تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
حين تصبح العدالة الدولية خصمًا لواشنطن..
الحملة الأميركية على المحكمة الجنائية تكشف ازدواجية المعايير وحصانة القوى الكبرى
ولم يكن رفض واشنطن للمحكمة نابعاً فقط من اعتبارات السيادة الوطنية، بل من رغبتها في إبقاء قراراتها العسكرية والسياسية بمنأى عن أي رقابة دولية. فمن العراق إلى أفغانستان، مروراً بالدعم العسكري والسياسي المستمر للاحتلال، واجهت الولايات المتحدة اتهامات متكررة بالتغاضي عن انتهاكات جسيمة، لكنها في الوقت نفسه استخدمت نفوذها السياسي والدبلوماسي لمنع أي مسار قانوني قد يؤدي إلى مساءلة حلفائها أو مسؤوليها.
ازدواجية المعايير.. السمة الأبرز للسياسة الأميركية
يصعب الحديث عن موقف الولايات المتحدة من المحكمة الجنائية الدولية بمعزل عن تاريخ طويل من ازدواجية المعايير في التعامل مع القانون الدولي. فمنذ عقود، تبنت واشنطن خطاباً يقوم على ضرورة محاسبة الحكومات التي تتهمها بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وفرضت العقوبات على العديد من الدول تحت شعار حماية المدنيين والدفاع عن القانون الدولي، لكنها في المقابل رفضت إخضاع نفسها أو حلفائها للمعايير ذاتها.
ولعلّ أبرز مظاهر هذا التناقض يتمثل في الموقف من الاحتلال، إذ سارعت الإدارة الأميركية إلى رفض مذكرات التوقيف الصادرة بحق مسؤولين صهاينة، ووصفت المحكمة بأنها تفتقر إلى الشرعية، في الوقت الذي رحبت فيه بتحقيقات دولية استهدفت خصوماً سياسيين للولايات المتحدة. ويؤكد هذا التباين أنّ معيار الموقف الأميركي لا يقوم على احترام القانون الدولي بقدر ما يقوم على حماية المصالح الاستراتيجية.
كما أنّ استخدام الولايات المتحدة المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن لإفشال مشاريع قرارات تدين كيان الاحتلال، إلى جانب استمرار الدعم العسكري والسياسي غير المحدود له، عزز القناعة لدى كثير من الدول بأنّ واشنطن تتعامل مع العدالة الدولية باعتبارها أداة سياسية تستخدم ضد الخصوم، بينما تمنح حلفاءها حصانة غير معلنة من المساءلة.
لماذا تخشى واشنطن المحكمة الجنائية الدولية؟
ترفض الولايات المتحدة الانضمام إلى نظام روما الأساسي منذ تأسيس المحكمة عام 2002، بحجة حماية سيادتها الوطنية ومنع أي جهة خارجية من ملاحقة جنودها أو مسؤوليها. إلا أنّ هذا التبرير لا يُفسر وحده حجم التصعيد الذي تتبناه الإدارات الأميركية، خاصةً عندما تفتح المحكمة تحقيقات تتعلق بجرائم يُشتبه في ارتكابها في الحروب التي شاركت فيها القوات الأميركية.
فالحروب في العراق وأفغانستان، وما رافقها من اتهامات بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين، إضافةً إلى فضائح مثل سجن أبو غريب، جعلت المحكمة تُمثل مصدر قلق حقيقي لواشنطن. ولذلك، ترى الإدارة الأميركية أنّ إضعاف المحكمة أو عزلها دبلوماسياً أكثر فاعلية من التعامل مع احتمال خضوع مسؤولين أميركيين لتحقيقات دولية.
ويؤكد كثير من خبراء القانون الدولي أنّ رفض الولايات المتحدة اختصاص المحكمة لا يتعلق بالدفاع عن السيادة كما تدعي، بل يعكس رغبةً في الإبقاء على حرية الحركة العسكرية والسياسية بعيداً عن أيّ رقابة قانونية دولية، وهو ما يُكرس مبدأ استثناء القوى الكبرى من المساءلة، ويُضعف الثقة بمنظومة العدالة الدولية.
غزة.. السبب المباشر للتصعيد الأميركي
لا يمكن فصل الحملة الأميركية الأخيرة عن التطورات المرتبطة بالعدوان الصهيوني على قطاع غزة، ولا سيّما بعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو ومسؤولين صهاينة. فقد اعتبرت واشنطن هذه الخطوة استهدافاً لحليفها الأقرب، وسارعت إلى رفض قرارات المحكمة، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الضغط السياسي والاقتصادي لإضعافها.
ويرى محللون أنّ توقيت التصعيد الأميركي يعكس رغبةً واضحةً في حماية كيان الاحتلال من أي تبعات قانونية قد تقيد تحركات قادتها أو تؤثر في مكانتها الدولية. وبدلاً من مناقشة الأُسس القانونية لقرارات المحكمة، اختارت واشنطن التشكيك بشرعيتها، ووصفتها بأنها تُمثل تهديداً للسيادة الأميركية، في موقفٍ يؤكد، وفق منتقديها، أنّ القانون الدولي يصبح مرفوضاً عندما يقترب من المصالح الأميركية أو الصهيونية.
استراتيجية ترامب.. إضعاف المحكمة لحماية الحلفاء والمصالح
لا تكتفي إدارة دونالد ترامب برفض اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بل تعمل على تقويض دورها عبر أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية متعددة. فقد كشفت تصريحات مسؤولين أميركيين عن دراسة فرض عقوبات جديدة على قضاة المحكمة وموظفيها، وفرض قيود على السفر، إلى جانب ممارسة ضغوط على الدول الحليفة لوقف التعاون معها أو الحد من تنفيذ قراراتها.
وتعكس هذه الإجراءات قناعةً راسخةً لدى الإدارة الأميركية بأنّ المحكمة تُمثل تهديداً لمصالح واشنطن ونفوذها العالمي، خاصةً بعد أن توسعت تحقيقاتها لتشمل ملفات تمس الولايات المتحدة وحلفاءها. لكن هذه السياسة تطرح إشكالية كبيرة، إذ كيف يمكن لدولة تدعو إلى استقلال القضاء واحترام المؤسسات الدولية أن تستخدم نفوذها لمعاقبة قضاة بسبب قرارات قضائية لا تتوافق مع مصالحها السياسية؟
ويذهب كثير من المراقبين إلى أنّ هذه الضغوط لا تستهدف المحكمة بحد ذاتها، بل تسعى إلى توجيه رسالة إلى أي مؤسسة دولية قد تحاول مساءلة الولايات المتحدة أو حلفائها مستقبلاً. فبدلاً من الرد القانوني على قرارات المحكمة، اختارت واشنطن سياسة العقوبات والضغوط، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى احترامها للمبادئ التي تطالب الآخرين بالالتزام بها.
العدالة الدولية بين هيمنة القوة وسيادة القانون
تكشف الأزمة الراهنة أنّ النظام الدولي ما زال محكوماً بمنطق القوة أكثر من خضوعه لمنطق القانون. فالمحكمة الجنائية الدولية أُنشئت لإنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب، إلا أنّ قدرتها على أداء هذا الدور تبقى محدودة عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى أو بحلفائها.
فإذا كانت الدول الضعيفة تجد نفسها مطالبةً بالامتثال لقرارات المحكمة، فإنّ الدول الكبرى تمتلك من النفوذ السياسي والاقتصادي ما يُمكنها من تعطيل تلك القرارات أو الحد من تنفيذها. وهذا الواقع يضعف ثقة الشعوب بالمؤسسات الدولية، ويُعزز الاعتقاد بأنّ العدالة لا تُطبق بالتساوي، بل تخضع لموازين النفوذ والمصالح.
كما أنّ استمرار الولايات المتحدة في الضغط على الدول لعدم التعاون مع المحكمة قد يُشجع دولاً أخرى على انتهاج السلوك ذاته، وهو ما يُهدد مستقبل منظومة العدالة الدولية، ويحول القانون الدولي إلى أداة انتقائية بدلاً من أن يكون مرجعية ملزمة للجميع.
تكشف المواجهة بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية أنّ الحديث الأميركي عن احترام القانون الدولي يفقد كثيراً من مصداقيته عندما يتعلق الأمر بالمصالح الأميركية أو بحلفائها. فبدلاً من دعم مؤسسة أُنشئت لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم، اختارت واشنطن سياسة العقوبات والضغوط والعزل الدبلوماسي، في محاولة لمنع أي مساءلة قد تطالها أو تطال الاحتلال.
ختاماً إنّ هذه السياسة لا تضعف المحكمة الجنائية الدولية فقط، بل تقوض أيضاً الثقة بالنظام الدولي القائم على سيادة القانون، وتُكرس قناعةً متزايدةً بأنّ العدالة الدولية لا تزال خاضعةً لموازين القوة السياسية والعسكرية. وإذا استمر هذا النهج، فإنّ العالم سيواجه نظاماً دولياً تُطبق فيه القوانين على الضعفاء، بينما تبقى القوى الكبرى وحلفاؤها بمنأى عن المساءلة، وهو ما يُشكل تهديداً حقيقياً لفكرة العدالة الدولية التي تأسست المحكمة من أجلها.
