الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة واثنان - ١٥ يوليو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة واثنان - ١٥ يوليو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

أخلدُ وداعٍ في التاريخ (2 / 2)

المحللون والصحفيون الأجانب؛ ما هو أبعد من الرواية الإعلامية
إلى جانب وسائل الإعلام، حظيت ردود فعل الصحفيين والمحللين المستقلين بأهمية خاصة. فقد نشر الصحفي الحائز جائزة بوليتزر «غلين غرينوالد» صورًا من المراسم، وكتب: أن «تصور حضور شعبي بهذا الحجم لتوديع قائد في الولايات المتحدة يكاد يكون مستحيلًا». وتُظهر هذه المقارنة أن حتى منتقدي سياسات واشنطن قيّموا المراسم من زاوية الرصيد الاجتماعي اللافت الذي عكسته. أمّا ماكس بلومنتال، فاعتبر المراسم واحدة من أكثر اللحظات خلودًا في تاريخ الحركات المناهضة للإمبريالية، مؤكدًا أنه إذا كان الهدف من اغتيال قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية إحداث تغيير سياسي، فإن صور التشييع تثبت أن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا.
وأشار محلل سياسي بولندي إلى التناقض الصارخ بين مشاهد طهران واحتفالات الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، وقال: إنه «لا يمكن لأي مستعمرة استيطانية خاضعة لسيطرة الأوليغارشية أن تحظى بذلك القدر من الولاء والجاذبية الشعبية»، مؤكدًا أن المستقبل يُصنع اليوم في الجنوب العالمي. كما أقرّ مؤرخ وأستاذ جامعي فرنسي، من منظور بعيد المدى، بأن خمسين عامًا من التحليلات والخبرات الجيوسياسية الغربية تنهار أمام مشهد مشاركة ملايين الإيرانيين في مراسم التشييع. واستنادًا إلى رؤية شارل ديغول، وصف الأمم بأنها أكثر حقائق عصرنا رسوخًا.
وذهب محلل سياسي إسباني إلى أبعد من ذلك، فاعتبر المراسم ليست مجرد حدث وطني، بل نقطة تحول في تاريخ العالم، مؤكدًا أن تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) أصبح رسميًا أكثر مراسم التشييع حضورًا في تاريخ البشرية، وهي حقيقة قال إن وكالة «رويترز» نفسها أقرّت بها على مضض. وتُظهر هذه التصريحات، الصادرة عن شخصيات تنتمي إلى تيارات فكرية مختلفة، أن ما جرى في طهران تجاوز كونه حدثًا إخباريًا، وتحول إلى حقيقة تاريخية تتحدى التحليلات السائدة وتفتح آفاقًا جديدة أمام الدراسات السياسية والاجتماعية.
التحليل الاستراتيجي
تُظهر دراسة أصداء مراسم تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) في وسائل الإعلام أن هذه المراسم ينبغي تحليلها بوصفها حدثًا جيوسياسيًا متكاملًا، تضمّن ثلاث طبقات منفصلة من الدلالات؛ لكنها مترابطة في ما بينها.
تمثلت الطبقة الأولى في سقوط الروايات الإعلامية الغربية الخاطئة بشأن عزلة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتمثلت الطبقة الثانية في تبلور إجماع داخلي حول مواصلة مسيرة الثورة والمقاومة. أمّا الطبقة الثالثة فتمثلت في توجيه رسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية والدولية بشأن المكانة الراسخة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في النظام الجديد لغرب آسيا.
ومن المنظور الاستراتيجي، كان الإنجاز الأبرز للمراسم هو إفشال مشروع «تغيير السلوك عن طريق الصدمة» بصورة كاملة.
فما جرى العمل عليه خلال الأشهر الأخيرة تحت عنوان الحرب الهجينة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان مصممًا لاستهداف رموز الاستقرار والاقتدار الوطني، تمهيدًا لانهيار تدريجي للمؤسسات السياسية والاجتماعية في البلاد؛ لكن ما جرى في مراسم التشييع كان نقيضًا تامًا لهذه الاستراتيجية؛ إذ شهد العالم استعراضًا للتضامن المجتمعي اجتمعت فيه مختلف الفئات، على تنوع توجهاتها وأذواقها السياسية، تحت راية مشتركة.
وقد كشف هذا التضامن عن رصيد اجتماعي هائل لم يتراجع بعد مرحلة من الحرب والضغوط الخارجية، بل بلغ ذروة تماسكه وازدهاره باستشهاد قائد كان هو نفسه رمزًا لهذه الوحدة.
أمّا الطبقة الثانية من التحليل، فتتعلق بتأثير المراسم في المعادلات الإقليمية. فقد يبدو للوهلة الأولى أن غياب قائد تاريخي يتمتع بالكاريزما سيخلق فراغًا داخل محور المقاومة، يحتاج ملؤه إلى سنوات طويلة. إلا أن ما جرى في طهران تحدى هذه الفرضية.
فمشاركة وفود رسمية من دول عربية وغير عربية، إلى جانب التغطية غير المسبوقة من الشبكات الإقليمية، من «الجزيرة» و«الميادين» إلى «العربي» و«العهد»، أظهرت أن «رسالة طهران» إلى جيرانها تتمثل في أن بنية السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقوم على المؤسسات والخطاب، ولا تعتمد على الأشخاص وحدهم.
ولهذا، فإن انتقال السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلافًا لما يحدث في عدد كبير من دول المنطقة، لن يقترن بفراغ استراتيجي أو مرحلة انتقالية متوترة. ومن شأن هذه الحقيقة أن تجعل محور المقاومة، في مواجهته للتهديدات المشتركة، يبدو أكثر تماسكًا وقابلية للتنبؤ من ذي قبل؛ لكن ربما كانت أهم الرسائل الاستراتيجية لهذا الحدث موجهة إلى الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فقد أُقيمت مراسم التشييع بعد أشهر قليلة فقط من انتهاء آخر جولة من المواجهات العسكرية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني.
وأقرّت وسائل الإعلام الغربية، من «رويترز» إلى «بي.بي.سي» و«سي.إن.إن»، صراحة أو ضمنًا، بأن هذا الحضور المليوني مثّل ردًا حاسمًا من الجمهورية الإسلامية الإيرانية على سيناريو «الانهيار بعد الحرب».
وفي الواقع، مثّل ما تشكل في يوم التشييع «عملية نفسية معاكسة». فقد رسخت صور الحشود الهادرة والتنظيم المثالي للمراسم في أذهان الرأي العام العالمي، من دون حاجة إلى إصدار بيان أو إلقاء خطاب سياسي، حقيقة أن الأزمات لا تؤدي إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل تدفعها في كل مرة إلى إعادة إنتاج تماسكها الداخلي وتعزيزه.
وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة بالنسبة إلى المفاوضات المقبلة؛ لأنها تُظهر أن الطرف الإيراني سيجلس إلى طاولة المفاوضات من موقع القوة لا الضعف، مستندًا إلى رصيد اجتماعي تجلّى بوضوح أمام العالم. وعلى مستوى أبعد، ينبغي اعتبار هذا الحدث مؤشرًا إلى حدوث تحول في النظام الإعلامي العالمي أيضًا.
فللمرة الأولى خلال السنوات الأخيرة، اضطرت وسائل الإعلام الغربية الرئيسية إلى استخدام تعبيرات من قبيل «تاريخي» و«مليوني» و«غير مسبوق» لوصف حدث وقع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وهي تعبيرات كان استخدامها في السابق يقتصر في الغالب على تغطية التطورات في الدول الحليفة للغرب.
وقد كشف هذا التغير في الرواية، بصورة أوضح من أي وقت مضى، الفجوة بين «إيران التي تصنعها وسائل الإعلام الغربية» و«إيران الموجودة في الواقع». فقد تحولت مراسم التشييع عمليًا إلى «وسيلة إعلام مباشرة بلا وسائط»، نقلت إلى العالم، من دون مرشحات، صورة عن جمهورية إسلامية إيرانية شعبية، موحدة، وصاحبة إرادة؛ وهي صورة لم يكن في مقدور أي تقرير مكتوب أو تحليل إعلامي إنكارها أو تحريفها.
وفي نهاية المطاف، فإن الدرس الاستراتيجي الذي يبقى من هذا الحدث للمستقبل هو إدراك حقيقة أن نقطة قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل في «الصمود الاجتماعي» و«القدرة على تحويل الأزمات إلى فرص لصناعة الإجماع».
وقد أظهر تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) أن المجتمع الإيراني تجاوز المرحلة التي كان فيها الحضور الجسدي للقادة هو الضامن للتماسك الوطني، ووصل إلى مرحلة بات فيها الخطاب والمبادئ والذاكرة الجمعية للمقاومة تعمل بنفسها باعتبارها قوة ذاتية ومستدامة.
ولا يوجد لهذا المستوى من الرصيد الرمزي والاجتماعي مثيل في الدول المجاورة، وهو ما يضع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موقع فريد داخل النظام الإقليمي.
وبناءً على ذلك، ينبغي اعتبار مراسم التشييع نقطة نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة جديدة في التاريخ السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية والمنطقة؛ مرحلة تتفوق فيها «الإرادة الجمعية» على «الحسابات المادية»، ويستمر فيها «خطاب المقاومة» باعتباره مبدأ استراتيجيًا، بصرف النظر عن التقلبات الإدارية والتحولات بين الأجيال.
وكانت هذه هي الرسالة التي نقلتها شوارع طهران إلى العالم؛ رسالة لم تُعبّر عنها الكلمات، بل عبّرت عنها الحشود الهائلة، والتنظيم المثالي، والدموع الممتزجة بالعزم، لتجد معناها الحقيقي وتُسجّل في الذاكرة التاريخية للعالم بوصفها أحد أكثر المشاهد السياسية خلودًا في القرن الحاضر.
البحث
الأرشيف التاريخي