القائد والشباب.. جيل العزّة والنهضة الذاتية
نظرة القائد للشباب كانت مختلفة تماماً عن أي زعيم آخر في العالم. لم يكن یری الشباب مجرد «الجيل القادم» الذي سيرث الثورة تلقائياً، كلا. كان يراهم بعين التقدير والثقة، على أنهم قادة الغد الحقيقيون، وصانعو الحضارة الجديدة. هذه النظرة لم تكن مجرد فكرة جميلة عابرة، بل كانت أساس فلسفته القيادية ونبض فكره الاستراتيجي.
بينما ينظر الكثير من القادة في العالم إلى الشباب على أنهم «وقود للتغيير» أو «حشود ينبغي توجيهها»، كان هو ينظر إليهم على أنهم قلب كل شيء، وصمام الأمان الحقيقي للمستقبل.
أي إنسان قرأ خطاباته على مدى أكثر من ثلاثين سنة، سيشعر بوضوح أن أكبر همه لم يكن فقط كيف يدير شؤون البلاد اليوم، بل كان يسأل نفسه دائماً: مَن سيحمل الراية من بعدي؟ وكان يجد الإجابة في قلبه وعقله معاً: هم الشباب. هذه الثقة العميقة هي ما جعل تجربته فريدة في تاريخ الحركات المعاصرة. لأنه لم ينجح فقط في صنع ثورة، بل نجح في بناء جيل قادر على حمل مشعلها وتطويرها والعيش بها.
من المشاعر إلى العمل الجاد
القائد لم يكن يريد من الشباب أن يتحمسوا فقط، أو أن يصفقوا ويبكوا في المناسبات. كان يريد هذا الحماس أن يتحول إلى عمل حقيقي، إلى علم نافع، إلى إنتاج ملموس. كان واقعياً جداً لدرجة أنه لم يكتفِ أبداً بالخطابات الحماسية وحدها. كان يعرف أن الثورة تحتاج إلى عقول متقدة قبل أن تحتاج إلى قلوب محبة.
كان يردد دائماً عبارة «نحن بحاجة إلى شباب يجمع بين الإيمان والتخصص». وبهذه الكلمات البسيطة العميقة، تحول العقل الشاب من مجرد متلق للأوامر إلى مبتكر ورائد في أصعب المجالات التي عرفتها البشرية. رأينا جميعاً كيف استطاع شباب إيران، بتوجيهاته غير المباشرة وبإيمانهم بقضيتهم، أن يحققوا إنجازات مبهرة في:
- تقنيات النانو، حيث أصبحت إيران بين الدول المتقدمة عالمياً.
- التكنولوجيا الحيوية، فصنعوا الأدوية واللقاحات بأيديهم.
- الطاقة النووية السلمية، رغم كل الحصار والضغوط التي حاولت كسر إرادتهم.
هذه الإنجازات لم تأتِ صدفة. جاءت لأنه كان يؤمن إيماناً عميقاً أن «التخصص» هو الدرع الحقيقي في معركة الحضارات. كان يرى بعين البصيرة أن الغرب لا يخاف من الشعارات التي تُرفع في الميادين، بل يخاف حقاً من شاب فاهم، متخصص، قادر على ابتكار بدائل استراتيجية.
الثقة في أصعب الأوقات
لم يتردد القائد أبداً في الرهان على الشباب في أحلك الظروف وأصعب اللحظات. عندما كانت العقوبات تكاد تخنق البلاد، راهن عليهم. وعندما احتاجت البلاد إلى تطوير منظوماتها الصاروخية الباليستية لترعب أعداءها، راهن عليهم ثانية.
تأمّل معي هذا المشهد: في الملف النووي، كان المفاوضون والعلماء من الشباب. وفي مجال الدفاع، كان المبتكرون الذين صنعوا المسيرات والصواريخ الحديثة من خريجي الجامعات الإيرانية، أعمارهم لم تتجاوز الثلاثين بعد.
لم تكن هذه الثقة مجرد شعارات ترفع في المؤتمرات والمناسبات. كانت استراتيجية حقيقية تعمل على الأرض. وقد أثبتت للعالم كله أنّ الحصار لا ينتج جيلاً مستسلماً ينتظر المساعدات من هنا وهناك.
كلا. الحصار ينتج جيلاً صلداً، عنيداً، لا يعرف كلمة مستحيل. القائد الشهيد علّم أعداءه درساً قاسياً: عندما تحاصرون شعباً وتقطعون عنه الطعام والدواء، فإنكم لا تكسرونه، بل تمنحونه سبباً إضافياً ليكون أقوى وأكثر إبداعاً مما تتصورون.
معركة الهُويّة الصامتة
كان القائد يرى شيئاً غائباً عن كثير من القادة. كان يعرف أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في القواعد العسكرية الأجنبية أو السفن الحربية التي تلوح في البحار. الخطر الأكبر كان في المسح البطيء للهُويّة، في الغزو الثقافي الذي لا نشعر به أحياناً. كيف تغير العقول الشابة وتنحت دون أن تشعر، عبر آلاف القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي؟
لذلك، أولى اهتماماً استثنائياً لما أسماه «الحرب الناعمة». كان يريد لكل شاب أن يكون له درع حصين، هو هُويّته الإيرانية الإسلامية، تقف في وجه أمواج التغريب والتفكك الأخلاقي التي يحاول الاستكبار العالمي أن ينشرها في مجتمعاتنا.
كيف كان يفعل ذلك؟ كان يعمل بهدوء وعزم على:
- تقوية اللغة الفارسية، ليس كتراث عتيق نفتخر به في المتاحف، بل كلغة حية للعلم والحياة.
- إحياء المناسبات الدينية؛ ولكن بطريقة جذّابة تقرب الشباب لا تنفرهم.
- ربط الشباب بقضايا الأمّة الكبرى، فلسطين واليمن وسوريا، حتى لا تنحبس قلوبهم في دوائر صغيرة أنانية.
كان يدرك بحسّه العالي أن معركة الهُويّة هي المعركة الأخيرة. مَن يفقد هُويّته يفقد كل شيء، حتى لو كان يمتلك أقوى سلاح في العالم. ولذلك لم يكن غريباً أن تكون أقوى خطاباته وأكثرها تفصيلاً هي تلك التي تتحدّث عن «الغزو الثقافي» وعن «الناتو الثقافي» الذي يحاول تشكيل وعي الأمّة.
خلاصة القول، أن القائد الشهيد لم يكن مجرد مرشد روحاني يلقي المواعظ وينتهي الأمر. كان مهندساً حقيقياً، باني عقول، صانع رجال. قلب المفهوم التقليدي الذي كان ينظر إلى الشباب على أنهم «طاقة خام تحتاج إلى توجيه» رأساً على عقب. كان الشباب في عينه قوة سيادية، ومحركاً حقيقياً للحضارة، وعموداً فقرياً للأمّة.
رحل القائد الشهيد عن دنيانا بعد أن أنجز أكثر مما كان يخطط له. ترك خلفه جيلاً واعياً، متعلماً، مؤمناً بقضيته، قادراً على إدارة بلد معقد في أشد منطقة في العالم اضطراباً وحروباً. هذا هو الإرث الحقيقي. إرث لا يوزن بالمال ولا بالجوائز ولا بالمناصب.
رحم الله القائد الشهيد رحمة واسعة، وجزاه عن شباب أمّته وعن جيل العزة خير ما يجزي به قائداً صادقاً أميناً.
