الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف وستة وخمسون - ١٧ مايو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وستة وخمسون - ١٧ مايو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

ثنائيّ الشرّ في مأزق «كش - مات»

د. حسن عابديني
خبير في الشؤون الدولية


/ يقترب ثنائيّ الشرّ «ترامب - نتنياهو»، من وجهة نظر المراقبين الدوليين، وبشكل متسارع من مرحلة «كش - مات» (الهزيمة النهائية)، وسيكون لتحقق هذا الأمر تداعيات واسعة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، قد تؤدي حتى إلى تغيير خارطة العلاقات الدولية التي تشكلت ما بعد الحرب العالمية الثانية.
إنّ تحول الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى «لاعب عالمي رئيسي» وعجز الولايات المتحدة الأمريكية عن فتح مضيق هرمز، يعني أن نظاماً عالمياً جديداً قائماً على العدالة وتوازن القوى في طور التشكل، وستكون إيران أحد الأعمدة الأساسية لهذا النظام الجديد في قلب الطاقة النابض للعالم. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها أن الولايات المتحدة لم تحقق نصراً في أي حرب خاضتها طوال الـ60 عاماً الماضية. لقد احتلّ العسكريون الأمريكيون أفغانستان منذ عام 2001، والعراق بعد ذلك بسنتين عبر حملة عسكرية واسعة؛ لكنهم بعد 20 عاماً وعند انسحابهم، لم يُعتبروا منتصرين في نظر الرأي العام.
ولم يكتفِ العسكريون الأمريكيون بارتكاب الجرائم والاعتداءات فحسب، بل اقترفوا فضائح تاريخية ضدّ الإنسانية يخجل القلم واللسان عن ذكرها في سجني «باغرام» و»أبو غريب»، ولم يقلد أحد أوسمة النصر على صدورهم.
في هذه المرحلة، وعلى عكس الهزائم الأمريكية السابقة، أدت سيطرة إيران على مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية إلى إضعاف المكانة العالمية لواشنطن، وبدأت إيران تترسخ كقوة عظمى في المنطقة. إنّ عجز واشنطن عن تغيير سلوك طهران أو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد ما يقرب من 40 يوماً من القصف المكثف، يشير إلى أفول الهيمنة الأمريكية وبداية عصر «ما بعد أمريكا»، حيث بدأ حتى الحلفاء السابقون يميلون نحو طهران -علناً وخفية- لتأمين أمنهم وطاقتهم. وفي هذا السياق، تبرز مؤلفات جديرة بالتأمل لم تغب عن أنظار المنظرين والمحللين وحتى الدبلوماسيين والسياسيين:
أ) إخفاق القوّة العسكرية المحضة:
40 يوماً من الهجمات الجوية المكثفة لأمريكا والكيان الصهيوني لم تؤدِّ فقط إلى عدم استسلام إيران، بل أثبتت الردع الإيراني عبر مهاجمة مئات الأهداف العسكرية والاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
ب) أزمة الجاهزية العسكرية الأمريكية:
إنّ الاستنزاف السريع لمخازن الأسلحة الأمريكية في حرب قصيرة الأمد مع قوة إقليمية، كشف عن الضعف اللوجستي والإنتاجي لأمريكا أمام القوى الكبرى.
ج) أفول الهيمنة وظهور
«النمر الورقي»:
عجز أمريكا عن تأمين سلامة الملاحة دفع الحلفاء العرب والأوروبيين نحو المساومة مع إيران، ووضع مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية في نقاط أخرى من العالم (مثل تايوان وأوروبا) موضع تساؤل.
د) الرافعة الاستراتيجية لمضيق هرمز:
يُقيّم الخبراء سيطرة إيران على مضيق هرمز بأنها توازي «القدرة النووية»؛ لأن إيران يمكنها عبر التحكم في تدفق الطاقة إجبار القوى العالمية على إلغاء العقوبات.
هـ ) الاختلاف الجوهري للهزيمة
في إيران:
خلافاً للإخفاقات التكتيكية السابقة، فإن هزيمة أمريكا أمام إيران هي «خسارة لا يمكن جبرانها» تؤثر على النظام العالمي الجديد. وهذا الانتصار الإيراني هو نتاج القوة الأسطورية للميدان، وصمود الشعب في الشوارع، وعدم مساومة الدبلوماسية والتعاطف والانسجام داخل نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والوعي الزمني لوسائل الإعلام الإيرانية التي تمر بأوج تنسيقها ووحدتها التاريخية.
ويعترف الخبراء الغربيون واحداً تلو الآخر بفشل استراتيجية «الضغط الأقصى» وانتصار «المقاومة النشطة»، وهو ما يعبر عن:
1- إثبات كفاءة استراتيجية الردع: إن قدرة إيران ليست مجرد أبعاد صلبة، بل تكمن في «إرادة إعمال القوة» والقدرة على ضرب الشرايين الحيوية لنظام السلطة. لقد أظهرت إيران أن عصر «اضرب واهرب» قد انتهى، وأن أي اعتداء على البنى التحتية الإيرانية سيواجه برداً مكافئاً على مستوى المنطقة.
2- تثبيت المكانة الإقليمية: تظهر هذه الحرب فشل مشروع «إيرانوفوبيا» أو «أمننة إيران» وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني المعروف بـ»اتفاقيات أبراهام»، ويؤكد هذا التحليل أن أمن المنطقة لا يمكن تأمينه إلا بمشاركة إيران ودول المنطقة دون حضور القوى العابرة للأقاليم.
3- نهاية وهم تغيير النظام: أدرك نظام السلطة أن الهيكل السياسي لإيران، خلافاً لتصورات واشنطن، لا ينهار بالضغوط العسكرية والاقتصادية. وهذا يعكس العمق الاستراتيجي وارتباط السيادة بأسس الاقتدار الوطني، وهو ما تجاهله الغربيون عمداً لفترة طويلة. لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذه المرحلة أن الانسجام بين القيادة والقوات المسلحة والجماهير وهيكل النظام (السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية) هو رمز فشل دسائس العدو، ويمثل هزيمة لـ «الحرب الإدراكية» للعدو التي استهدفت فصل الشعب عن النظام وقت الأزمات.
4- الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب: تحول إيران إلى «لاعب عالمي رئيسي» وعجز أمريكا عن فتح مضيق هرمز يعني أن نظاماً عالمياً جديداً قائماً على العدالة وتوازن القوى في طور التشكل، وستكون إيران أحد الأعمدة الأساسية لهذا النظام الجديد في قلب الطاقة النابض للعالم.
إنّ «زوج الشر» (ترامب - نتنياهو)، من وجهة نظر المراقبين الدوليين، يقتربون بوتيرة متسارعة من مرحلة «كش - مات»، وتحقق هذا الأمر سيؤدي إلى عواقب واسعة النطاق على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي، لدرجة أنها قد تقلب ترتيب العلاقات الدولية القائم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

البحث
الأرشيف التاريخي