أزمة الطاقة العالمية بين حصار البحر ووهم الأسواق؛

مقامرة ترامب النفطية.. مَن يدفع ثمن إغلاق مضيق هرمز؟

/ لم تستهدف الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران وحدها. فقد أخذ إغلاق مضيق هرمز، بوصفه الشريان الرئيس لطاقة العالم، دولًا كثيرة رهينة لمقامرة الضغط الأقصى التي يمارسها ترامب؛ من الشاحنات العراقية على طرق سوريا، إلى باكستان التي تعدّ الأنفاس الأخيرة لاحتياطيات وقودها.
الحصار البحري وتحوّل أقطاب الإمداد
تمثّل أحد التداعيات الخفية للحرب في تغيّر الجغرافيا السياسية لمسارات الإمداد الإيرانية. فقد كانت إيران، خلال السنوات الأخيرة، تنجز قسمًا مهمًا من وارداتها وعمليات الترانزيت عبر موانئ الإمارات، ولا سيما جبل علي؛ وهو مسار أصبح الآن شديد الاضطراب مع تصاعد الحصار البحري.
وفي هذه الظروف، لم يَعُد فتح المسار الباكستاني من قبل وزارة التجارة في هذا البلد خيارًا دبلوماسيًا فحسب، بل غدا ضرورة استراتيجية لتنويع سلسلة الإمداد والبقاء بمنأى عن الحصار. ومع ذلك، يجب القول إن تنويع مسارات الترانزيت والتجارة الإيرانية كان مدرجًا على جدول الأعمال منذ أشهر، كي يعمل، بوصفه دفاعًا سلبيًا، على زيادة صمود التجارة الإيرانية في مواجهة التهديدات الخارجية.
ردّ الصين؛ كاسرة خطّ العقوبات
اتخذت بكين، وسط هذه الفوضى، موقفًا واضحًا. فقد أعلنت وزارة التجارة الصينية صراحة أنها لن تلتزم بالعقوبات الأميركية المفروضة على الشركات المشترية للنفط الإيراني. ووصفت بكين هذا الإجراء الأميركي، الذي استهدف مؤخرًا خمس وحدات تكرير وبتروكيماويات صينية، بأنه «غير قانوني»، وشددت على أن هذه العقوبات «لا ينبغي الاعتراف بها أو تنفيذها أو مراعاتها». ويدل هذا الموقف الصيني الحاسم بوضوح على تعدد أقطاب الاقتصاد العالمي. فقد أظهرت الصين، بوصفها أكبر مستهلك للنفط، أنها لا تعتزم أن تكون أداة في يد سياسات الضغط الأقصى التي تمارسها واشنطن.
أيام مزدوجة وملتهبة في "أوبك"
وسط هذه الاضطرابات، وعقب إعلان خروج دولة الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» وكذلك من «أوبك بلاس»، أكدت سبع دول نفطية، في موافقتها على زيادة الإنتاج اليومي بمقدار 188 ألف برميل، التزامها بالحفاظ على استقرار سوق النفط العالمية.
وقررت السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وعُمان، التي كانت قد أعلنت سابقًا تخفيضات طوعية إضافية في شهري أبريل/ نيسان ونوفمبر/ تشرين الثاني 2023، تنفيذ تعديل في مستويات الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميًا من مجموع التخفيضات الطوعية الإضافية المعلنة في أبريل/ نيسان 2023، وذلك في إطار التزامها بدعم استقرار سوق النفط.
ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ هذا التعديل اعتبارًا من يونيو/ حزيران 2026؛ لكن في ظروف نقص الوقود والغلاء غير المسبوق، يبدو خفض الإنتاج مفارقة كبرى. ويحاول أعضاء أوبك الحفاظ على التوازن؛ لكن الحقيقة هي أن أي إجراء لتعزيز المعروض لا يمكن أن يعوّض إغلاق مضيق هرمز.
وهم محللي سوق الطاقة
يتمثل الجزء الأشد إثارة في الأزمة الحالية في السلوك المتناقض للأسواق المالية. فلم يصل سعر النفط حتى الآن إلى الرقم الكارثي المتوقع، ويرى المحللون أن أسواق العقود الآجلة تعيش في وهم. يقول هذا الوهم إن الحرب ستنتهي قريبًا، وإن السلام سيحل، وإن السفن ستعود غدًا إلى عبور هرمز؛ لكن حذّر الصحفي الكبير في شبكة «سي إن إن» ديفيد غولدمان قائلًا: صدّق المتداولون المحترفون ترامب، وراهنوا على تراجع إيران؛ لكن السوق لا يملك فهمًا صحيحًا، لأن إيران صمدت لسنوات أمام حملة الضغط الأقصى. وحتى إذا تحقق اتفاق سلام، فقد لا يُفتح مضيق هرمز بالكامل، أو قد يستغرق فتحه أشهرًا. ويحتاج إعادة إنتاج النفط إلى مستواه السابق إلى وقت، كما أن الجروح الجيوسياسية لا تلتئم بسهولة.
وأشار الصحفي ديفيد غولدمان في تقريره إلى حقيقة أشد هولًا: توجد مناطق في العالم نفدت احتياطياتها النفطية عمليًا. ويشمل ذلك دولًا مثل كمبوديا وميانمار وأجزاء من آسيا، حيث لم تعد حتى قادرة على تأمين القطع اللازمة لإنتاج البلاستيك. وفي هذه الدول، لم يَعُد الحديث يدور حول سعر البنزين؛ بل يدور حول إمكانية الوصول إلى أي نوع من حوامل الطاقة. فقد أدى فقدان الوقود إلى قطع سلسلة إنتاج البلاستيك والدواء والسلع الأساسية. وتشكل هذه الكارثة الصامتة نتيجة مباشرة لحرب تقع على بعد آلاف الكيلومترات منها.
كما أشار أستاذ الاقتصاد في جامعة جونز هوبكنز "ستيف هانكه"، في تحليله الأخير، إلى نقطة مهمة: خلافًا للدعاية الغربية، لم يكن الإقتصاد الإيراني قبل الهجمات الأخيرة منهارًا؛ لكن الحرب الآن قلبت كل المعادلات. وبدأ العالم لتوّه يدرك ما ينتظره.
ففي آسيا، شرعت كثير من الحكومات في إجراءات قاسية، مثل تقليص أيام العمل الأسبوعية. وفي أوروبا، يسجل تضخم الطاقة أرقامًا قياسية. ودفع الحصار البحري المسارات البرية البديلة إلى طريق مسدود، وكما يقول المحللون، فإن الألم الذي كنا نخشاه منذ عقود يقترب الآن. ولن تستغرق عودة سوق الطاقة إلى وضعها السابق، حتى في أكثر سيناريوهات السلام تفاؤلًا، أيامًا أو أسابيع، بل أشهرًا. لقد أجلسَت مقامرة ترامب النفطية شعوبًا بريئة كثيرة إلى طاولة الخسارة؛ خسارة ثقيلة ستصل فاتورتها قريبًا إلى باب كل مواطن في العالم.

 

البحث
الأرشيف التاريخي