سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العراق، في حوار مع KHAMENEI.IR:
نظرة الإمام الشهيد إلى العراق كانت نظرةً عظيمة ونابعة من عشق ومحبّة فوق الوصف (2 / 2)
حضرة الدكتور، هل كنتم تتوقعون أن تشهد مراسم التشييع هذا الحضور المليوني الهائل والتاريخي؟
كنّا ندرك حجم محبة الناس وعاطفتهم. فقد كان سماحته يحب هذا الشعب، وكان يخاطبه بلغته. وهذا الأمر كان له أثرٌ بالغ في نفوسهم؛ إذ يشعرون بقربه منهم حين يحدّثهم بأدبياتهم ولسانهم. وكنت أسألهم: لماذا تحبون الإمام هذا الحب العميق، وتكنّون له كل هذا الودّ الذي يعجز الوصف عنه؟ فكانوا يقولون إنّ ملامحه، وابتسامته، وكلماته، تحمل جاذبيةً خاصة تستقر في قلوبهم.
أمّا النخب، فتقول إنّ سماحته لم يكن يمرّ مرورًا عابرًا على الأحداث التاريخية أو الوقائع التي يشهدها العالم؛ فقد كان حاضرًا بقلبه وعقله مع فلسطين، ولبنان، واليمن، وكان دائمًا يدافع عن المحرومين، والمظلومين، والأحرار. وقد رأينا ذلك بوضوح في فتواه الداعمة للعراق، وفي موقفه من الدفاع عن العراق خلال الحرب ضد تنظيم «داعش»، وفي إشادته وتشجيعه على مواجهة الاحتلال. كل هذه المواقف راسخة في ذاكرة هذا الشعب، وهي التي صنعت هذه المشاهد.
وإذا أردت أن أكون صريحًا، فقد كنّا نتوقع حضورًا كبيرًا، وكنّا نقول إنّ الملايين سيشاركون؛ لكن ما رأيناه في الواقع تجاوز كل ما كنا نتصوره.
كيف تُقيّمون تداعيات هذا الحدث، لاسيّما في العلاقة بين الشعبين الإيراني والعراقي، وما الصورة التي ستكون عليها هذه العلاقة مستقبلاً بعد هذا الحدث التاريخي الذي وقع؟
إننا نشهد في الأربعين هذه المشاهد التي تجسّد عمق الترابط بين الشعبين. ففي كل عام، يتنقّل بين إيران والعراق أحد عشر مليوناً وخمسمئة ألف زائر أو شخص، إن جاز التعبير، بين البلدين؛ وبطبيعة الحال، فإنّ النصيب الأكبر من هذا العدد يعود إلى الجمهورية الإسلامية، إذ يتوجّه من العراق إلى إيران سنوياً ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف المليون، لأغراض متعددة؛ منها الزيارة، والسياحة، والعلاج، وكذلك الاقتصاد والتجارة. غير أنّ النصيب الأوفر، الذي يبلغ نحو أربعة ملايين، يتحقق في موسم الأربعين، وهذه الأعداد قد أوجدت علاقات اجتماعية وأرست تواصلاً حقيقياً بين الشعبين. وأعتقد أنّ هذا الحدث الذي وقع سيكون سبباً إضافياً لأن تترسّخ هذه العلاقات، ولأن تتخذ المودة بين الشعبين صورة أخرى.
لقد رأيتم حضور المواكب العراقية في الساحات، وكم كان تأثيرها بالغاً. وطبيعي أنّ الأعداء يبذلون جهداً كبيراً لإحداث الفرقة بين هذين الشعبين العظيمين والجليلين؛ ولكن على الرغم من كيد الأعداء، إن شاء الله ستُهيّئ هذه المودة، وهذه الحلقات، وهذه الروابط، البلدين لاستقبال الظهور المبارك لصاحب العصر والزمان(عج)، وتُصبح هذه الأرض أيضاً عاصمة لإمام الزمان(عج)، ويتخذ ذلك الترابط والتواصل العميق، القلبي والعقائدي والثقافي، بين الشعبين، صورة أقوى وأمتن.
سعادة السفير، ضمن السؤال الأخير، أودّ أن أُلقي نظرة على تجربتكم التي امتدت أربع سنوات في السفارة في العراق، بصفتكم سفيراً. فمن الطبيعي أنكم عقدتم جلسات ولقاءات عديدة مع شخصيات عراقية مختلفة، وكذلك داخل إيران عقدتم، بحكم موضوع السفارة، جلسات مع المسؤولين، ومن جملتهم قائد الثورة الإسلامية. وفي هذه الجلسات، أردنا أن نطّلع، من الجانب العراقي، على ما كانوا يقولونه عن الإمام الشهيد، وتحديداً عن نظرة الإمام الشهيد؛ فإن كانت هناك ذكرى خاصة من شخصيات عراقية قالت شيئاً بشأنه أو بشأن نظرته إلى العراق؛ وكذلك، أرجو منكم أن تذكروا لنا الجلسات التي عقدتموها معه، أو اللقاءات التي جمعتكم بالإمام الشهيد، وما كان منها ذكرى خاصة لا تُنسى.
نعم، هناك ذكريات. وبالتأكيد، إن سمح وقتي ووقتكم، سأذكرها ضمن لقائكم. في زيارة رئيس الجمهورية العراقي آنذاك إلى طهران، كان له لقاء مع سماحة السيد القائد. وقد حضر الجلسة السيد قاسم الأعرجي، مستشار الأمن الوطني، وبعد انتهاء الجلسة طلب من سماحة السيد القائد، إن أمكن، أن يُهديه خاتماً أو كوفية. فقال سماحة السيد القائد بكل مودة: "سنُعطيك الإثنين معاً"؛ فخلع الخاتم من يده وأعطاه إياه، وكذلك الكوفية التي كانت على كتفه.
ثم إنّ أحد المسؤولين الآخرين، وكان مستشاراً أمنياً لرئيس الجمهورية، قال: "سماحة السيد، نريد نحن أيضاً خاتماً". ولم يكن في يد سماحته حينها خاتم آخر، فقال: "أحضروا خاتماً وسأُعطيكم إياه؛ سأُعطيكم خاتماً". وقد شهدنا نحن ذلك المشهد، وكان أقرب إلى التزاحم والتسابق على الأخذ! وقد قلتُ أنا أيضاً لسماحة السيد القائد: "أريد أنا أيضاً خاتماً"، فقال: "سأُعطيكم".
وعند الخروج، أُحضرت حفنة من الخواتم، فاختار سماحته خاتماً، ودعا له، ثم أعطاه لذلك الضيف العراقي. وقد وُفّقتُ حينها للبقاء إلى أن تستمر المحادثة حول بعض المسائل، بحضور بعض المسؤولين في المكتب، ومرّت بضع دقائق. وعند الخروج، لم أجرؤ على أن أقول إنني أريد خاتماً، فقلت: "سماحة السيد، ادعُ لنا". فتنبّه سماحته، وقال: "آه، أحضروا الخواتم". فأُحضرت مرة أخرى حفنة من الخواتم، ومازلتُ أذكر أنني أخذتُ ثلاثة خواتم وأعدتُها؛ أمّا الخاتم الرابع، الذي كان بلون عقيق أرجواني جميل وكنتُ شديد الإعجاب به، فأُعطي لي، فوضعته على عيني تكريماً له، وأنا أفخر بهذه الهدية القيّمة منه.
ومن الذكريات الجميلة أنّ سماحة السيد القائد، في آخر جولاته إلى المحافظات -وأظنّ أنه بعدها لم يعد له جولات في المحافظات- أجرى بجولتين متتاليتين، إحداهما إلى كردستان والأخرى إلى محافظة كرمانشاه، في آخر سنتين من جولاته. ففي محافظة كردستان، قال الشهيد سليماني لي وللواء مسجدي: "اذهبا إلى الإقليم وتحدّثا مع مسؤولي الإقليم، السيد بارزاني والمرحوم السيد طالباني الذي كان حينها رئيساً للجمهورية، على أن يكونا متنبّهين حتمًا لمسألة، وألّا تُطلق أي رصاصة من جهة الإقليم، من قِبل العناصر المعادية للثورة الموجودة هناك، باتجاه محافظة كردستان ومدينة سنندج وسائر الأماكن الأخرى. يجب ألا يقع هذا الأمر".
نعم، ذهبنا وكنّا في خدمة اللواء مسجدي. وقد نُقلت هذه الرسالة بالصورة المناسبة إلى مسؤولي الإقليم آنذاك. وقد قال الشهيد اللواء سليماني: "لا تعودوا مادام سماحة السيد القائد في محافظة كردستان. وعندما يُقلع وتعود الطائرة إلى طهران، حينها تفضّلوا بالعودة"، وقد وقع هذا الأمر فعلاً.
بعد الجولة، التقينا باللواء أستوار، الذي كان آنذاك قائداً لمقر حمزة ومسؤولاً عن أمن جولة القائد. سألناه عن ذكريات الجولة وما شابه. فروى لنا مشهداً وقال: إنّ سماحة السيد القائد قال ذات يوم: "لنذهب للرياضة". وفي رحلته الجبلية الصباحية الباكرة، كان هناك أشخاص مختلفون؛ لكن كان هناك أيضاً فتاة وشاب في هذه الرحلة الجبلية. وكانت تلك الفتاة لا ترتدي الحجاب الإسلامي الكامل على المستوى الظاهري. فلمّا رأيا سماحة السيد القائد، شعرا بالحرج ووقفا في زاوية. فألقى إمامنا الشهيد عليهما السلام بذلك اللطف والمحبة الأبوية التي يتحلّى بها. وما إن ألقى عليهما السلام حتى خنقت العَبرة تلك الفتاة وبدأت تبكي. ثم سألناها: "لماذا بكيتِ؟" فقالت: "انتابني شعورٌ غريب؛ انتابني شعورٌ أبوي، ولولا مسألة الحرمة الشرعية لقفزتُ واحتضنتُ سماحة السيد"، قالت ذلك بشيء من المحبّة والمودة الخاصة.
إننا نرى اليوم آثار ذلك في الساحات؛ تلك النظرة الأبوية والمفعمة بالمحبة التي كان يشمل بها فتياتنا، فتيات المجتمع. وحتى وإن كان لديهنّ بعض التقصير تجاه ما كان يوصي به، فإنهنّ اليوم يُعرِبن بكل محبّة عن ندمهنّ قائلات: "لقد أخطأنا، لم نكن نعرف سماحة القائد، وقد فقدناه".
وفي العام التالي، كانت جولة كرمانشاه، وقال الشهيد سليماني مرة أخرى للواء مسجدي ولي: "اذهبا إلى كرمانشاه وامكثا هناك طيلة فترة الرحلة". وكانت مناسبة هذه المهمة أنني كنتُ حينها أتشرّف بقيادة مقر رمضان، ومهمة مقر رمضان هي العراق. ولهذا السبب كان يجري اختياري لهذه الجولة. وكان اللواء مسجدي أيضاً مسؤول أركان القوة، وبهذه المناسبة كانت المهمّة توكل إلينا. غير أنه قال: "لم يعد هناك داعٍ لأن تذهبا إلى الجانب الآخر من الحدود. تفقّدا جدار الحدود واعملا على معالجة الأمر من هذا الجانب. نسّقا الأمن مع مسؤولي المحافظة ليتحقق ذلك"، وقد وقع هذا الأمر أيضاً.
وبعد انتهاء الرحلة، بعث سماحة السيد القائد برسالة ودعا جميع القائمين على الأمر إلى الغداء. وكان هناك صلاة وغداء. وكان لدينا مقر فرعي، وكان قائد ذلك المقر هو السيد نادري، رحمة الله عليه، الذي توفي إثر جائحة كورونا، فقلتُ له: "أنت المسؤول عن المنطقة حالياً. سنذهب للصلاة، وسنجلس في الصف الأول. تفضّل وانظر إن كان بمقدورك تحصيل كوفية سماحة القائد أم لا؟"
وذهبنا في وقت مبكر وجلسنا في الصف الأول. فرأينا الألوية والأمراء وأمثالهم قادمين. فتنحّينا باحترام من الصف الأول إلى الصف الثاني. ثم جاء آخرون فصرنا في الصف الثالث. وأصبح وصولنا إلى سماحة السيد القائد متعذّرًا، فقلتُ له: "يا سيد نادري، لم يعد بمقدورنا الحصول على الكوفية. هل يمكنك أن تُحضر لنا سجادة صلاة سماحة السيد؟ سجادة الصلاة تلك هي تلك المنديل الأبيض الذي عليه سجدة الصلاة"، فقال: "نعم، أستطيع"، فقلتُ: "حسناً، لنرَ ماذا يمكنك أن تفعل".
فلمّا انتهت الصلاة، أحاط بإمامنا الشهيد جمع غفير وحلقات متنوعة، فقلتُ: "لقد فقدنا تلك السجادة أيضاً؛ لم يعد بمقدورنا الحصول عليها الآن". وانتقلنا إلى الفقرة التالية، وكانت الغداء وسرد إمامنا الشهيد ذكرياته. وقد تحدّث سماحته ببعض الأمور. فرأيتُ السيد نادري قد جاء والفرحة على محيّاه وجلس بجانبي، وقال: "أحضرتها؛ أحضرتُ سجادة الصلاة"، فقلتُ: "أحسنت، بارك الله فيك".
وانتهت فقرة الغداء، فذهبنا إلى المقر الذي كان مسؤولاً عنه. وقد رقّ قلبي؛ فعلى أي حال، لقد بذل جهداً وأقدم على هذه الخطوة، فقلتُ: "لستُ إنساناً مجحفاً. أحضر مقصّاً؛ لنقسم هذه السجادة نصفين، نصف لك ونصف لي، ليكون لكلٍّ منّا تبرّك بها". وبعد أن قصصتُها ونصّفتُها، تذكّرتُ أن أسأله: "كيف أحضرتَها؟" فسألتُه: "يا سيد نادري، بصراحة، كيف حصلتَ عليها؟ كيف أحضرتَها؟" فقال: "لاحظتُ أنّ الشخص الذي جمع سجادة الصلاة ذهب إلى إحدى الزوايا ووضعها هناك. فلمّا خلا المكان، ذهبتُ وأخذتُ تلك السجادة"، فقلتُ: "هل سرقتَ هذه السجادة؟ لقد سبّبتَ لنا مشكلة؛ ماذا سيحدث الآن؟"
وكان الوفد قد غادرَ أيضًا. فقلنا لكل مسؤول شعرنا أنّ له إمكانية الوصول إلى المكتب -ممثل الولي الفقيه، واللواء سليماني نفسه، وآخرون- أن يحصلوا لنا على إذن من سماحته بشأن هذه المسألة. والآن حيث قسمناها إلى نصفين، لم يكن ممكناً إعادتها. أي أنّ الأمر لم يُحلّ، إلى أن طلب وزير الداخلية آنذاك، الذي كان في جولة لزيارة العراق، من المكتب أن يُشارك في الصلاة خلف القائد. فنسّق اللواء سليماني ذلك. وقد تشرّفتُ أنا أيضاً بحضور تلك الصلاة واللقاء بسماحته.
هناك، قلتُ لأحد الأعضاء الموقّرين في المكتب: "لديّ سؤال شرعي أريد أن أطرحه على سماحة السيد القائد. اسمح لي أن أطرحه؛ لا تطلب منّي أن لا أتحدّث". فقال: "الأسئلة الشرعية والاستفتاءات تُقدَّم هناك ليُجاب عليها". فقلتُ: "أنا لديّ ما أطرحه على سماحة السيد القائد نفسه؛ ولابدّ أن أطرح السؤال مباشرة. سيطول الأمر، ولا أستطيع؛ لابدّ أن يقع هذا الأمر".
على أي حال، تفقّد سماحته أحوال الوفد. فلمّا جاء دوري، قبّلتُ يد سماحته وأمسكتُ بها. وبسرعة شديدة رويتُ له قصة سرقة سجادة الصلاة والحادثة التي وقعت، وقلتُ: "هذه السجادة الآن بحوزتنا. ولا يمكننا استخدامها". فنظر إليّ بنظرة مفعمة بالمودة من تحت نظارته، وقال: "مادمتَ قد أخذتَها..." فقلتُ: "نعم، أخذتُها؛ لكنني أريد الإذن الشرعي لذلك". فقال: "لابأس، استخدموها".
وهذا أيضاً من مفاخرنا أثناء تشرّفنا بلقاء سماحة السيد القائد، ومن التوفيقات التي حظينا بها. ونسأل الله أن يمنّ على قائدنا العزيز والجديد، آية الله السيد مجتبى الخامنئي، بطول العمر المقرون بالعزّة، وأن نشهد عمرًا طويلاً توجيهاته وقيادته في سبيل إحقاق العزّة والرّفعة والسموّ للجمهورية الإسلامية، إن شاء الله.
