمر بذريعة الضرورات الأمنية.
ولهذا يصبح رفض المقاومة لهذا التصنيف جزءاً من معركة أوسع لمنع إعادة إنتاج الاحتلال بصيغة مختلفة. فالمواجهة لا تدور حول من يسيطر على المرتفع في لحظة معينة فقط، بل حول من يملك حق تحديد طبيعة الوجود الصهيوني في الأراضي اللبنانية وشكل الجنوب بعد توقف النار. وهذه النقطة تمنح «علي الطاهر» وزناً يتجاوز حجمها الجغرافي، لأنها تحولت إلى اختبار لمسألة السيادة نفسها.
الاحتلال بين كلفة الانسحاب وكلفة البقاء
لم تبقَ المعركة محصورة في المستوى العسكري، بل دخلت سريعاً في الحسابات السياسية الصهيونية. فالانسحاب من موقع يعتبره استراتيجياً يمكن أن يُقرأ داخلياً باعتباره تراجعاً، بينما استمرار البقاء فيه من دون تحقيق حسم واضح يعني استمرار الكلفة العسكرية والسياسية. وهكذا تتحول التلة إلى معادلة صعبة: الانسحاب يحمل كلفة سياسية، والبقاء يحمل كلفة عسكرية، والحسم الكامل لا يبدو متاحاً بالسهولة التي يفترضها التفوق الصهيوني. وهذا تحديداً ما يمنح المقاومة ورقة إضافية؛ فكلما طال أمد المواجهة من دون نتيجة نهائية، أصبح من الأصعب على الاحتلال تقديم وجودها في الموقع باعتباره انتصاراً مكتمل الأركان.
في المحصلة، تحولت «علي الطاهر» إلى عنوان لقدرة المقاومة على إحباط مشروع الاحتلال لتثبيت وجوده شمال الليطاني. فصمود المقاومة يحول دون ترجمة التفوق العسكري الصهيوني إلى أمر واقع دائم، ويبقي كلفة البقاء مرتفعة، لتصبح علي الطاهر معركة على الأرض والسيادة وإرادة المقاومة في رسم مستقبل الجنوب».
البحث
الأرشيف التاريخي