الخليج الفارسي؛ بيت الأحرار ذوي المصير المشترك
محمد صالح سلطاني
لننطلق في رحلة إلى أربعة قرون مضت. إلى القرن السابع عشر الميلادي. إلى أيام مضى فيها أكثر من مئة عام على وقوع «الخليج الفارسي» تحت قبضة الاستعمار البرتغالي. لقد هاجم المستعمرون الأوروبيون، بالقوة والسلاح، موطن سكّان سواحل الخليج الفارسي واستولوا على هذا الممر المائي المهم.
وكان جزء كبير من التجارة البحرية العالمية يعبر من الخليج الفارسي؛ لكن نصيب سكّان المناطق المحيطة به من هذه التجارة المربحة كان شبه معدوم. ولم يكن هذا الوضع مقبولًا لدى الإيرانيين. فقرر الشاه عباس الصفوي، حاكم إيران القوي آنذاك، قطع يد المستعمرين البرتغاليين عن الخليج الفارسي.
وخاض قائد جيشه، إمام قلي خان، معركة ملحمية مع البرتغاليين، فعمل أولًا على تطهير ميناء جمبرون على الساحل الشمالي للخليج الفارسي من الاستعمار، ثم سيطر بعد ذلك بقليل على قلعة البرتغاليين في جزيرة هرمز، ليُكسَر آخر معقل للاستعمار في هذا الممر المائي على يد الجنود الإيرانيين. ولاحقًا سُمّي ميناء جمبرون باسم الملك الإيراني الساعي للاستقلال «بندر عباس»، وأصبح يوم طرد البرتغاليين من جزيرة هرمز يُعرف في التقويم الإيراني بـ«اليوم الوطني للخليج الفارسي».
الخليج الفارسي ليس ممرًا مائيًا عاديًا، فمنذ العصور القديمة وحتى اليوم، استضاف جزءًا مهمًا من «التجارة العالمية». وقد أسهمت الدول المطلة عليه عبر تاريخها في تأمين السلع الأساسية التي تحتاجها دول العالم؛ من المواد الغذائية والسلع الأساسية في الماضي، إلى النفط والغاز في الحاضر. كان «الخليج الفارسي» دائمًا خزّانًا كبيرًا لتلبية الاحتياجات الحيوية للدول الأوروبية، وهذا ما جعل أنظار الطامعين من المستعمرين تتجه دائمًا إلى هذه المنطقة، ليرتبط تاريخ الخليج الفارسي بنضال دائم ضدّ الاستعمار. ما يجري اليوم في الخليج الفارسي ليس منفصلًا عن ماضيه؛ فالقصة هي ذاتها: مستعمرون يطمعون في ثروات المنطقة، وشعوب مقاومة تسعى لقطع أطماع الغرب المتغطرس.
لنعد الآن من رحلتنا التاريخية إلى الحاضر؛ من طرد البرتغاليين في القرن السابع عشر إلى مواجهة الأمريكيين في القرن الحادي والعشرين. يبدو أن قصة الخليج الفارسي تقوم دائمًا على حبكة واحدة: صراع بين أعداء طامعين وشعوب مقاومة وصمود.
تضع مياه الخليج الفارسي الزرقاء بين أيدي جيرانه بحرًا من الفرص؛ فرصًا لا تتحقق إلّا بفهم مشترك من سكّان سواحله شمالًا وجنوبًا لمتطلبات إدارته. ومنذ سنوات، فإنّ المستعمرين الجدد، أي الأمريكيين، لم يقدّموا الأمن عبر حضورهم العسكري في المنطقة، بل وسّعوا نطاق انعدام الأمن وقدّموا الأزمات بدل الاستقرار.
وقد أظهرت الحرب التي فُرضت على الشعب الإيراني ابتداءً من 28 شباط/ فبراير 2026، بوضوح، عجز الأمريكيين عن تأمين أمن الخليج الفارسي أمام العالم أجمع؛ إذ تحوّلت القواعد العسكرية التي كان يُفترض أن توفّر الأمن لسكّان جنوب الخليج الفارسي إلى نقطة ضعف أمنية، وأدّت الردود المشروعة لإيران على الهجمات الأمريكية إلى تصاعد الأزمات في المنطقة.
وقد طرحت هذه الحرب الأخيرة (المعروفة في إيران بـ«الحرب المفروضة الثالثة») أسئلة جوهرية أمام نخب العالم العربي: هل يستطيع الأمريكيون فعلًا أن يؤدّوا دورًا مؤثرًا في تأمين أمن الخليج الفارسي؟ هل أدّت استراتيجية «تفويض الأمن» إلى أمريكا من قبل حكام السواحل الجنوبية إلى تحقيق أمن مستدام؟ أم أنّ الأفضل أن يتولى سكان الخليج الفارسي بأنفسهم، دون تدخل أجنبي، مهمة تأمين هذه المنطقة؟
من القرن السابع عشر حتى اليوم، كان تاريخ الخليج الفارسي تاريخ أطماع المستعمرين ونضال الأحرار ضدّهم؛ قصة ظهرت من جديد بشكل مختلف في الحرب الأخيرة.
إنّ النظام الجديد للخليج الفارسي وآلية إدارة مضيق هرمز تمثلان جهدًا شريفًا لمواجهة غطرسة الدول المعتدية، وستعود فائدتهما في النهاية إلى جميع سكّان السواحل والجزر في الخليج الفارسي. وكما قال قائد الثورة الإسلامية آيةالله الإمام السيد مجتبى الحسيني الخامنئي: «نحن مع جيراننا في الخليج الفارسي وبحر عمان شركاء في المصير، ولا مكان للأجانب الذين يأتون من آلاف الكيلومترات بدوافع الطمع والشر إلّا في قاع مياهه».
يكمن مفتاح النظام الجديد للخليج الفارسي في هذه الرؤية؛ رؤية تربط مصير الخليج الفارسي بوحدة مصير جميع سكّان سواحله، من الفرس والعرب، وتقطع يد الأجانب عنه. وقد أثبتت جمهورية إيران الإسلامية في الحرب الأخيرة، بعزم راسخ لا يتزعزع، أنها ماضية بقوة في طريق إدارة الخليج الفارسي بأيدي أبنائه لا بأيدي المستعمرين؛ طريق يعود نفعه على جميع سكان هذه المنطقة ذوي المصير المشترك، وكما طرد أبطال قبل أربعة قرون البرتغاليين من الخليج الفارسي، فإنّ الأمريكيين المعتدين سيُطردون من هذا البيت بإذن الله.
