من «الحلم الأميركي» إلى طوابير الجوع..

سياسات ترامب تدفع أميركا نحو أزمة غذائية غير مسبوقة

/ على مدى عقود طويلة، قدمت الولايات المتحدة نفسها للعالم بوصفها أرض الفرص والرخاء الاقتصادي، والدولة التي تمتلك أكبر اقتصاد عالمي وأكثره قدرة على توفير مستويات معيشية مرتفعة لمواطنيها. إلا أنّ الواقع الذي تكشفه الأرقام والدراسات الحديثة يرسم صورة مختلفة تماماً؛ صورة لمجتمع يواجه أزمات اجتماعية واقتصادية متفاقمة، تتجلى بشكلٍ واضح في ارتفاع معدلات الجوع وانعدام الأمن الغذائي إلى مستويات تجاوزت تلك التي سُجلت خلال ذروة جائحة كوفيد-19.
وتكشف دراسة حديثة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أنّ ملايين الأميركيين باتوا يعانون من صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم الغذائية الأساسية، في وقتٍ تشهد فيه البلاد ارتفاعاً مستمراً في تكاليف المعيشة وتزايداً في معدلات الفقر. وتأتي هذه التطورات في سياق أزمات متشابكة تتداخل فيها تداعيات الحروب، بما في ذلك العدوان على إيران، وما نتج عنه من اضطراب واسع في أسواق الطاقة وارتفاع  في أسعار الوقود، إلى جانب السياسات الاقتصادية التي اتبعتها إدارة دونالد ترامب، والتي يرى محللون أنها عمّقت الفجوة الاجتماعية ودفعت بأعباء إضافية على الأُسر محدودة الدخل، ما جعل الأزمة المعيشية أكثر حدّةً واتساعاً داخل المجتمع الأميركي.
أرقام مقلقة تكشف حجم الأزمة
أظهرت الدراسة أنّ نحو 10% من الأُسر الأميركية تعاني حالياً من نقص الغذاء، مقارنةً بنسبة لم تتجاوز 4% في عام 2020، وهو العام الذي شهد أسوأ التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا. كما بيّنت أنّ ما يقارب 16% من المواطنين يعتمدون على المساعدات الغذائية والتبرعات الخيرية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
والأكثر إثارة للقلق أنّ نحو 20% من الأُسر التي يقل دخلها السنوي عن 50 ألف دولار اضطرت إلى تفويت بعض الوجبات الغذائية أو تقليصها بسبب الأوضاع الاقتصادية، مقارنةً بأقل من 7% فقط في عام 2020. وتشير هذه الأرقام إلى أنّ الأزمة لم تعُد تقتصر على الفئات الأكثر فقراً، بل أصبحت تمتد إلى شرائح واسعة من الطبقة العاملة والطبقة الوسطى التي كانت تُشكل لعقود طويلة العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي الأميركي. وتؤكد هذه المؤشرات أنّ الولايات المتحدة تواجه أزمة معيشية حقيقية تتجاوز التحديات الاقتصادية التقليدية، وتعكس اختلالات عميقة في بُنية الاقتصاد وتوزيع الثروة.
العدوان على إيران.. فاتورة يدفعها المواطن الأميركي
تدّعي الولايات المتحدة أمام الرأي العام الأميريكي أنّ الحروب التي تخوضها تأتي تحت شعارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، إلا أنّ آثارها الاقتصادية تنعكس بشكلٍ مباشر على حياة المواطنين. فقد أدى العدوان على إيران إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي تسبب بارتفاع أسعار النفط والغاز، ومن ثم ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة. وأدى ارتفاع أسعار البنزين إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والشحن، ما انعكس بدوره على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. ومع كل زيادة في أسعار الوقود، كانت الأُسر الأميركية محدودة الدخل تجد نفسها أمام أعباء جديدة تقلص قدرتها على شراء الغذاء وتأمين الاحتياجات الأساسية. وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تنفق مليارات الدولارات على العمليات العسكرية والتجهيزات الأمنية، كان ملايين المواطنين يواجهون صعوبات متزايدة في تأمين الطعام. وهنا تظهر مفارقة صارخة بين أولويات السياسة الخارجية الأميركية واحتياجات المواطنين داخل البلاد، إذ يبدو أنّ الإنفاق العسكري يحظى بأولوية أكبر من معالجة المشكلات الاجتماعية المتفاقمة.
سياسات ترامب.. تعزيز للأثرياء وتهميش للفئات الهشة
لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن السياسات الاقتصادية التي تبنتها إدارة دونالد ترامب. فقد ركزت هذه السياسات بصورة أساسية على تخفيض الضرائب للشركات الكبرى وأصحاب الثروات الكبيرة، تحت شعار تحفيز النمو الاقتصادي والاستثمار.
إلا أنّ نتائج هذه السياسات كانت محل جدل واسع بين الخبراء الاقتصاديين. فبينما حققت الشركات العملاقة والمستثمرون مكاسب مالية كبيرة، لم تنعكس هذه الأرباح بصورة ملموسة على أوضاع ملايين الأميركيين من أصحاب الدخول المحدودة. بل إنّ التفاوت بين الأغنياء والفقراء ازداد بشكلٍ ملحوظ، في حين بقيت الأجور الحقيقية عاجزة عن مواكبة ارتفاع الأسعار.
كما تعرضت إدارة ترامب لانتقادات بسبب توجهها نحو تقليص أو الحد من بعض برامج الدعم الاجتماعي التي تُشكل شبكة أمان للفئات الفقيرة، بما في ذلك برامج المساعدات الغذائية والرعاية الاجتماعية. ويرى منتقدو هذه السياسات أنها زادت من هشاشة الفئات الأكثر ضعفاً، وجعلتها أكثر عرضة لتداعيات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. إلى جانب ذلك، ساهمت السياسات التجارية التي اعتمدتها الإدارة، بما في ذلك فرض رسوم جمركية على عدد من الشركاء التجاريين، في رفع أسعار بعض السلع والمواد الأولية داخل السوق الأميركية، وهو ما أضاف أعباء جديدة على المستهلكين.
أزمة تتجاوز الغذاء إلى العدالة الاجتماعية
تكشف أزمة الجوع الحالية عن مشكلة أعمق تتعلق بالعدالة الاجتماعية داخل الولايات المتحدة. فالدولة التي تنتج ثروات هائلة وتضم أكبر الشركات العالمية تشهد في الوقت نفسه اتساعاً مستمراً للفجوة بين الأغنياء والفقراء.
وتشير العديد من الدراسات إلى أنّ الجزء الأكبر من المكاسب الاقتصادية في العقود الأخيرة ذهب إلى أصحاب رؤوس الأموال وكبار المستثمرين، بينما شهدت الطبقات الوسطى والدنيا تراجعاً في قدرتها على تحسين مستوياتها المعيشية.
وتنعكس هذه الفجوة بصورة واضحة في أزمة الأمن الغذائي، إذ يجد ملايين الأميركيين أنفسهم مضطرين للاختيار بين دفع الإيجار أو شراء الطعام، وبين تغطية النفقات الطبية أو تأمين الغذاء لأطفالهم.
التضخم يلتهم دخول الأُسر الأميركية
أصبح التضخم أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الأميركي. فأسعار الغذاء والطاقة والسكن والخدمات الصحية شهدت ارتفاعات متواصلة في السنوات الأخيرة، بينما لم ترتفع الأجور بالوتيرة نفسها. هذا التفاوت بين الدخل والنفقات أدى إلى تآكل القوة الشرائية للأُسر، ودفع كثيراً منها إلى اللجوء إلى المدخرات أو الاستدانة لتغطية احتياجاتها اليومية. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية، باتت أعداد متزايدة من المواطنين تعتمد على بنوك الطعام والجمعيات الخيرية للحصول على الغذاء. وتكشف هذه الظاهرة أنّ الأزمة لم تعد مرتبطة بفئات هامشية أو محدودة، بل أصبحت تمس قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي، بما في ذلك العاملون بدوام كامل الذين لم تعُد رواتبهم كافية لتأمين حياة مستقرة.
التداعيات الاجتماعية والصحية للجوع
لا يقتصر تأثير الجوع على نقص الغذاء فقط، بل يمتد ليشمل الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. فالأطفال الذين يعيشون في أُسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي يواجهون مخاطر أكبر للإصابة بسوء التغذية وتراجع التحصيل الدراسي وضعف النمو الجسدي والعقلي. أمّا البالغون، فيكونون أكثر عرضة للأمراض المزمنة والاضطرابات النفسية الناتجة عن الضغوط المعيشية المستمرة. كما أنّ تفاقم الفقر والجوع يسهم في زيادة معدلات الجريمة والتشرد والتوترات الاجتماعية. وعلى المدى الطويل، يمكن أن يؤدي استمرار هذه الأوضاع إلى إضعاف التماسك الاجتماعي وتعميق الانقسامات السياسية التي تشهدها الولايات المتحدة بالفعل منذ سنوات.
ختاماً تكشف أزمة الجوع المتفاقمة في الولايات المتحدة عن تحديات بنيوية عميقة تتجاوز الأبعاد الاقتصادية التقليدية، إذ باتت شرائح واسعة من الأميركيين تعاني من صعوبة تأمين احتياجاتها الأساسية رغم النمو الاقتصادي المعلن. ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين مؤشرات الازدهار المالي والواقع المعيشي الذي تواجهه ملايين الأُسر يومياً.
كما ساهمت تداعيات العدوان على إيران وارتفاع أسعار الطاقة والتضخم المستمر في زيادة الضغوط على الأُسر محدودة ومتوسطة الدخل، فيما تعرضت سياسات دونالد ترامب لانتقادات بسبب تركيزها على خفض الضرائب للشركات الكبرى والأثرياء أكثر من تعزيز برامج الحماية الاجتماعية. وتؤكد هذه المعطيات أنّ أزمة الجوع أصبحت مؤشراً واضحاً على عمق الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع الأميركي.
البحث
الأرشيف التاريخي