من «التجارب على الحيوانات» إلى «كبد على رقاقة»؛

«رويان» تطوّر نموذجاً بشرياً للتليُّف الكبدي

/ أعلن معهد رويان للأبحاث عن تنفيذ مشروع قد يُسهم في جعل تشخيص التليّف الكبدي وعلاجه أكثر دقة، وذلك عبر إنتاج «أنسجة كبدية مجهرية مُحاكية للتليّف» من خلال الزراعة المشتركة لخلايا الكبد الرئيسة والخلايا الداعمة ضمن هيدروجيل مشتق من المصفوفة خارج الخلية الخاصة بالكبد، ثم قياس استجابة هذا النموذج البشري لدواء «بيوغليتازون». ويأتي هذا النهج في إطار محاولةٍ لسدّ الفجوة بين نتائج النماذج الحيوانية ونتائج التجارب السريرية.
وقالت فاطمة مجيدي، باحثة الدكتوراه في معهد رويان، إن فريقها أجرى دراسة لتطوير نموذج بشري خارج الجسم (in vitro) للتليّف الكبدي، يهدف إلى محاكاة ظروف المرض بأقرب صورة ممكنة إلى النسيج البشري الحقيقي، ليكون منصة لاختبار الأدوية المضادة للتليّف.
التليّف الكبدي؛ مسار مُكلف ينتهي بتشمّع وسرطان
وبحسب مجيدي، يلعب الكبد دوراً محورياً في أيض الجسم، وإذا تعرضت خلاياه لفترة طويلة لالتهاب أو أذية مزمنة، يتشكل التليّف الكبدي؛ وهي عملية مرضية يترسّب خلالها بشكل غير طبيعي «المصفوفة خارج الخلية» في الكبد، ما يُخلّ ببنية هذا العضو ووظيفته.
وفي حديثها عن العوامل المُمهِّدة لهذه الحالة، قالت مجيدي: أن العدوى الفيروسية، والاضطرابات الاستقلابية والسمنة، وانسداد القنوات الصفراوية، وبعض الأدوية، وإساءة استخدام الكحول، والسموم، يمكن أن تُفعِّل مسار التليّف. وفي هذا السياق، يُعدّ مرض الكبد الدهني غير الكحولي أكثر أمراض الكبد المزمنة شيوعاً؛ وهي حالة قد تتطور، إذا تقدّمت، إلى تليّف ثم تشمّع، أو حتى سرطان الكبد.
أرقام مقلقة عن الكبد الدهني؛ ولا دواء معتمداً حتى الآن
وتقول هذه الباحثة: إن مرض الكبد الدهني غير الكحولي يصيب ما بين 20 و25 في المائة من سكّان العالم، ويمكن أن يتطور لدى نحو 25 في المائة من المرضى إلى التهاب الكبد الدهني غير الكحولي (NASH)، وهي حالة ترفع خطر الإصابة بتشمّع الكبد وسرطان الكبد. وأضافت: أنه، رغم هذا الانتشار الواسع، لم يُعتمد حتى الآن أي دواء لعلاج مرض الكبد الدهني غير الكحولي أو التليّف الناجم عنه، فيما تبقى زراعة الكبد، في كثير من الحالات المتقدمة، الخيار العلاجي الحاسم الوحيد.
لماذا «لا تنجح» النماذج الحيوانية؟
وترى مجيدي أن إحدى العقد الرئيسة في علاج التليّف ترتبط بـ«نمذجة المرض»؛ فالأدوية التي تبدو واعدة في النماذج الحيوانية غالباً ما تفشل في التجارب السريرية. وتعزو ذلك إلى أن مسار تطوّر التليّف لدى الحيوان لا يشبه بدرجة كافية ما يحدث لدى الإنسان. وأضافت: أن من بين القيود: الفروقات بين الأنواع في الأيض والتغذية، والاختلاف في تنظيم التعبير الجيني المرتبط بالتليّف، فضلاً عن الحاجة إلى محفزات قوية، مثل رباعي كلوريد الكربون (CCl4)، لاستحثاث التليّف سريعاً لدى حيوانات قصيرة العمر.
«النسيج الكبدي المجهري»؛ أقرب إلى جسم الإنسان
وبحسب هذه الباحثة، فإن الحل يتمثل في تطوير نموذج بشري يعيد بناء كلٍّ من الخلايا الفاعلة والبيئة المحيطة بها. وفي هذا المشروع، ركّز الفريق البحثي على إنتاج أنسجة كبدية مجهرية باستخدام الزراعة المشتركة لخلايا الكبد المتنية وغير المتنية داخل هيدروجيل مشتق من المصفوفة خارج الخلية للكبد؛ وهي بيئة محاكية حيوياً يمكن أن تجعل سلوك الخلايا أقرب إلى الظروف الطبيعية.
من تطوير نموذج المرض إلى اختبار الدواء
وشرحت مجيدي مسار المشروع بالقول: في المرحلة الأولى، يجري تطوير نسيج كبدي مجهري محاكٍ حيوياً؛ ثم تُعرَّض هذه الأنسجة للأحماض الدهنية الحرة لإحداث حالة تحاكي التليّف الناجم عن مرض الكبد الدهني غير الكحولي. وفي الخطوة النهائية، سيُستخدم دواء «بيوغليتازون» بوصفه علاجاً مقترحاً لقياس «الاستجابة الدوائية» لهذا النموذج، وتقييم قدرته على الوقاية من التليّف وعلاجه.
ويهدف هذا المشروع إلى نقل «كبد شبيه بالإنسان» إلى المختبر؛ وهو نموذج، إذا نجح، قد يوجّه مسار تطوير الأدوية المضادة للتليّف بعيداً عن التجربة والخطأ المُكلفين، نحو علاجات أكثر دقة وموثوقية.
البحث
الأرشيف التاريخي