الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • بمناسبة وداع وتشييع الإمام الشهيد المجاهد
العدد ثمانية آلاف وأربعة وتسعون - ٠٦ يوليو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وأربعة وتسعون - ٠٦ يوليو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

«أليس لديكم السيّد الخامنئي؟»

من وصية الإمام الخميني(رض) إلى استشهاد الإمام الخامنئي(رض) واستمرار الأمانة

د. أكرم شمص


في تاريخ الأمم لحظات تتجاوز حدود السياسة لتتحول إلى مفاصل مصيرية تحدد مستقبل أجيال كاملة. ومن بين تلك اللحظات، تبقى الساعات التي أعقبت رحيل الإمام روح الله الموسوي الخميني في الرابع من حزيران عام 1989 واحدةً من أكثر اللحظات حساسيةً في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
في ذلك اليوم، لم تكن إيران تودّع قائد دولة أو مرجعًا دينيًا فحسب، بل كانت تودّع الرجل الذي أعاد للإسلام حضوره السياسي بعد قرون طويلة من الغياب، وقاد ثورة غيّرت وجه المنطقة والعالم. خرجت الملايين إلى الشوارع تبكي، فيما كانت عيون الأصدقاء والخصوم تتجه نحو طهران مترقبة ما سيحدث بعد غياب الإمام المؤسس.
كان السؤال الذي يتردد في كل مكان: مَن يحمل الأمانة بعد الإمام الخميني؟
ومَن يستطيع أن يحفظ الثورة التي وُلدت وسط الحصار والمؤامرات والحروب؟
«أليس لديكم السيّد الخامنئي؟»
لكن الإمام روح الله الموسوي الخميني كان قد أجاب عن هذا السؤال قبل رحيله بسنوات. فحين عبّر بعض المقربين عن خشيتهم من الفراغ القيادي بعده، أجاب بهدوء الواثق: “أليس لديكم السيد الخامنئي؟”.
لم تكن تلك الكلمات مجرد شهادة عابرة، بل كانت رؤية قائد يعرف رجاله جيدًا. فقد عايش الإمام الخميني السيد علي الخامنئي في سنوات الجهاد والسجون والثورة والحرب، ورأى فيه العالم المجاهد والقائد الذي يحمل من العلم والبصيرة والشجاعة ما يؤهله لحمل المسؤولية في أصعب المراحل.
كانت تلك العبارة، في ظاهرها، جوابًا مختصرًا على سؤال عابر؛ لكنها في حقيقتها كانت تلخيصًا لعقود من المعرفة والثقة والتجربة. لقد رأى الإمام في تلميذه ورفيق دربه ما لم يكن يراه كثيرون، وأدرك أن الثورة التي أنجبت رجالًا من طراز الإمام الخميني المقدّس قادرة على أن تنجب مَن يحفظ أمانتها ويواصل مسيرتها.
حين انحنى التلميذ أمام الغياب
في ذلك اليوم، لم يكن السيد علي الخامنئي يُفكر بالقيادة. كان يُفكر بالإمام. وكان لا يزال يعيش صدمة الرحيل. فالرجل الذي رافقه ثلاثين عامًا. الرجل الذي تعلّم منه معنى الثورة والصبر والجهاد. الرجل الذي كان يعود إليه كلما ضاقت السبل.. لقد رحل وبدا العالم فجأة أكثر فراغًا.
جلس في مجلس خبراء القيادة وقلبه مثقل بالحزن أكثر من أي وقت مضى. كان يسمع النقاشات تدور حول مستقبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ لكن ذهنه كان يعود مرارًا إلى صورة الإمام وهو على فراش المرض، إلى صوته، إلى نظرته، إلى كلماته الأخيرة. ثم فجأة بدأ الحاضرون يذكرون اسمه.
مرة. ثم مرة أخرى. ثم أكثر. وكان يرفض ويهز رأسه، وكأنهم يطلبون منه حمل جبل فوق كتفيه. قال لهم إن غيره أولى، وإن هذه المسؤولية أكبر منه، وإنه لا يرى نفسه في هذا الموقع؛ لكن الأسماء استمرت، والأنظار بقيت تتجه نحوه.
وفي لحظة من اللحظات، عاد إلى ذاكرته ذلك السؤال القديم، حين سأل بعض المقربين الإمام الخميني عن مستقبل الثورة بعده، فأجاب: “أليس لديكم السيد الخامنئي؟”.
تجمّدت الكلمات داخله. وكأن الإمام عاد للحظة من الغياب. وكأن اليد التي كانت تقوده طوال تلك السنوات وضعت الأمانة فوق كتفيه ثم رحلت.
وحين انتهى التصويت، لم يشعر أنه انتصر، بل شعر أن حياته كلها دخلت مرحلة جديدة من المسؤولية.
حمل الأمانة الثقيلة
لم يكن السيد الخامنئي يشعر يوم انتخابه قائدًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية أنه حقق انتصارًا شخصيًا. على العكس تمامًا، كان يشعر أن حياته السابقة كلها انتهت في تلك اللحظة. فالإنسان يستطيع أن يختار كثيرًا من الأمور في حياته؛ لكن هناك مسؤوليات كبرى تختار أصحابها بنفسها.
وكان يدرك أنه لم يعد مسؤولًا عن نفسه فقط، ولا عن مؤسسة، ولا عن حكومة، بل عن ثورة كاملة دخلت مرحلة جديدة من عمرها.
ومع مرور الوقت بدأت ملامح شخصيته القيادية تتشكل بوضوح. لم يكن رجل اندفاع أو قرارات متسرعة، بل رجل نفس طويل، يراقب ويقرأ ويصبر، ثم يتحرك حين يعتقد أن اللحظة المناسبة قد حانت.
وكان يرى أن الثورة إذا أرادت البقاء، فعليها أن تتحول من حدث تاريخي إلى مشروع حضاري، ومن انتصار سياسي وعسكري إلى عملية بناء طويلة المدى للإنسان والدولة والمجتمع.
ثلاثة عقود من المواجهة والثبات
حمل السيد الخامنئي مسؤولية قيادة الجمهورية الإسلامية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ المنطقة. حصار اقتصادي وعقوبات دولية وحروب أمنية واستخباراتية واغتيالات طالت كبار القادة والعلماء، ومشاريع أميركية - صهيونية هدفت إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو إخضاعها؛ لكن ما حدث كان العكس تمامًا. فقد استطاعت الجمهورية الإسلامية أن تحافظ على استقلال قرارها السياسي، وأن تطور قدراتها العلمية والعسكرية، وأن تتحول إلى لاعب أساسي في معادلات المنطقة، وأن تبني شبكة واسعة من الحلفاء والقوى التي أعادت رسم موازين القوى في منطقة غرب آسيا.
ولم يكن ذلك نتاج قوة مادية فحسب، بل نتيجة التمسك بالخط الذي رسمه الإمام الخميني المقدّس: الاستقلال، ورفض الهيمنة، والثقة بالشعوب، والاعتماد على القدرات الذاتية، ونصرة المستضعفين.
لقد دفع السيد الخامنئي ثمن هذا النهج منذ شبابه. اعتُقل وعُذّب في سجون الشاه، وتعرّض لمحاولة اغتيال كادت تودي بحياته، وعاش سنوات الحرب العراقية - الإيرانية بكل ما حملته من دماء وآلام، ثم حمل أعباء القيادة في أخطر المراحل التي مرّت بها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ولعل أكبر دليل على عمق شهادة الإمام الخميني لتلميذه أن العقود اللاحقة لم تثبت فقط صحة الاختيار، بل كشفت قدرة السيد الخامنئي على حماية الثورة وتطويرها وتحويل التحديات إلى عناصر قوة. لقد أثبتت التجربة أن الإمام لم يكن يختار خليفةً لمرحلة عابرة، بل كان يشير إلى رجل سيقود الجمهورية الإسلامية في واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا وحساسية.
نهاية تليق بالبداية
حين شنّ التحالف الأميركي - الصهيوني حربه الكبرى الأخيرة، لم يغادر السيد الخامنئي موقعه، ولم يبحث عن نجاة شخصية، ولم يتخلّ عن نهجه رغم اتساع دائرة النار، وبقي حيث اعتاد أن يكون طوال حياته في قلب المواجهة. وهناك، في خضمّ تلك الحرب، ارتقى شهيدًا بعد عقود طويلة من الجهاد والقيادة والصبر.
وكانت شهادته تتويجًا لمسيرة بدأت في أزقة مشهد الفقيرة، ومرّت بالسجون والثورة والحرب والدولة، وانتهت كما كان يتمنى دائمًا: على طريق القضية التي آمن بها ودافع عنها طوال حياته.
لقد عاش حاملًا للأمانة، ورحل شهيدًا من أجلها.
الأمانة تنتقل والرسالة تستمر
لكن المشهد لم ينتهِ عند استشهاده.
فكما لم تتوقف الثورة برحيل الإمام الخميني، لم تتوقف باستشهاد الإمام الخامنئي.
لقد انتقلت الأمانة مرة أخرى.
وانتقل اللواء إلى القائد السيد مجتبى الخامنئي، ليؤكد أن الجمهورية الإسلامية لم تكن يومًا مشروع فرد مهما عظم شأنه، بل مشروع مدرسة متكاملة قادرة على إنتاج الاستمرارية وتجديد القيادة في أصعب الظروف.
وهنا تتجلى عظمة تلك العبارة التي قالها الإمام الخميني قبل عقود: “أليس لديكم السيد الخامنئي؟”.
فلم تكن إجابة عن سؤال آني، بل إعلانًا عن فلسفة كاملة في بناء الدولة والثورة والقيادة.
خاتمة: حين تسبق الفكرة الرجال
رحل الإمام الخميني، فحمل الخامنئي الأمانة.
واستشهد الخامنئي، فحملها من بعده جيل جديد.
ورحل الرجال؛ لكن النهج بقي.
وسقطت الأجساد؛ لكن الفكرة واصلت سيرها.
وهكذا، لم تكن الثورة الإسلامية يومًا قصة قائد واحد، بل قصة أمانة تنتقل من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل. فالقادة الكبار يرحلون، أمّا المشاريع الكبرى فتبقى حية ما دام هناك مَن يحمل رسالتها. ولهذا بقيت كلمات الإمام الخميني تتردد عبر العقود، لا بوصفها شهادة لرجل فحسب، بل بوصفها تعبيرًا عن قدرة الثورة على إنتاج الاستمرارية: “أليس لديكم السيد الخامنئي؟”.
لقد كانت تلك الكلمات وصية للمستقبل أكثر منها وصفًا للحاضر، وإعلانًا بأن الرجال قد يرحلون؛ لكن الرسالة التي يحملونها قادرة على أن تعبر الزمن، وأن تستمر ما دام هناك مَن يؤمن بها ويضحي من أجلها.

البحث
الأرشيف التاريخي