الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • الثبات من أجل إيران
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعة وعشرون - ١١ أغسطس ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعة وعشرون - ١١ أغسطس ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

الإنترنت؛ بنية تحتية لاقتصاد ما بعد الرقمنة

إحسان جيت ساز
نائب وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

رغم كل حالات عدم الوفاء من جانب المنظّمين القطاعيين (منظّمي الاقتصاد التقليدي)، تمكّنت الحكومة الرابعة عشرة برئاسة الدكتور مسعود بزشكيان من زيادة حصة الاقتصاد الرقمي؛ لكن مستقبل التكنولوجيا في إيران لن يتحدد من خلال تضخيم حجم عدد من المنصات، بل من خلال تحويل الإنترنت إلى بنية تحتية مستقرة للعلم والإنتاج والإبتكار.
إن نمو الاقتصاد الرقمي في الحكومة الرابعة عشرة خبر جيد؛ لكن الأخبار الجيدة، إذا لم تُقرأ بصورة صحيحة، قد تصنع أحيانًا أخطر أنواع التفاؤل. فازدياد عمليات الشراء عبر الإنترنت، وانتشار الدفع الإلكتروني، وازدهار سيارات الأجرة عبر الإنترنت، وتوسع حجم المنصات، كلها مؤشرات على أن الاقتصاد الإيراني أصبح أكثر رقمية.
وتعزز الأرقام أيضًا هذه الرواية: فقد ارتفع ربط القرى التي يزيد عدد أسرها عن 20 أسرة بالشبكة الوطنية للمعلومات بنسبة 9 بالمئة، وازداد عدد مواقع أبراج الجيل الخامس للهواتف المحمولة بنسبة 24 بالمئة، كما ارتفعت تغطية الألياف الضوئية بنسبة 37 بالمئة، وارتفع اتصال المشتركين بالألياف بنسبة 150 بالمئة. وارتفع عدد مستخدمي النافذة الموحدة للحكومة الذكية، إلى جانب مستخدمي تطبيقات التراسل المحلية، بنسبة 60 بالمئة؛ كما ازدادت خدمات مركز تبادل المعلومات بنسبة 51 بالمئة، وارتفع عدد معاملاته بنسبة 92 بالمئة.
وفي المجال الفضائي أيضًا، ارتفع عدد عمليات إطلاق الأقمار الصناعية المحلية بنسبة 41 بالمئة، وعمليات الإطلاق الخارجية بنسبة 150 بالمئة، فيما بلغت نسبة التقدم في محطات سلماس وجناران وجابهار 98 بالمئة. هذه كلها مؤشرات على اقتصاد آخذ في الحركة؛ لكنها لا تزال ليست وثيقة دخول إلى المستقبل.
لا يُبنى مستقبل التكنولوجيا من خلال رقمنة الماضي. إن تحويل المتجر التقليدي إلى تطبيق، أو الطابور الإداري إلى نافذة موحدة، أو سيارة الأجرة في الشارع إلى منصة، أمر مهم؛ لكنه لا يمثل سوى بداية القصة. الاختبار الأكبر يقع في مكان آخر: هل يستطيع الإنترنت في إيران أن يتحول إلى بنية تحتية لاكتشاف الأدوية، وتصميم المواد الجديدة، وصناعة الآلات الذكية، وإدارة شبكة الطاقة، وزيادة الإنتاجية الزراعية؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن الاقتصاد الرقمي سيتجاوز مفهوم «السوق الإلكترونية» ليصبح محركًا للتقنيات المتقاربة. أمّا إذا كانت الإجابة لا، فستمتلك البلاد فقط أدوات جديدة للقيام بالأعمال القديمة؛ بصورة أسرع وأكثر أناقة، ولكن ليس بالضرورة بصورة تصنع المستقبل.
وعلى الرغم من مقاومة المنظّمين القطاعيين، تمكنت الحكومة الرابعة عشرة، من خلال بناء التوافق بقيادة رئيس الجمهورية من تمهيد الطريق أمام الاقتصاد الرقمي إلى حد ما. فتطوير اتصالات الألياف الضوئية، وتعزيز الخدمات عبر الإنترنت، ومحاولات رفع جودة الشبكة، وإعادة النظر في سياسة الحجب، ووضع الاقتصاد الرقمي على جدول أعمال الحكومة، كلها مؤشرات على تغيير الاتجاه؛ لكن الخطر يكمن في أن يتم الخلط بين النجاح في زيادة حصة الاقتصاد الرقمي والنجاح في بناء اقتصاد التكنولوجيا. فالأول يتعلق بزيادة استخدام الأدوات الرقمية؛ أمّا الثاني فيتعلق بزيادة قدرة البلاد على ابتكار التكنولوجيا.
العالم ينتقل من «الاقتصاد الرقمي» إلى «اقتصاد التقارب». وفي هذا الاقتصاد، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي مجالًا مستقلًا. فهو يساعد التكنولوجيا الحيوية على التنبؤ بهياكل البروتينات، ويزيد سرعة اكتشاف الأدوية، ويحدد المواد الجديدة، ويحوّل الروبوتات من آلات مبرمجة إلى منظومات متعلمة. وتخفض أشباه الموصلات منخفضة استهلاك الطاقة تكلفة تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي؛ كما يتيح علم المواد تصنيع رقائق وبطاريات أفضل؛ وتوفر الأقمار الصناعية البيانات اللازمة للزراعة الدقيقة، وإدارة المياه، ومراقبة البيئة.
لم تعد الميزة الاقتصادية في حيازة تكنولوجيا منفردة. إنها تتشكل في المسافة الفاصلة بين التقنيات. وفي مثل هذا الاقتصاد، لا يكون الإنترنت مجرد وسيلة للوصول إلى المحتوى. فالإنترنت هو البنية التحتية التي تربط البيانات والحوسبة ورأس المال والجامعة والصناعة والسوق ببعضها بعضًا. ولهذا السبب، ينبغي ألّا تُقاس جودة سياسة الإنترنت بعدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي المحلية، بل بقدرتها على دعم العلم والإنتاج.
ليس السؤال الصحيح هو كم مليون شخص يشترون عبر الإنترنت، بل ينبغي السؤال عن سرعة وموثوقية وصول الباحث الإيراني إلى البيانات العلمية، ومستودعات الأكواد، والبرمجيات المتخصصة، والخدمات السحابية، وزملائه الأجانب. وإلى أي مدى تستطيع شركة قائمة على المعرفة الوصول إلى الأسواق الدولية، وأدوات التصميم، والخدمات الأمنية، وسلاسل القيمة العالمية؟ وإلى أي حد يستطيع مستشفى أو مصنع أو مزرعة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتحليل الفوري للبيانات؟
يمكن تطوير الاقتصاد الرقمي إلى حد ما داخل حدود البلاد؛ لكن التقنيات المتقاربة لا تنمو في العزلة.
المعرفة العلمية لا تُخزّن فقط في المقالات. فجزء منها معرفة ضمنية تُكتسب من التعاون والحوار وملاحظة الأخطاء والعمل المشترك. فقد يستطيع مهندس ماهر تشخيص عطل في جهاز معقد بمجرد الاستماع إلى صوته؛ وهي معرفة لا يمكن تدوينها بسهولة في دليل إرشادات. كما يتعلم الباحث من الحوار مع زملائه أشياء لا توجد في النسخة النهائية من المقالة: التجارب التي فشلت، والمسارات التي لا تستحق مواصلة العمل فيها، والمؤشرات التي لم تتحول بعد إلى نتيجة علمية مؤكدة.
تمتلك إيران، من هذه الناحية، ميزة كبيرة لم تُستغل إلى حد ما: شبكة واسعة من العلماء والمهندسين وروّاد الأعمال الإيرانيين في أنحاء العالم. ويمكن للإنترنت المستقر أن يحول هذا التشتت الجغرافي إلى شبكة وطنية للمعرفة. أمّا الإنترنت المحدود وغير الموثوق، فعلى العكس، فإنه يبعد حتى المتخصص الذي بقي في البلاد عن التيار العالمي للمعرفة، وفي مثل هذه الظروف تتسارع هجرة النخب.
المسألة الثانية هي الاستثمار. رأس المال لا يهرب من مخاطر التكنولوجيا؛ بل يهرب من المخاطر التي لا يمكن حسابها. فالمستثمر يقبل احتمال فشل منتج جديد؛ لكنه لا يستطيع حساب احتمال انقطاع وصوله إلى السوق أو البرمجيات أو البيانات أو العملاء. ويؤدي عدم اليقين بشأن الإنترنت إلى رفع معدل العائد المتوقع، وتقليص فترة الاستثمار، وتوجيه الموارد نحو الأنشطة الأقل ابتكارًا والأسرع تحقيقًا للعائد.
والنتيجة هي اقتصاد يستطيع استهلاك الخدمات الرقمية؛ لكنه يظل عاجزًا عن إنتاج التقنيات المتقدمة.
ويصبح هذا الوضع أكثر كلفة بالنسبة إلى الشركات القائمة على المعرفة. فهناك فجوة خطيرة بين إثبات فكرة في المختبر وتحويلها إلى منتج تجاري. ففي هذه المرحلة، لا تزال الشركة الناشئة تفتقر إلى عدد كافٍ من العملاء، وتكون تكلفة إنتاجها مرتفعة، كما لا يكون المستثمر واثقًا من مستقبلها. وفي إيران، عمّقت العقوبات وتقلبات العملة وصعوبة التمويل هذه الفجوة. ويضيف الإنترنت غير المستقر عقبة أخرى إليها.
إن إصلاح سياسة الإنترنت لن يحل جميع هذه المشكلات؛ لكنه أحد الإصلاحات القليلة التي يمكنها في الوقت نفسه خفض تكلفة المعاملات، وتوسيع سوق الشركات، وتسهيل التعاون العلمي، وتحسين الوصول إلى رأس المال والتكنولوجيا.
وبالطبع، فإن الإنترنت المفتوح لا يعني إنترنت بلا دفاع. فالأمن السيبراني يقوم على السرية والسلامة وإمكانية الوصول. والسياسة التي تضحي بإمكانية الوصول من أجل حماية المبدأين الأولين، تصنع شبكة تبدو آمنة؛ لكنها قليلة الجدوى اقتصاديًا. وإضافة إلى ذلك، يدفع الحجب الواسع المستخدمين إلى شبكات كسر الحجب والبرمجيات غير المعروفة، ويجعل تحديثات الأمن أكثر صعوبة، ويقلل من إمكانية إدارة التهديدات؛ وهي سياسة يُؤمل أن يجري إصلاحها من خلال تغيير النهج في المجلس الأعلى للفضاء السيبراني.
ينبغي للأمن الذكي أن يستهدف المهاجم، لا الاتصال.
من هنا، فإن اختبار الحكومة الرابعة عشرة لا يقتصر فقط على رفع القيود عن منصة أو عدة منصات. فالتغيير الحقيقي يحدث عندما يتحول الوصول إلى الإنترنت من قرار إداري قابل للتعليق إلى قاعدة عامة يمكن التنبؤ بها. كما ينبغي أن تكون القيود الضرورية محددة الهدف، وموثقة، ومحددة المدة، وقابلة للاعتراض. فالقرار الطارئ الذي لا يحدد تاريخًا لانتهائه يتحول تدريجيًا إلى سياسة دائمة؛ تمامًا كما تجعل الامتيازات المؤقتة الإنترنت الطبقي أمرًا طبيعيًا. وهي سياسة عارضناها في جميع أنحاء الحكومة.
إن تطوير الألياف الضوئية والجيل الخامس أمر ضروري لهذا التحول؛ لكنه غير كافٍ. فالقدرة العالية للشبكة، من دون الوصول الفعلي إلى المعرفة والأسواق والخدمات العالمية، تشبه بناء ميناء متطور وإغلاق طريقه إلى البحر. ويمكن للشبكة الوطنية للمعلومات، باعتبارها ضرورة، أن تزيد من مرونة الخدمات المحلية؛ لكنها إذا تحولت من مكمل للإنترنت العالمي إلى بديل عنه، فإنها ستفقد أيضًا ميزتها الاقتصادية.
وللوصول إلى اقتصاد التقنيات المتقاربة، ينبغي أن توضع سياسة الإنترنت إلى جانب عدة سياسات أخرى، مثل: تأمين الكهرباء المستقرة لمراكز البيانات، وإتاحة الوصول التنافسي للجامعات والشركات إلى القدرة الحاسوبية، وإنشاء البنى التحتية للبيانات البحثية، وتقديم دعم طويل الأمد للأبحاث الجامعية، وتعزيز المعايير الفنية، وتسهيل التعاون مع الإيرانيين في الخارج، واستخدام المشتريات الحكومية لإيصال التقنيات الناشئة إلى السوق.
كما ينبغي للحكومة أن تغيّر طريقة قياس النجاح. فعدد المشتركين، ونسبة التغطية، وحجم حركة البيانات، مؤشرات مفيدة؛ لكنها لا تظهر جودة منظومة الابتكار. أمّا المؤشرات الأهم فتتمثل في مدة ونطاق حالات الانقطاع، وإمكانية وصول الجامعات إلى المصادر العلمية، وحصة الصادرات الرقمية، والاستثمار في رأس المال المخاطر، وعدد الشركات التي انتقلت من البحث إلى الإنتاج.
تمكنت الحكومة الرابعة عشرة من زيادة حصة الاقتصاد الرقمي؛ لكن ينبغي أن يكون هذا النجاح نقطة بداية، لا خط نهاية. تحتاج إيران الآن إلى سياسة من أجل «اقتصاد ما بعد الرقمنة»: اقتصاد لا يكون فيه الإنترنت مجرد مكان لتبادل السلع والخدمات، بل منصة لإنتاج العلم ودمج التقنيات.
لن تتنافس الدول خلال العقد المقبل على امتلاك أفضل خوارزمية أو شريحة إلكترونية أو مختبر فحسب، بل ستكون الميزة الأساسية من نصيب الدولة التي تستطيع، بصورة أسرع من غيرها، إقامة الصلة بين الفكرة والإنسان والبيانات ورأس المال والسوق.
إن مستقبل التكنولوجيا في إيران، قبل أن يعتمد على اختراع كبير، يعتمد على جودة هذا الاتصال بالذات.

البحث
الأرشيف التاريخي