لماذا أُحـبُّ إيـران؟
كاتب ومُفكّر لبناني
لا أسأل نفسي كلّ صباح إنْ كنتُ مسيحياً أولاً أم شرقياً أولاً. أسأل نفسي سؤالاً أبسط: مع مَن يقف ضميري حين يعلو صراخ المظلوم؟ هناك تبدأ هُويتي، وهناك تنتهي كل الهُويات الصغيرة.
لم تعلّمني المسيحية أن أبحث عن الأقوى. علّمتني أن أبحث عن المجروح. لم تدعني إلى موائد القياصرة، بل إلى طرقات الجليل، حيث كان المسيح يربّت على أكتاف المنسيين، ويغسل أقدام البسطاء، ويقف في وجه السلطة حين تتحول إلى سوط. لذلك لا أستغرب أن يكون ضميري السياسي امتداداً لإيماني، لا انفصالاً عنه. فالإنجيل، بالنسبة إليّ، ليس كتاب صلاة فحسب.. إنّه أيضاً كتاب موقف.
لهذا لا أخجل من القول إنني، كمسيحي مشرقي، وجدت في إيران شيئاً يتجاوز السياسة. وجدت سردية تقول إن الاستقلال ليس شعاراً، وإن رفض الهيمنة ليس تهمة، وإن الكرامة قد تكون أغلى من الرفاه. وجدت شعباً لا يزال يؤمن بأن للأوطان حقاً في أن تقول «لا»، حتى لو دفعت ثمن تلك الكلمة سنوات من الحصار والضغوط والعزلة. قد يختلف كثيرون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن حقهم أن يختلفوا. وقد يوجّهون إليها نقداً في السياسة أو في الإدارة أو في الحرّيات. ومن حقهم أيضاً؛ لكنني لا أستطيع أن أنظر إليها بعين واحدة، لأن الشرق علّمني أن العين الواحدة لا ترى إلّا نصف الحقيقة.
إيران، في نظري، ليست الصورة التي رسمتها البروباغاندا الاستعمارية طوال عقود. ليست تلك البلاد المغلقة التي يريدون لها أن تسكن الخيال. إنها أرض حملت في ذاكرتها حضارات متراكمة، وشعوباً متعددة، ولغات متعددة، وأدياناً متعددة. في كنائسها صلوات قديمة، وفي معابدها ذاكرة، وفي مساجدها نبض أمّة، وفي جبالها تاريخ لا يختصره عنوان إخباري. لذلك أراها وطناً للتنوع أكثر مما أراها عنواناً للصراع. أنا ابن لبنان. أعرف جيداً كيف تُصنع الصور، وكيف تُباع الصور، وكيف تتحول الصورة إلى سجن. أعرف كيف تُختزل الشعوب في كاريكاتور، وكيف تتحول الأكاذيب، مع كثرة التكرار، إلى يقين عند مَن لم يرَ الحقيقة بعينيه. لذلك أرفض أن أختصر أمّة كاملة في نشرة أخبار، أو في خطاب سياسي، أو في عقوبة اقتصادية. الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تخيفني لأنني لا أقيس الناس بالشعارات، بل بالمواقف. أخاف من كل قوة ترى الإنسان رقماً. أخاف من كل مشروع يبني رخاءه على خراب الآخرين. أخاف من الاحتلال أكثر مما أخاف من الاختلاف. وأؤمن أن اختلاف العقائد لا يبرر أبداً اتفاق الضمائر مع الظلم.
وُلدت المسيحية في الشرق. لم تولد تحت حماية الأساطيل. لم تحملها البوارج. حملها الفقراء. حملها الشهداء. حملها الذين عرفوا أن الصليب لم يكن زينةً على العنق، بل مسؤولية على الكتف. لم يكن خشبةً للتباهي، بل خشبةً للفداء.
لهذا تبدو لي مسيحيتي مقاومة بطبيعتها. مقاومة للظلم قبل أن تكون مقاومة للأشخاص. مقاومة للطغيان قبل أن تكون خصومة مع الدول. إنها لا تسأل عن هُوية المظلوم، بل عن وجعه. ولا تسأل عن دين القاتل، بل عن فعل القتل. فهي لا تنحاز إلى الدم، بل إلى الحق، ولا إلى القبيلة، بل إلى الإنسان. كلما اقتربت من الإنجيل، ابتعدت عن العصبية. وكلما قرأت الموعظة على الجبل، ضاقت في عيني الحدود التي يرسمها التعصب بين البشر. وحين أقرأ: «طوبى لصانعي السلام»، لا أفهمها دعوة إلى الاستسلام، بل إلى صناعة عدل يسبق السلام، لأن السلام الذي يولد من الخوف هدنة. أمّا السلام الذي يولد من العدالة، فهو حياة.
أعرف أن هذا الكلام يزعج كثيرين.
أعرف أن بعضهم يريد من المسيحي المشرقي أن يبقى أسير خوفه، وأن يقيس صداقاته على أساس الطائفة، لا على أساس القيم. يريد له أن يخاف من جاره أكثر مما يخاف من المحتل، وأن يخاصم مَن يختلف معه مذهبياً، ولو شاركه الدفاع عن الأرض والكرامة. يريد له أن يعيش داخل جدران الطائفة، بينما المسيح كان يكسر الجدران في كل خطوة؛ لكنني لا أستطيع أن أعيش داخل هذا القفص.
أنا لا أبحث عن حليف يشبهني في الطقوس. أبحث عن حليف يلتقي معي في رفض الظلم. فالعدالة لا مذهب لها، والحرّية لا كنيسة لها، والكرامة لا تحتاج إلى شهادة معمودية ولا إلى هُوية مذهبية.
ربما لهذا السبب أفهم إيران بطريقة مختلفة.
لا أراها ملاكاً منزهاً عن الخطأ، كما لا أرى أي دولة كذلك؛ لكنها، بالنسبة إليّ، تقف في معركة أوسع من حدودها. معركة عنوانها استقلال القرار، ورفض الإملاءات، والإيمان بأن شعوب هذه المنطقة تستحق أن تكتب مستقبلها بأيديها، لا بأقلام الآخرين. وهذا، بالنسبة إليّ، موقف يستحق أن يُناقش بعقل، لا أن يُحاكم بانفعال.
قد أكون مخطئاً في تقديري السياسي. السياسة تحتمل الخطأ والصواب؛ لكنني لا أقبل أن يُختزل موقفي في معادلة طائفية رخيصة، لأن المسيحية التي أعرفها أكبر من الطوائف، وأرحب من الحدود، وأعمق من الاصطفافات. فهي لا تُقاس بعدد الحلفاء، بل بصدق المبادئ.
وحين يسألني أحدهم: كيف يمكن لمسيحي من لبنان أن يحبّ إيران؟
أبتسم.
ثم أجيبه بأن المسيح نفسه علّمني أن أقيس الإنسان بما يصنعه من عدل، لا بما يحمله من اسم، وأن المحبة ليست جائزة تُمنح للمتشابهين، بل جسر يُبنى بين المختلفين.
ولهذا، حين أمدّ يدي شرقاً، لا أشعر أنني أغادر مسيحيتي.
أشعر أنني أعود إليها.
أعود إلى تلك المسيحية التي لا تبحث عن مكان لها في بلاط الأقوياء، بل عن مكان لها في ضمير المظلومين. المسيحية التي لا تخشى أن تقف وحيدة إذا كان الحق وحيداً، ولا تتردد في مصافحة المختلف إذا كان يحمل معها قضية الإنسان. فالإيمان الذي لا يصنع شجاعة يتحول إلى عادة، والإيمان الذي لا ينتصر للكرامة يتحول إلى طقس.
أمّا أنا، فأريد لمسيحيتي أن تبقى كما عرفتها منذ ألفي عام: خبزاً للمحرومين، وصوتاً للمقهورين، ونوراً لا يسأل الظلام عن هُويته قبل أن يبدده.
