الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف وواحد وستون - ٢٣ مايو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وواحد وستون - ٢٣ مايو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

مضيق هرمز؛ وضرورة اتخاذ التدابير اللازمة بناء على عقيدة «التغيير الجوهري في الظروف»

كاظم غريب آباد
المساعد القانوني والدولي
لوزارة الخارجية


إنّ التزام الدولة الساحلية بتسهيل مرور السفن مشروط بوجود ظروف لا تؤدي إلى الإخلال الجسيم بسلامة الملاحة والنظام العام البحري. وفي ظل الظروف التي تخلق فيها التهديدات العسكرية المستمرة أخطاراً فعلية وتُحدث تحولاً في بيئة العمليات، يصبح اتخاذ التدابير اللازمة بناءً على عقيدة «التغيير الجوهري في الظروف والأحوال» أمراً لا مفرّ منه.
لفترة طويلة، لم تكن الحركة البحرية في مضيق هرمز تتدفق في إطار حق مُطالب به، بل كانت تجري وفق تعامل قائم على المجاملة الدولية (comity) وحسن النية المتبادل. وخلال هذه السنوات، كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بصفتها الدولة الساحلية تسهّل مرور السفن ضمن سياق مستمر وسلمي. ورغم ذلك، لم تعنِ هذه الممارسة القبول بالتزام قانوني ملزم أو التفريط في حق السيادة على الممر المائي. واليوم، ومع التغيير الجوهري في الظروف والأحوال والتحول الأمني والجوهري، لم تعد هذه المجاملة أحادية الجانب قابلة للاستمرار، وأصبح اتخاذ التدابير المبنية على حماية حقوق السيادة للدولة الساحلية ضرورة حتمية.
في الواقع، لطالما اعتُبر مضيق هرمز ممرًا مائيًا حساسًا واستراتيجيًا، وقد أعيد تعريف مكانته هذه المرة في ظل الاعتداءات المتكررة للكيان الصهيوني والولايات المتحدة وبعض دول الجوار. بعض هذه الدول، عبر السماح باستخدام أراضيها من قبل المعتدين، قد شاركت في ارتكاب جريمة العدوان ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو إجراء يعد مصداقًا للعدوان ويقع ضمن تعريف عمل العدوان، كما يشهد على ذلك القرار 3314 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتتحمل هذه الدول تبعات هذه الأعمال التي تنتهك بوضوح ميثاق الأمم المتحدة والقاعدة الآمرة التي تحظر العدوان. ومن خلال هذه الإعتداءات والإجراءات العدائية، تعرض أمن وسلامة المنطقة، ولا سيما مضيق هرمز، لضرر بالغ وطويل الأمد. كما يجب أن نتذكر أن المعتدين وقواعدهم العسكرية الإقليمية كانوا يتزودون عبر هذا المضيق بالعتاد العسكري، ومن هنا أصبحت الحيلولة دون تكرار هذه السلوكيات الدولية غير المشروعة ضرورة لا يمكن إنكارها.
وعقب تصاعد هذه الإجراءات، تغيرت الظروف والأحوال بشكل جوهري، ونشأ وضع جديد لا رجعة فيه. وفي ظل هذا الوضع، رأت حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بصفتها دولة ساحلية، أنها مضطرة لاتخاذ تدابير عملية ومتناسبة لإدارة التطورات الممتدة إلى المناطق البحرية، بهدف منع فرض المزيد من المخاطر على السفن والبحارة في الخليج الفارسي ومضيق هرمز وبحر عمان.
التغيير الجوهري في الظروف والأحوال
شهدت البيئة الأمنية في الخليج الفارسي ومضيق هرمز، منذ بدء الاعتداءات ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحولات جعلتها في وضعية «التغيير الجوهري في الظروف والأحوال». وفي الوضع الراهن، فإن الأسس القانونية للنظام الحاكم للمضيق، التي تعني وجود حد أدنى من الاستقرار والأمن الإقليمي لضمان المرور الآمن، قد تضررت بشدة نتيجة التهديدات والإجراءات المتكررة المخالفة للفقرة 4 من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة.
ومن أهم العوامل التي أخلّت بالنظام السابق هو التجاهل المستمر لقاعدة آمرة في القانون الدولي، وهي القاعدة التي تحظر أي شكل من أشكال العدوان. إلى جانب ذلك، ورغم الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي، عجز مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، باعتباره المؤسسة الرئيسية المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين، عن إدانة المعتدين عمليًا، وبالتالي لم يتمكن من أداء مسؤوليته الأساسية في إعادة الاستقرار والسلام إلى المنطقة.
بناءً على ذلك، وفي إطار قانون البحار الدولي، لا يمكن تطبيق نظام المرور عبر المضايق المستخدمة للملاحة الدولية في فراغ أمني. إن التزام الدولة الساحلية بتسهيل المرور مشروط بوجود ظروف لا تهدد بشكل جسيم سلامة الملاحة والنظام العام البحري. وفي ظل الظروف التي تخلق فيها التهديدات العسكرية المستمرة أخطارًا فعلية وتُحدث تحولًا في بيئة العمليات، يصبح اتخاذ التدابير اللازمة وفق عقيدة «التغيير الجوهري في الظروف والأحوال» أمرًا لا مفر منه.
وعلى هذا الأساس، يجب اعتبار مجموعة الإجراءات والترتيبات الحالية بمثابة تعديل وتنظيم للحقوق والالتزامات بما يتوافق مع الظروف الجديدة، وهي إجراءات تهدف إلى إيجاد توازن بين متطلبات الأمن للدولة الساحلية واستمرار المرور الآمن للملاحة الدولية.
السيادة على البحر الإقليمي
في القانون الدولي للبحار، تُعدّ سيادة الدول الساحلية على بحرها الإقليمي، حتى داخل المضائق الدولية، وممارسة الحقوق والصلاحيات الناشئة عن هذه السيادة مبدأً أساسيًا وراسخًا. ومن ثم، فإن ترتيبات إدارة المرور في مضيق هرمز تنظم ضمن القوانين المحلية لإيران وعُمان، بالإضافة إلى المبادئ والقواعد العرفية والمعاهدات الدولية، بما في ذلك اتفاقيات جنيف 1958، وأحكام اتفاقية قانون البحار لعام 1982، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والسوابق القضائية الدولية (مثل أحكام محكمة العدل الدولية في قضية قناة كورفو والمنصات النفطية).
في هذا الإطار، هناك مبدأ أساسي: لا يمكن ممارسة أي حق في القانون الدولي، بما في ذلك حق المرور، بطريقة تهدد أو تعدي على أمن الدولة الساحلية. وبناءً على ذلك، فإن الاعتماد الصرف على المفاهيم الكلاسيكية لم يعد كافيًا لتأمين الاعتبارات الأمنية والسيادية.
هذا الوضع يستند أيضًا إلى القاعدة الآمرة «حظر التهديد بالقوة أو استخدامها» الواردة في المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة، والمعترف بها في السوابق القضائية الدولية وأحكام محكمة العدل الدولية كقاعدة غير قابلة للتنازل. وكما أكدت محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، فإن أي حضور أو إجراء عسكري خارجي يهدد أمن أو سيادة دولة أخرى، حتى بشكل غير مباشر، يتعارض مع هذا المبدأ.
علاوة على ذلك، فإن المادة 2 من اتفاقية قانون البحار لعام 1982 تؤكد سيادة الدولة الساحلية على المياه الإقليمية وقاع البحر وباطنه، ولا تمنح أي ترخيص لنشر قوات خارجية. كما تؤكد المادة 30 من الاتفاقية نفسها حق إلزام السفن العسكرية المخالفة بالمغادرة الفورية. كذلك، يشدد دليل «سان ريمو» على حق الدول الساحلية في تقييد الحضور العسكري الأجنبي للحفاظ على وضع الحياد لدول المنطقة وأمن الممر المائي.
ويحقق هذا النهج توازناً بين حرية الملاحة والحقوق الأمنية للدولة الساحلية الراسخة في الاجتهاد القضائي الدولي، وذلك عبر منع إعادة إنتاج الأنماط العدوانية والتدخلية الأجنبية التي أدت في الماضي إلى زعزعة الاستقرار وتسهيل الإجراءات العدوانية.
السيادة التاريخية على مضيق هرمز
في صياغة ترتيبات إدارة المرور في مضيق هرمز، من الضروري التأكيد على السيادة التاريخية لإيران وعُمان على هذا الممر المائي، وهو استنتاج أكدت عليه محاكم تحكيم مختلفة. وبناءً على ذلك، فإن السيادة التاريخية العريقة لإيران على مضيق هرمز، والتي كانت قائمة منذ قرون قبل الاتفاقية ومُورست بشكل مستمر، لا تزال قائمة ونافذة.
وقد رأت محكمة العدل الدولية في قضية قطر ضدّ البحرين، عند فحصها للحقوق التاريخية في الخليج الفارسي، أن استمرار ممارسة السيادة والأنشطة التاريخية للدول الساحلية يعتبر أساساً صالحاً للاعتراف بـ»السند التاريخي» على المناطق البحرية.
ونظراً للموقع الجغرافي والتاريخي المشابه لمضيق هرمز، فإن هذه السابقة القضائية تؤيد بشكل مباشر السيادة التاريخية لإيران وعُمان على هذا المضيق. إن اتفاقية جنيف لعام 1958 واتفاقية قانون البحار لعام 1982 تعترفان معاً بالسيادة الكاملة للدولة الساحلية على البحر الإقليمي، وتحفظان الحقوق التاريخية للدول الساحلية في الخليج الفارسي والأنهر والممرات المائية شبه المغلقة.
بناءً على ذلك، ونظراً للممارسة المستمرة والتاريخية لسيادة إيران وعُمان على مضيق هرمز على مدى قرون متمادية، فإن هذا المضيق يمتلك سنداً تاريخياً.
تسلسل القوانين الحاكمة
يمكن تقسيم القواعد القانونية الحاكمة إلى ثلاثة مستويات متميزة ولكنها مترابطة؛ حيث يتمتع كل مستوى بمرتبة أعلى وصفة جوهرية أكبر، ولا يمكن تفسير أو تطبيق قواعد المستويات الأدنى بما يتعارض مع مبادئ المستويات الأعلى:
المستوى الأول: هو المبادئ الأساسية للقانون الدولي التي تشمل القواعد الآمرة (jus cogens)، بما في ذلك حظر التهديد بالقوة أو استخدامها، وحظر العدوان، والحق المتأصل في الدفاع الشرعي عن النفس (المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة)، والمبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة. تقع هذه المبادئ في رأس هرم معايير القانون الدولي، وتحدد الإطار والقيود لجميع القواعد الأخرى.
المستوى الثاني: هو القانون الدولي الإنساني (قانون زمن الحرب) الذي يحكم السلوك في النزاعات المسلحة، ويحدد الإجراءات المسموح بها والمحظورة في ظروف الحرب، وتعد قواعد هذا المستوى مكملة لمبادئ المستوى الأول وتابعة لها في الوقت نفسه.
المستوى الثالث: ينطبق فيه قانون البحار باعتباره قانوناً تخصصياً. إن القواعد الناظرة إلى أنظمة المرور عبر المضايق الدولية، وحقوق الدول الساحلية على البحر الإقليمي، والمقررات الأخرى لاتفاقية قانون البحار لعام 1982، لا يمكن تطبيقها في فراغ أو مع تجاهل المستويات الأعلى.
بعبارة أخرى، لا ينبغي تحليل قانون البحار بمعزل عن «الأسباب الجذرية» التي أدت إلى نشوء الوضع القائم (بما في ذلك العدوان، والتهديدات العسكرية المستمرة، وعجز مجلس الأمن عن تأمين السلم)، ولا بمعزل عن «المبادئ الأساسية للقانون الدولي»؛ لأن هذا الفرع القانوني سيتحول في غير هذه الحالة إلى أداة لتبرير العدوان وتجاهل حق سيادة الدول الساحلية. فيما يتعلق بالمستوى الثالث، يجب التوضيح أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تنضم رسميًا إلى اتفاقية 1958 أو اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وبالتالي لا تلتزم بها إلا بما أصبح عرفًا دوليًا.
ونظام «المرور العابر» في اتفاقية 1982 لا يمتلك المعايير الراسخة للقانون الدولي العرفي. وإيران، عبر اعتراضها المستمر منذ 1982، لم تعتبر هذه القواعد ملزمة وفق القانون الدولي العرفي، وقد رسخت هذه الممارسة مكانتها كمعترض مستمر (Persistent Objector) على هذه الأحكام. إنّ أول وثيقة يمكن الاستشهاد بها محفوظة في مجموعة معاهدات الأمم المتحدة، وهي الإعلان التفسيري لإيران عند توقيع الاتفاقية، والذي نص على أن النظام الوارد في المواد 37-44 من الاتفاقية لا يشكل ترسيخًا للقانون الدولي العرفي. كما يشهد القانون البحري الإيراني لعام 1963 وتعديله 2012، وقانون المناطق البحرية لعام 1993 على هذه الممارسة. وتشمل الإجراءات الجديدة ضرورة الحصول على إذن مسبق لمرور السفن الحربية، والغواصات، والسفن التي تحمل مواد خطرة أو ضارة بالبيئة.
النتيجة هي أن الإطار القانوني للمرور عبر مضيق هرمز، في ظل غياب الالتزام المبني على المعاهدات وغياب القاعدة العرفية للمرور العابر، هو الحق العرفي للمرور البريء (Innocent Passage) الذي اعترفت به محكمة العدل الدولية في قضية كورفو 1949، ويحق للدولة الساحلية تنظيم المرور واستيفاء الرسوم وطلب الإذن المسبق للسفن الحربية واتخاذ التدابير الأمنية اللازمة، وهو ما تطبقه إيران عمليًا. أي تحليل قانوني لوضع مضيق هرمز يذهب مباشرة إلى المقررات الخاصة بقانون البحار، قبل فحص القواعد الآمرة والمبادئ الأساسية للميثاق والقانون الدولي الإنساني، هو تحليل ليس ناقصاً فحسب بل مضلل؛ لأن قانون البحار لا يكتسب معنى في الفراغ، ولا يمكن التذرع به كدرع لتبرير العدوان، أو الحضور العسكري العابر للمنطقة، أو تجاهل حق السيادة التاريخية والمعاصرة للدول الساحلية.

البحث
الأرشيف التاريخي