تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
كواليس غرفة العمليات.. كيف تلاعب نتنياهو بقرارات ترامب؟
وذكرت الصحيفة في تقريرها: ربما يعيش ترامب الآن حالة من الندم الشديد بسبب الحرب على إيران. فأسعار الوقود في الولايات المتحدة تقترب من أعلى مستوياتها التاريخية، ومعدلات تأييده وشعبيته هبطت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، في حين لا تزال ناقلات النفط محتجزة ومحاصرة في مضيق هرمز، مما يضع الاقتصاد العالمي على شفا ركود حاد. وترامب بطبعه ليس بالشخص الذي يملك الشجاعة للاعتراف بأخطائه أو تحمل مسؤوليتها؛ فنسخته المعدلة من الشعار الشهير للرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان، والذي كان يضعه على مكتبه البيضاوي، قائلاً: «المسؤولية تنتهي هنا»، تحولت في قاموس ترامب إلى ما يشبه: «المسؤولية تقع على عاتق الآخرين، والجميع مذنبون باستثنائي أنا». ومع ذلك، فإن ترامب يملك هذه المرة سبباً وجيهاً ليوجه جام غضبه نحو الشخص الذي جره إلى مستنقع هذه الحرب: رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو. وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نشرت الشهر الماضي تفاصيل الاجتماع المصيري الذي قبل فيه ترامب أطروحة نتنياهو ومبرراته لقصف إيران، حيث عُقد ذلك الاجتماع خلف مغاليق غرفة العمليات بالبيت الأبيض بحضور كلا الرجلين وكبار مستشاريهم.
وبحسب التقرير، فإن «نتنياهو قدّم عرضه بنبرة هادئة ورتيبة؛ لكنها كانت مفعمة بالثقة المطلقة». حيث زعم لترامب أن «برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية يمكن تدميره بالكامل غضون أسابيع قليلة، وأن الحكومة الإيرانية ستضعف إلى حدٍّ يعجزها عن إغلاق مضيق هرمز الحيوي، فضلاً عن افتقارها للقدرة على توجيه ضربات جادة لمصالح أمريكا وحلفائها في المنطقة». كما ادّعى نتنياهو أن الهجوم العسكري سيمهد الطريق لجماعات المعارضة للإطاحة بالنظام، ويبدو أن هذا الادعاء تحديداً هو ما أغوى ترامب وأقنعه بالخطوة. في المقابل، قدّم روبرت غيتس -أحد أبرز وجوه المؤسسة الدفاعية الأمريكية والذي شغل منصب وزير الدفاع في عهد إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة- تقييماً لاذعاً ومحجماً لأطروحات نتنياهو. وصرح لشبكة «سي بي إس»، قائلاً: إن «نتنياهو قال له في يوليو 2009 الكلمات والمزاعم نفسها بالضبط التي عاد وكررها على مسامع ترامب في غرفة العمليات في فبراير 2026».
وأوضح غيتس أنه خلال ذلك «الحديث الصريح والمكشوف حول إيران، حذر نتنياهو من خطورة الاستهانة بمدى قدرة النظام الإيراني على الصمود والتحمل». وأشار إلى أن نتنياهو كان يروج في عام 2009 للادعاء ذاته بأن «الحكومة الإيرانية متزلزلة وستنهار مع أول ضربة عسكرية ولن تجد فرصة للقيام بأي رد فعل»، مؤكداً أنه أجاب نتنياهو آنذاك بعبارة صريحة: «إنك مخطئ تماماً».
يواصل نتنياهو منذ عقود، وبشكل يثير السخرية، إطلاق تحذيرات مستمرة تدعي أن إيران باتت على بعد أسابيع أو أشهر قليلة من صناعة القنبلة النووية. وإذا ما استعرضنا شريط هذه الادعاءات تاريخياً، سنجد المشهد كالتالي:
- 1992: «إننا نتصور أن إيران ستصل إلى الاكتفاء الذاتي في تطوير وبناء القنبلة النووية خلال ثلاث إلى خمس سنوات» (خطاب أمام الكنيست).
- 1995: «إيران تفصلها ثلاث إلى خمس سنوات كحدّ أقصى عن السلاح النووي (في كتابه «محاربة الإرهاب»).
-1996: «إنّ الوقت المتبقي لتبلغ إيران هذا الهدف بات قصيراً للغاية» (خطاب أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأمريكي).
- 2002: «إيران تسعى «بتسارع» للحصول على القنبلة» (أمام إحدى لجان الكونغرس الأمريكي).
- 2009: «إيران تملك الآن القدرة على بناء قنبلة واحدة» ويمكنها «بناء عدة قنابل خلال عام أو عامين».
- 2010: «لا تريدون رؤية طائفة تؤمن بنهاية العالم وهي تسيطر على قنبلة ذرية، وهذا هو الشيء الذي يحدث في إيران فعلياً» (مقابلة مع مجلة ذا أتلانتيك).
- 2012: «إيران على بُعد «أشهر قليلة» من القدرة النووية».
- 2012: «إيران ستصل قريباً -خلال أشهر أو ربما أسابيع- إلى تخصيب كميات كافية من اليورانيوم لإنتاج قنبلتها الأولى» (خطابه الشهير برسم «القنبلة الكرتونية» في الجمعية العامة للأمم المتحدة).
- 2015: «إذا تمّ تنفيذ الاتفاق النووي لإدارة باراك أوباما، فإن إيران ستكون على بُعد «أسابيع فقط» من امتلاك يورانيوم مخصب يكفي لترسانة نووية كاملة» (وبطبيعة الحال نُفذ الاتفاق ولم يحدث ذلك).
- 2025: «إيران قادرة على صنع سلاح نووي (خلال أشهر أو حتى أسابيع قليلة).
وكان نتنياهو قد نجح قبل نحو عام، وتحديداً في يونيو 2025، في إقناع ترامب لأول مرة بضرورة قصف إيران، حيث خاطبه قائلاً: «انظر يا دونالد، يجب مواجهة هذا الأمر، لأنهم يتحركون بسرعة. لا يمكنك السماح بنشوء إيران نووية خلال فترة رئاستك». فهل كان نتنياهو ينقل في توقعاته الواثقة هذه مجرد تقديرات للأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية؟ الواقع ينفي ذلك تماماً.
فقد صرح مئير داغان، رئيس الموساد آنذاك، في آخر يوم عمل له عام 2011 أمام لجنة في الكنيست، بأن «إيران لن تتمكن من حيازة القدرة النووية قبل عام 2015». وبحسب تقييم استخباري مسرب يعود لعام 2012، فإن «الموساد كان يعتقد أن إيران لا تقوم بالأنشطة الفعالة اللازمة لإنتاج سلاح نووي»، وهذا كله جرى في الوقت الذي كان فيه نتنياهو يملأ الدنيا ضجيجاً بأن إيران على بُعد أشهر من القنبلة!
ولم يكن ترامب مضطراً لتصديق تخرصات نتنياهو؛ إذ إن تقارير الأجهزة الاستخبارية الأمريكية نفسها كانت تتناقض كلياً مع ادعاءات رئيس وزراء الكيان الصهيوني. فقبل عمليات القصف التي جرت العام الماضي، أكدت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، أمام لجنة في مجلس الشيوخ: أن «تقييم مجتمع الاستخبارات لا يزال يشير إلى أن إيران لا تسعى لبناء سلاح نووي، وأن قائد الثورة الاسلامية، لم يقم بإعادة تفعيل برنامج الأسلحة النووية المتوقف منذ عام 2003». بيد أن ردّ ترامب في ذلك الوقت جاء مستهجناً، حيث قال: «لا يهمّني ما تقوله غابارد، أنا أظن أنهم قريبون جداً من صنع القنبلة». وحتى في مارس من هذا العام، عندما رفعت غابارد تقريراً يؤكد أن إيران لم تستأنف برنامج التخصيب العسكري عقب قصف العام الماضي، اكتفى ترامب بالقول: «إنها مخطئة». ولا يزال بقاء غابارد في منصبها حتى الآن لغزاً محيراً للكثيرين!
ووفقاً للروايات المسربة من اجتماع غرفة العمليات الحاسم، كان هناك شبكة من الصقور المحيطة بترامب تدفع بقوة نحو ضرب إيران؛ وكان بيت هيغسيث، الذي يباهي بلقب «وزير الحرب»، الأكثر حماسة ونهمًا للهجوم، ونُقل عنه قوله لاحقاً: «في نهاية المطاف سيتعين علينا تصفية الحساب مع الإيرانيين يوماً ما، فمن الأفضل أن نفعل ذلك الآن». وانضم إلى جوقة المشجعين على إشراك أمريكا في الهجوم الصهيوني كل من ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب وشريكه في رياضة الغولف، إلى جانب جاريد كوشنر صهر ترامب.
وفي المقابل، وصف جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، أطروحات ومزاعم نتنياهو بـ»المضحكة»، بينما اعتبرها ماركو روبيو، وزير الخارجية والمستشار المؤقت للأمن القومي لادارة ترامب، مجرد «ترهات وهراء».
بناءً على ذلك، كان لدى ترامب أسباب وفيرة وكافية لتجنب الهجوم على إيران. ونقل تاكر كارلسون، المذيع السابق والمطرود من قناة «فاکس نيوز»، والذي ظلّ ضيفاً دائماً على البيت الأبيض رغم انتقاده للحرب، في «بودكاست» تابع لصحيفة «نيويورك تايمز» قوله: إنه عشية العمليات المسماة «الغضب الملحمي»: «لم يكن ترامب يبدو متحمسًا على الإطلاق، ولم يبذل أي جهد ليقول إن خطوتنا هذه ستجلب لأمريكا السلام أو الأمن أو مزيداً من الرفاهية. مثل هذا الكلام لم يكن له وجود مطلقاً». وخلص كارلسون إلى نتيجة مفادها أن «نتنياهو يملك نفوذاً وغطاءً غريباً على ترامب». وفي إحدى لقاءاته مع كارلسون، قال له ترامب: «كل شيء سيكون على ما يرام»، وعندما سأله كارلسون: «وكيف تعرف ذلك؟»، أجاب ترامب: «لأن الأمور تسير هكذا دائماً».
يتحرك ترامب في قراراته بدافع الارتجال ودون أدنى تخطيط، وهو أسلوب وسم قراراته الشخصية والرئاسية على حدٍّ سواء. ويؤكد كارلسون أنه حذر ترامب من أن الحرب مع إيران كفيلة بتدمير رئاسته بالكامل، وأن مسؤوليتها ستقع على عاتقه وحده. ورغم أن ترامب صرح عشية الانتخابات الرئاسية لعام 2024 بأن خصومه يتهمونه بالسعي وراء الحروب، واعداً بقوله: «أنا لا أبدأ الحروب، بل أنهيها»، إلّا أن الواقع أثبت عكس ذلك.
وكما وثّق «بيتر بيرغن» في كتابه «ترامب وجنرالاته»، فإن ترامب طالما طالب بوضع «خيارات عسكرية» لضرب إيران خلال ولايته الأولى، ووصل إلى حافة التنفيذ عدة مرات. وفي غضون أقل من ثمانية عشر شهراً من ولايته الثانية، لم يقتصر الأمر على قصف إيران، بل تعداه ليمطر اليمن، والصومال، ونيجيريا، وفنزويلا بالقنابل، ناهيك عن تهديداته بغزو كوبا، وباناما، وغرينلاند، وحتى كندا.
وإذا كان نتنياهو قد نجح في التلاعب بعقله وتمرير خدعته، فالإجابة الحقيقية هي أن نتنياهو لم يفعل سوى تقديم الوقود لإشعال النزعات الدفينة وعطش الحرب لدى ترامب.
وبغض النظر عن أي ندم قد يشعر به ترامب الآن، فإن هذه الحرب ستبقى حربه هو، ومسؤوليتها تقع على عاتقه وحده.
