تراث ديني يتحول إلى جسر للتفاهم الثقافي العالمي

محرم الحرام.. طقوس دينية تتحول إلى وجهة للسياحة المعنوية العالمية

/ يُعدّ شهر محرم الحرام ومراسم إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين(ع) أحد أبرز المظاهر الدينية والثقافية في إيران، حيث تتجسد فيه قيم راسخة تمثل جزءاً أساسياً من الهوية الروحية للشعب الإيراني. ولا تقتصر هذه المناسبة على بعدها الديني فحسب، بل تمتد لتشكل رمزاً حضارياً وثقافياً حياً يعكس منظومة من القيم الإنسانية مثل الحرية، والعدالة، والتضحية، والكرامة.
وتتحول هذه الطقوس العاشورائية، مع مرور الوقت، إلى تجربة إنسانية عابرة للحدود، تستقطب اهتماماً واسعاً من مختلف الشعوب والثقافات حول العالم، بما يجعلها واحدة من أبرز التجارب الدينية والثقافية في الفضاء الإسلامي.
إيران وجهة للسياحة الدينية 
وفي هذا السياق، أكد المساعد السياحي لوزير التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية في إيران، أن إيران تستقبل سنوياً خلال يومي تاسوعاء وعاشوراء أعداداً متزايدة من الزوار من خارج البلاد، ضمن ما يُعرف بالسياحة الدينية أو سياحة الزيارة. وتشمل هذه الوفود سياحاً دينيين، وباحثين أكاديميين، وصنّاع أفلام وثائقية، إضافة إلى مهتمين بالثقافة الإسلامية من مختلف الدول، حيث يأتون لمعايشة هذه الطقوس عن قرب، والاطلاع على تنوعها الثقافي والاجتماعي في مختلف المدن الإيرانية. وأشار أنوشيروان محسني بندبي، إلى أن توافد هؤلاء الزوار إلى مدن ومناطق متعددة في إيران يعكس المكانة المتميزة التي تحتلها البلاد في مجال سياحة الزيارة والسياحة الروحية والمعنوية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، حيث تتحول إيران خلال هذه الفترة إلى وجهة رئيسية للتجربة الدينية الحيّة والتفاعل الثقافي المباشر مع أحد أهم الموروثات الدينية في العالم الإسلامي.
محرم كمساحة للتفاعل الثقافي والإنساني
وأشار محسني بندبي إلى أن مراسم العزاء في شهر محرم الحرام لا تقتصر على كونها شعائر دينية تقليدية، بل تمثل فضاءً اجتماعياً وثقافياً واسعاً، تتداخل فيه التقاليد المحلية مع الإرث التاريخي العميق.
وتتحول المدن الإيرانية خلال هذه الفترة إلى ساحات مفتوحة للتفاعل الإنساني، حيث يلتقي الزوار مع السكان المحليين في أجواء تعبّر عن مشترك إنساني قائم على القيم الروحية والوجدانية والمعنوية، ما يمنح التجربة بعداً يتجاوز السياق الديني إلى البعد الثقافي العالمي.
السياحة الروحية كأداة للدبلوماسية الثقافية
وأضاف محسني بندبي أن هذه المراسم تشكل رصيداً ثقافياً وحضارياً يمكن استثماره في تعزيز الدبلوماسية الثقافية الإيرانية، وتطوير العلاقات الدولية، وإبراز الصورة الحقيقية للثقافة الإيرانية في العالم.
ويرى أن الطقوس العاشورائية، بما تحمله من رمزية تاريخية وإنسانية، يمكن أن تلعب دوراً مهماً في بناء جسور التواصل بين الشعوب، من خلال التعريف بالتراث الديني والثقافي لإيران بوصفه جزءاً من التراث الإنساني المشترك.
تعزيز البنية التحتية للسياحة الدينية
وفي إطار التوجهات المستقبلية، شدد محسني بندبي على أهمية تطوير قطاع سياحة الزيارة، لا سيما خلال المناسبات الدينية الكبرى مثل شهر محرم الحرام.
ويتطلب ذلك، بحسب تصريحه، تحسين البنية التحتية المرتبطة بالسياحة الروحية، وتطوير خدمات الاستقبال والإرشاد، إلى جانب تعزيز آليات التعريف بالمراسم العاشورائية على المستوى الدولي، بما يسهم في تقديمها كجزء من التراث الإنساني الحي.
رؤية استراتيجية للسياحة الإيرانية
كما أشار إلى أن هذا التوجه يأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز موقع إيران في سوق السياحة الدينية العالمية، وتوسيع حضورها في هذا القطاع الحيوي، عبر استثمار العمق الثقافي والتاريخي الذي تتمتع به البلاد. ويرى أن هذه السياسة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد لتشمل تعزيز الحضور الثقافي الإيراني على الساحة الدولية، وإبراز ثراء التجربة الروحية التي تقدمها البلاد للزوار والمهتمين.
رسالة إنسانية تتجاوز الحدود
واختتم محسني بندبي بالإشارة إلى أن حلول شهر محرم يمثل مناسبة لتجديد الإشادة بالقيم السامية لنهضة عاشوراء، وما تحمله من رسائل أخلاقية وإنسانية ترتكز على مبادئ العدالة والكرامة والحرية. كما أعرب عن تعازيه للشعب الإيراني والمسلمين وأحرار العالم بهذه المناسبة، متمنياً أن تظل رسالة الإمام الحسين(ع) مصدر إلهام دائم يعزز قيم السلام والتضامن بين الشعوب، ويؤكد على البعد الإنساني المشترك لهذه المناسبة الدينية العريقة.
البحث
الأرشيف التاريخي