تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
الرموز الدينية في الذاكرة المقدسة
رحيل النبي(ص) واستشهاد سبطيه الإمامين الحسن والرضا(ع) في مرآة الفن الإيراني
ويحمل الثامن والعشرون من شهر صفر مكانة خاصة في الذاكرة الإسلامية، إذ تتزامن فيه ذكرى رحيل النبي محمد(ص) بعد إتمام تبليغ الرسالة وترسيخ دعائم الدولة الإسلامية، تاركاً نموذجاً خالداً في مكارم الأخلاق، عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).
وكذلك ذكرى استشهاد الإمام الحسن المجتبى(ع)، الذي عُرف بالصبر والكرم ورعاية الأيتام، واستشهد مسموماً ودُفن في البقيع، فيما تُستحضر كذلك استشهاد الإمام الرضا(ع) ومناقبه العلمية والأخلاقية، الإمام الرؤوف والعالم الزاهد، الذي عُرف بعلمه وتقواه وفضائله الأخلاقية، وارتبطت سيرته بالدعوة إلى مكارم الأخلاق ونشر تعاليم النبي (ص).
ومن هذا المنطلق، نستحضر جانباً من مظاهر تعبير الفنانين الإيرانيين عن محبتهم وتكريمهم للنبي(ص) وأهل البيت(ع) من خلال أعمالهم الفنية.
النبي محمد(ص) في الفن الإيراني
يحتل النبي محمد(ص) مكانة بارزة في تاريخ الفن الإيراني، ولا سيما في فن المنمنمات والأدب والفنون البصرية. وقد استلهم الفنانون سيرته وميلاده ومعراجه وحضوره في الحروب والفتوحات، وحوّلوا هذه الموضوعات إلى مشاهد فنية تعكس مشاعر التقدير والتكريم، وتكشف في الوقت نفسه عن تطور الأساليب والمدارس الفنية عبر العصور.
وتبرز مشاهد المعراج بصورة خاصة في هذا السياق، إذ شكّلت رحلة النبي(ص) إلى السماء موضوعاً متكرراً في المنمنمات الإيرانية. ومن أبرز الأمثلة أعمال سلطان محمد في المدرسة التبريزية، حيث يظهر النبي(ص) ممتطياً البراق، محاطاً بالملائكة وهالات من النور، في تكوين يجمع بين الرمزية الدينية والثراء الجمالي.
وفي لوحة «المعراج» للفنان الراحل الأستاذ محمود فرشجیان، التي كُشف عنها عام 2013 م، تتخذ المعالجة الفنية منحى مختلفاً؛ إذ يُرى النبي(ص) من الخلف، فيما تمتد الهالة النورانية من حوله باتجاه السماء. كما تحضر في المشهد ملائكة نساء وزخارف ذات ألوان متعددة، في معالجة تجمع بين الخصوصية الأسلوبية لفرشچیان والرمزية الروحية لمشهد المعراج.
الإمام الحسن المجتبى(ع) في الفن الإيراني
يحضر الإمام الحسن المجتبى(ع) في تجربة الفنان الإيراني حسن روح الأمين بوصفه شخصية تستلهم منها اللوحة معاني البطولة والرحمة والصبر. وقد خصّص الفنان مجموعة من أعماله لتصوير محطات بارزة من حياة الإمام، بدءاً من ولادته، مروراً بشجاعته في ميادين القتال ورعايته للأيتام، وصولاً إلى صلحه وشهادته ومراسم تشييع جثمانه الطاهر.
ومن أبرز هذه الأعمال لوحة «نسل بتشکن» أي «جيل محطّم الأصنام»، وهي لوحة منفذة بالألوان الزيتية، يستحضر فيها الفنان شجاعة الإمام الحسن(ع) في ميدان المعركة من خلال تكوين بصري نابض بالحركة والقوة. وفي عمل آخر، يتناول روح الأمين مشهد تشييع الإمام المجتبى(ع)، حيث يظهر الجثمان الطاهر داخل التابوت محمولاً على أيدي محبيه وشيعته.
الإمام الرضا(ع) في الفن الإيراني
تتجلى محبة الإمام الرضا(ع) بوضوح في أعمال الفنان الراحل الأستاذ محمود فرشجیان، الذي قدّم عدداً من أبرز الأعمال المستوحاة من سيرته ومقامه الروحي. وتأتي لوحة «ضامن آهو» أي «ضامن الظبي» في مقدمة هذه الأعمال، وقد أنجزها عام 1979 م، بتقنية الأكريليك، حيث يتوسط الإمام الرضا(ع) التكوين في هالة من النور، بينما تتجه الخطوط والمنحنيات والعناصر البصرية في اللوحة نحو شخصيته، في بناء فني يجعل حضوره مركز الثقل البصري والروحي للعمل. ولا يقتصر النور في اللوحة على الوجه، بل يمتد إلى الجسد، بما يعزز الحضور القدسي للشخصية ويمنح التكوين وحدة بصرية واضحة.
وفي عام 2010 م، أنجز الأستاذ فرشجیان النسخة الثانية من «ضامن آهو»، وأهداها إلى متحف العتبة الرضوية المقدسة. ولا يقتصر حضور الإمام الرضا (ع) في الفن الإيراني المعاصر على تجربة الأستاذ فرشجیان، بل يمتد إلى تجارب فنانين آخرين، من بينهم حسن روح الأمين، وزهراء كياني، ومسعود نجابتي، ورضا مهدوي وغيرهم.
وهكذا يتحول الفن الإيراني إلى مساحة لحفظ الذاكرة الدينية، حيث تتداخل الصورة مع السيرة، ويغدو الجمال وسيلة لاستحضار القيم والرموز التي شكّلت وجدان أجيال متعاقبة.
