الشهيد شهرياري.. معلّم علّم العالم |درس الاكتفاء الذاتي

/ في زمنٍ تجاوز فيه الصراع على المعرفة حدود المختبرات ليبلغ مستوى معادلات القوة في العالم، لم تَعُد أدوار المعلّمين محصورة في الفصول الدراسية.
ويمثّل أسبوع المعلّم مناسبة لاستذكار الذين سعوا في هذا البلد إلى غرس مفاهيم الاكتفاء الذاتي وقيمه في نفوس طلابهم. ويُعدّ شهداء القطاع النووي مثالاً واضحاً على هؤلاء؛ إذ أمضوا أعمارهم في خدمة تقدّم إيران، وانتهى بهم المطاف إلى الاستشهاد على يد الكيان الصهيوني وأمريكا.
إن الطاقة النووية حق مشروع، والسعي نحوها حق أصيل للشعب الإيراني؛ غير أن ذرائع مثل احتمال تصنيع سلاح نووي تُستعمل كحاجز أمام الوصول إليها. ومع ذلك، أثبت التاريخ أن هذا العلم لا يمكن أن يهمل، بل يستمر على أيدي العلماء النوويين وتلاميذهم.
الشرارات الأولى التي غيّرت المعادلات
نشأ الشهيد مجيد شهرياري في أسرة كانت قريبة من العلم والدراسة. ومنذ سنّ الرابعة، كان كلّما وجد وقتاً فراغاً يجلس إلى جانب جدّته المعلّمة، فيتعلّم الحروف الأبجدية والأعداد وآيات من القرآن الكريم، مثل «السور الأربع». كان يتمتّع بذاكرة قويّة، ويكفيه تكرار الدرس مرة واحدة ليحفظه كاملاً.
وقد غيّر شغفه بالتعلّم معادلات سنّه أيضاً؛ فالتحق بالمدرسة قبل أقرانه بعام كامل. وكانت جدّته، التي شهدت على ذكائه واستعداده، سعيدة جداً بهذا الخبر. وكان دخوله إلى المدرسة حدثاً لافتاً في أجوائها وبين المعلّمين؛ إذ أثار الأمر اهتمام البعض كما أثار حسد آخرين، وكان يُقارن باستمرارٍ ببقية التلاميذ، الأمر الذي زاد من روح المنافسة في أجواء المدرسة.
ويبدو أنّ تغيير المعادلات كان من طبعه؛ ففي المنزل كان موعد إطفاء الأنوار الساعة العاشرة ليلاً، غير أن ذلك لم يكن يمنعه من مواصلة الدراسة ليلاً. فحين يتأكّد أن لا أحد يراقبه، كان يجهّز مصباحه اليدوي، يتمدّد على بطنه، ويبدأ بالقراءة. ومع ذلك كان دائماً يستيقظُ باكراً بنشاطٍ وحيوية.
مسألة رفضها الجميع؛ لكنه لم يفعلْ!
كانت سرعة بديهته وذكاؤه يثبتان نفسيهما للآخرين باستمرارٍ. كان شغوفاً بحل المسائل ومواجهة المعادلات. وتعود إحدى هذه التجارب إلى أيام المرحلة الثانوية؛ إذ طرحت معادلة صعبة، ووضعت جائزة قيّمة لمن يتمكّن من حلّها.
وعندما عجز المعلّمون عن حلّها، اعتقدوا أن المسألة غير قابلة للحل، كما تراجع الطلاب واحداً تلو الآخر عن محاولة الفوز بالجائزة؛ لكن الشهيد مجيد شهرياري لم يكن ممن يتراجعون. فقد واصل العمل على المسألة عدّة أيّام متتالية، وتمكّن في النهاية من الوصول إلى الحل مستخدماً عدداً من القوانين والمعادلات.
وحين توجّه إلى مدير المدرسة لعرض إجابته، عمّت الدهشة الجميع؛ ليس فقط لأن المسألة قد حُلّت، بل لأنّه كان يُقال إن الخيّام وباسكال وحدهما تمكّنا من حل معادلة من هذا النوع، وهاهو اليوم طالبٌ يُدعى مجيد شهرياري ينجح في ذلك.
حين يصنع الإيمان بالنفس طريقاً
كان قد اكتشف منذ سنوات الطريقة الصحيحة للتعلّم. ففي الوقت الذي كان أقرانه يتوجّهون إلى دورات الاستعداد للجامعة، كان يعتقد أن النجاح لا يتحقّق بالاعتماد على الآخرين، بل على الإنسان أن يجد طريقه بنفسه. وربّما كان هذا الإيمان هو ما منح لاحقاً مفاهيم الاكتفاء الذاتي والاستقلال العلمي معناها في المجال النووي. وكان يقول إنه متى وُجدَ الطريق، فلن يكون هناك ما يمنعُ حلَّ أيّ مسألة.
وقد شكّل تخصّص الهندسة الإلكترونيّة في جامعة أميركبير الصناعيّة محطة مهمّة في مسار حياته. وجاء التحاقه بالجامعة متزامناً مع فترة الثورة الثقافية في الجامعات. وكان شغفه بالفيزياء والرياضيّات لا يُوصَف، حتى إن وقت الحصّة كان يمضي أحياناً في نقاشات علمية حادّة وأسئلة متبادلة بينه وبين أساتذته.
لا شيء غير ممكن
لقد قلب معادلات الجامعة أيضاً؛ فمن الأستاذ الذي كان معروفاً بالتشدد وبإعطاء الدرجة 15، استطاع أن ينتزع الدرجة 18. وحين ارتفعت تكاليف دراسته ومصاريفه، قرّر أن يُدرّس دروساً خصوصية للطلاب، كي يساهم -إلى جانب والده- بتوفير إعانة للأسرة. وكان من النادر أن يُدرّس أحداً دون أن يُحرز ذلك الطالب درجات عالية؛ وكان شعاره: «لا شيء غيرُ ممكن».
لم يكن يخاف من «غير الممكن» إلى حدٍّ يجعله يتوقّف عند دراسته؛ فقد دفعه ذلك إلى الالتحاق بالجبهة أثناء طلب العلم، وقاتل فترة في جبهة كردستان (غرب البلاد)، ثم عاد إلى الجامعة مع بدء الفصل الدراسي الجديد ليقف أيضاً في «الجبهة الثقافية» في مواجهة عدو ثورة إيران.
كان يقسّمُ يومه وليله: جزءاً للدرس والتحصيل، وجزءاً آخر للوجود في قسم الأبحاث التابع لجامعة الإمام الحسين(ع)، بحيث يشارك أصدقاءه في رصد أوجه النقص في مجال الكهرباء والإلكترونيات في البلاد. وبعد رحيل الإمام الخميني(رض)، اتخذ قراراً جديداً: وهو تقديم شخصية الإمام وخطّ الثورة لمن لم يكن يعرفه حق المعرفة.
حين يتحوّل العلم إلى مهمّةٍ
كان عازماً بجدٍّ على أن يخضع العدوَّ بعلمه؛ ومن هذا المنطلق اختار تخصصه في مرحلة الماجستير: الهندسة النووية، وهو المجال الذي يمكن أن يرفع إيران إلى قمم جديدة. إن النقص في قطاعات الطاقة والوقود والدواء زاد من حماسه وإصراره، وتمكّن للمرّة الأولى من وضع برامج للأجهزة الخاصّة بالمفاعلات النوويّة.
لقد جعل شغفه بالذرّة وبالعلم النوويّ يستعيد تلك الإرادة والفهم اللذين عاشهما منذ الطفولة، فكان يتابع كلّ مسألة بصبر ودقّة حتى يصل إلى النتيجة. هذه الروحُ جعلته ينفتحُ على مجال التعليم أيضاً؛ فبينما كان يتعلّم من أساتذته، كان يقف إلى جانبهم مساعداً، ويُدرّب العاملين والطلاب في هذا الاختصاص.
قدّم أطروحة الدكتوراه بعنوان «قياس أعماق الآبار»، وكانت ثمرة بحوث كثيرة وابتكار نوعيٍّ يمكن أن يعود بفائدة كبيرة على البلاد. وكان يرى أن استخدام الأشعّة يمكن أن يتيح استخراج كميّات النفط تحت الأرض من دون أن يفلت شيء منها. وقد طُبّق هذا العمل عبر جهاز القياس النووي المتخصص الموضوع على سطح الأرض، والذي يُظهر آخر قطرة نفط في البئر. وقد لقي هذا المشروع ترحيباً واسعاً من الشركات النفطية التي طلبت التعاون مع الشهيد مجيد شهرياري.
أستاذ يتجاوز حدود الدرس
بعد انتهاء دراسته، انضمّ إلى الهيئة التدريسية لجامعة أميركبير. كان شغفه بالتعليم أمراً معروفاً عنه؛ إذ كانت قاعاته دائماً ممتلئة، وكان هذا الإقبال يزيد من دوافعه لمواصلة التدريس. ففي حصصه كان يتيح لطلّابه فرصة التجربة والخطأ، وفي الوقت نفسه يحافظ على علاقة ودّية معهم.
مَن الذي ربّى آلاف «شهرياري»؟
كان الشهيد فريدون عبّاسي أحد أهم مساعديه، وقد صحبه الشهرياري -بالتشجيع والإرشاد- حتى مرحلة الدكتوراه، ومعها وصوله إلى حضور جادٍّ في المجال النووي داخل البلاد. غير أن التخصص النووي في إيران كان غاية في الندرة.
وبفضل جهود الشهيد شهرياري الحازمة، أُضيفت إلى الكلّيات ثلاث تخصّصات مهمّة وعمليّة: «الطبّ الإشعاعيّ»، و«تطبيقات الإشعاع»، و«دورةُ الوقود». ولم يتوان أيضاً عن المساهمة في بناء مبنىً جديد للكلّية، بل كان أحياناً يستعمل من نفقته الشخصية لدفع العمل إلى الأمام، كي تترسّخ هذه التخصّصات الثلاثة في قلب البلاد. وبذلك لم يتكاثر أثره بصفته «شهرياريّاً» واحداً، بل تضاعف حتى صار مئات «شهرياريّ» آخرين.
ولم يكن متبحّراً في المجال النوويّ فحسب، بل كان خبيراً أيضاً بجوانب إرسال الأقمار الصناعيّة؛ وبمساعدة الشهيد فريدون عباسي عالج أوجه النقص الفني في بعضها. كما أعاد إحياء وتشغيل البرامج النووية والرموز الحسابية الضرورية، وتولّى دوراً مهمّاً وحيويّاً في عملية التخصيب بنسبة 20%.

 

البحث
الأرشيف التاريخي