من الحكمة إلى الشهادة.. قراءة في سيرة الدكتور علي لاريجاني
كان «عبدُ الله» المختار، الشهيد علي لاريجاني، رمزًا مشرقًا للصلة بين «العقل والإيمان». فقد كان يبحث عن حقيقة الثورة لا في صخب الشعارات والضجيج، بل في عمق التفكير والخدمة الخالصة؛ وهو ذلك الطريق الواضح نفسه الذي نرى تجليه اليوم في هذا الاتحاد المقدس، وفي الحضور الشعبي المهيب في الشوارع.
مصطفى بورمحمدي
الأمين العام لجمعية
رجال الدين المناضلين
بسم الله الرحمن الرحيم
«وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ»
بمناسبة أربعينية استشهاد أخي وصديقي القديم «الشهيد الدكتور علي لاريجاني» كنتُ في البداية أنوي أن أكتب مرثية من القلب والوفاء. غير أنّ التأمل في سيرة ذلك العزيز أظهر لي أنّ أداء حق شخصية كهذه يتجاوز المراثي العاطفية، ويرتبط بتقديم بيان عقلاني لمساره في الإدارة ونهجه في السياسة. ومع ذلك، ففي أيام ما يزال فيها الجرح المؤلم لاستشهاد قائد الأمّة، والشهداء الأبرياء الكرام، ولاريجاني العزيز، يثقل الأرواح، أترك شرح كل هذا الشوق والفقد إلى فرصة أخرى وذهن أكثر هدوءًا.
أولًا- السياسي الحكيم والمستشار الأمين
كان الدكتور علي لاريجاني، بلا تكلّف ولا تردّد، من الشخصيات القليلة الساطعة في سماء السياسة والفكر المعاصر في إيران؛ شخصية قدّمت، خلال أربعة عقود من الجهاد في ميادين الإدارة والثقافة والمعرفة، صورة نقيّة عن العقلانية المؤمنة والتدبير الملتزم، في إطار نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبروح لا تعرف التعب، ووعي شديد.
إنّ سيرته الفكرية وحياته السياسية شهادة واضحة على الالتقاء المبارك بين «الحكمة والبصيرة الدينية» و«العلوم الجامعية الحديثة» في ميدان العمل. وقد صنعت أصالته العائلية، المتجذرة في الأرض الطاهرة للدين والعلم، إلى جانب اجتماع المعرفة التقنية، والمعرفة الفلسفية، والسلوك الأخلاقي، شخصيةً جعلته يتجلّى بين أقرانه وشخصيات السياسة المعاصرة على نحو لافت ومتميز. ينبغي الإقرار بأن لاريجاني كان، بالمعنى الحقيقي للكلمة، شخصية «متعددة الاختصاصات» وجامعة الأطراف. فالمفاهيم الأساسية في منظومته الفكرية، من العقلانية الثورية والأدب السياسي، إلى الهمة الجهادية والالتزام بالولاية، كانت تجد في سلوكه التنفيذي تجسيدًا عينيًا محببًا. وعلى خلاف كثير من المسؤولين المعاصرين له، لم يكن محصورًا في المعرفة الهندسية، بل كان يحمل روحًا وعالمًا ممتزجين بالعلوم الإنسانية. هذه السمة صنعت منه هيئة «المستشار - الوزير» للنظام؛ وهي الهيئة نفسها التي يجلس صاحبها، في التقليد الإيراني القديم لكتابة أنظمة الحكم وسِيَر الملوك، على كرسي «الوزارة». و«الوزير» بهذا المعنى ليس منصبًا إداريًا، بل ركن ركين في الحكم، وحافظ أسرار الدولة، والأمين الكتوم للحاكمية، الذي يُحسن تدبير الأمور بتمكّنه من فنون إدارة البلاد. لقد جسّد لاريجاني في وجوده جوهر رجل الدولة الإيراني الأصيل، بما هو مزيج من نزاهة اليد، وبُعد النظر، والتدبير؛ وذلك بفضل قريحته الذاتية من جهة، وبفضل ممارسة وخبرة طويلة من جهة أخرى.
ورغم أنه كان، في الفصل الأخير من حياته، صاحب ولاية قصيرة الأمد، فإنّه تألّق في «اللحظات الخطيرة والمصيرية من مرحلة إدارته». كان رجل المهمات والظروف الصعبة، وكانت الحدود بين «الميدان» و«السياسة» تبدو في نظره أدقّ من الشعرة. وما يزال النهج الاستراتيجي للشهيد لاريجاني في خضم العدوان الصهيو - أمريكي الذي استمر إثني عشر يومًا حاضرًا في ذاكرة الزمن.
في تلك المرحلة، نهض وفق تعبير رؤيا صادقة كانت قد تكررت عليه في أيام العزلة والجفاء. ففي تلك الرؤى الليلية، كان رفيقه وأنيسه القديم، الشهيد الحاج قاسم سليماني، يؤكد ضرورة مواصلة الطريق وتحقيق أهداف محور المقاومة. وبعد سنوات، دارت عجلة الأيام ففسّرت ذلك الحلم، ووضعته في موقع أصبحت فيه مهمة تحقيق رسالة رفيقه في صدر أولوياته.
ثانيًا- رقيب المصلحة والتدبير
في ميدان العلاقات الاجتماعية، كان الشهيد لاريجاني تجسيدًا حيًّا لوصلة متينة بين «الأصالة الروحية» و«فهم روح العصر». فقد كان حضوره في مجالس النخب ولقاءات المثقفين متوشحًا دائمًا بوقار رزين وتواضع عالِم، يكشفان عن تلاحم «جوهر العقل» مع «زينة الأدب». وكان يؤمن بالحوار -لا بوصفه أداة نفعية، بل باعتباره سنّةً لإصلاح البُنى الاجتماعية- إيمانًا عميقًا، ويتجنب بشدة النزاعات العبثية والتصنيفات الجاهزة؛ وهو نهج متجذر في تربية أصيلة وبيئة عاشت فيها العلاقة بين «الإيمان الديني» و«الحياة الجماعية» بوصفها قيمة مقدسة.
وفي المجال الثقافي، كان نظره مزيجًا متجددًا من «العقل الفلسفي» و«احتياجات الحياة الواقعية». وحين تولّى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون، سعى إلى توجيه الإعلام والثقافة العامة نحو الفكر والحوار العقلاني. وكان يرى قيمة الإعلام لا في مظهره، بل في أثره الفكري. وهذه الرؤية العميقة هي التي جعلته، في جميع مسؤولياته، ملتزمًا بإنتاج محتوى عميق ومؤثر. إنّ إصرار لاريجاني على إنتاج «فكر أصيل» جعله في طليعة خطاب «العقلانية الثورية»؛ تلك العقلانية التي لا تفرّط بالواقع باسم المثالية المجردة، ولا تذبح الأصول باسم العملانية المفرطة. عقلانية تؤسس صلة واعية بين «الإيمان القلبي» و«السلوك الاجتماعي». لقد أدرك أن الثقافة الإيرانية الإسلامية العريقة تمتلك قدرة كبيرة على الإجابة عن أسئلة العصر الحديث. وكان أسلوبه في التعامل -القائم على احترام الآراء المختلفة وتجنب التطرف- نموذجًا راسخًا لـ«الأدب السياسي»، وهو نهج حكيم يفتح باب الحوار البنّاء ويُطفئ التوترات العقيمة في المجتمع.
ثالثًا- الحكمة والأدب السياسي
في ميدان السياسة، كان الشهيد الدكتور لاريجاني تجسيدًا لنهج ومسار سياسي قائم على «التجربة والتدبير والفهم العميق للزمن»، في سبيل حماية المصالح الوطنية. لم ينجرّ يومًا إلى ضجيج الصراعات الحزبية أو الجدل العقيم، وقد أثبت هذا الاتزان في محطات صعبة، كالهجمات الحادة عليه، وعمليات إقصائه، وسواها من مراحل الضغط.
لقد كانت رئاسته التي امتدت إثني عشر عامًا لمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) أكثر من مجرد إدارة؛ كانت تحولًا في نمط التفكير السياسي العقلاني. وكان وفاؤه الثابت لمبادئ الثورة، إلى جانب ذكائه في التعامل مع الواقع، حجر الأساس في هذه العقلانية.
وعلى خلاف التصورات السطحية، فإن «العقلانية الثورية» عنده لم تكن تساهلًا في المبادئ، بل مزيجًا من «ثبات في القيم» و«مرونة في التطبيق». وقد أثبت أن مبادئ الثورة، حين تقترن بالعقل، تصبح أكثر رسوخًا وقدرة على الحلّ، وكان بحق نموذجًا حيًا لفكرة «الأمّة الوسط» في العصر الحديث.
وفي منظومته العملية، احتل «الأدب السياسي» موقعًا محوريًا. لم يكن هذا الأدب مظهرًا شكليًا، بل أخلاقًا عملية تضمن بقاء المجتمع وشرعية السلطة. وفي التراث السياسي الإيراني، يعني الأدب احترام الكلمة، والاعتدال في النقد، وتجنب الإساءة حتى في ذروة الخلاف. وقد كان لاريجاني يرى السياسة ساحة تفاهم لا ميدان لتصفية الحسابات. وكان «اللسان» أداته الأبرز، إذ أدرك أن انهيار الأدب السياسي هو بداية سقوط الثقة العامة. وكان يرى أن الأدب يعني «الوقار في المنافسة». فإذا حلّ العنف اللفظي محل الأدب، تراجعت العقلانية وتعطل الحوار. وكان يعتبر اختلاف الآراء فرصة لتطوير القرار، لا تهديدًا للأمن. ولم يرَ في الأدب السياسي فضيلة شخصية فحسب، بل «بنية أساسية» للاستقرار الوطني، وقد شرح هذا المفهوم بدقة في كتابه «العقل والسكون في الحوكمة» (جامعة طهران/ 1403هـ.ش - 2024م). وفي بيئة كان فيها الخطاب الحاد بديلاً عن الحجة، كان هو يعيد إحياء لغة الرصانة والتهذيب بروح هادئة ولمسة من الدعابة الذكية.
وإلى جانب خبرته الواسعة في مجلس الشورى الإسلامي والمجلس الأعلى للأمن القومي، كان في السياسة الخارجية يتحرك بمنهج يجمع «الرؤية الفلسفية» و«التدبير العملي الرشيد». وكان يؤمن أن الدبلوماسية ليست مجرد كلمات، بل يجب أن تقوم على «منطق القوة» و«مصلحة الأمّة». ومن هنا جاءت مواقفه: صلابة في مواجهة الضغوط الخارجية، مع انفتاح عقلاني على العالم، بما يعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات العلاقات الدولية.
رابعًا- من الفكر إلى العمل الجهادي
لم يكن التدبير العملي الرشيد في نظر لاريجاني مجرّد سرعة في الإنجاز، بل كان «فعلًا قائمًا على الحقيقة والمعرفة». وكان العمل الجهادي في أفقه رؤيةً صادقة، منضبطة، هادفة، ومبنية على إدراك عميق؛ ولهذا كان يتجنب القرارات الانفعالية في إدارة المؤسسات. هذا النهج يعكس فهمه العميق لمفهوم «الجهاد»، الذي لا يقتصر على ساحات القتال، بل يمتد إلى السعي الواعي لإصلاح المجتمع.
في سيرته السياسية، كان الفكر مقدمة للعمل، والعمل معيار صدق الفكر. ولم يكن الجهاد عنده جهدًا بدنيًا فحسب، بل استمرارية للعقل والإرادة في مسار الإصلاح. وقد قدّم مثالًا حيًّا على إمكانية الجمع بين التفكير العميق والإدارة الفاعلة؛ أن يكون الإنسان مفكرًا بارزًا ومديرًا ناجحًا في آن واحد. وهذا التوازن بين «العلم النظري» و«التجربة العملية» هو من أثمن ما تركه للأجيال.
خامسًا- الالتزام بالولاية وممارسة السياسة
كان الدكتور لاريجاني يرى الحكمة والعقل في إطار الأخلاق والالتزام بالولاية. وكانت علاقته الفكرية والعاطفية مع قائد الأمّة قائمة على إيمان عميق، لا على اعتبارات سياسية عابرة. وكان التزامه بالولاية تعبيرًا عن قناعة راسخة بمكانتها في بنية النظام، لا مجرد شعار. وقد جسّد في سلوكه ما يمكن تسميته «العقلانية الولائية»، حيث أثبت أن الالتزام بالقيادة يمكن أن يتوافق مع استقلال الرأي وحرّية التفكير، بل ويعززهما. وعلى المستوى الشخصي، كان سلوكه قائمًا على ضبط النفس والرفعة، فتميز بهدوء الحديث، ودقة التعبير، والابتعاد عن التشنج، ما أكسبه احترام مختلف الأجيال.
إنّ الجمع بين «الطموح المثالي النبيل» و«الفاعلية الواقعية» كان أبرز ما يميز هذا النمط من القادة، وكان لاريجاني نموذجًا بارزًا له.
سادسًا- الثورة كعملية حيّة مستمرة
لم يكن الشهيد لاريجاني يرى الثورة الإسلامية حدثًا تاريخيًا منتهيًا، بل مسيرة حيّة ومتجددة، تتطلب تغذية دائمة من «العقلانية» و«المجاهدَة». وكان يؤمن أن القيم الثورية إن لم تُدعّم بالعقل والتنظيم، فإنها تذبل مع الزمن. هذه الرؤية الفلسفية ظهرت بوضوح في أدائه التنفيذي، حيث أظهر قدرة كبيرة على التكيف مع الأزمات وإدارتها.
وكان التدبير العملي الرشيد نابع من فهم حقيقي لاحتياجات المجتمع، ولم تقتصر على الداخل، بل امتدت إلى السياسة الخارجية، حيث كان يوازن بين حماية المصالح الوطنية والانفتاح المدروس على العالم.
ختام الكلام..
في ختام القول، كان «عبد الله» المختار، الشهيد علي لاريجاني، رمزًا ساطعًا لوحدة «العقل والإيمان». لم يكن يرى الثورة في ضجيج الشعارات، بل في عمق الفكر وخدمة الناس بإخلاص. وهذا هو الطريق الذي نرى أثره اليوم في وحدة الشعب وحضوره الكبير في الساحات؛ حضور يعكس وفاء أمّة بكاملها.
إنّ مصير شخصية بهذا المقام لا يليق به إلّا الشهادة «طوبى له وحسن مآب».
لم تكن شهادته مجرد حادثة، بل تعبير عن حياة قائمة على الإيمان والمسؤولية. فكل مَن يسير بإخلاص في طريق الحق، ينال نصيبًا من هذه الثقافة الرفيعة: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا».
وقد جسّد لاريجاني هذا المعنى في كل أبعاد حياته.
إنّ الترابط بين العقلانية، والأخلاق، والتقوى، والالتزام بالولاية، هو الإرث الأبرز الذي تركه الدكتور علي لاريجاني للحياة السياسية في إيران المعاصرة؛ إرث يؤكد أن الحفاظ على الثورة يتطلب حضور الفكر والعمل معًا.
سلام ورحمة الله الواسعة على روح قائدنا الشهيد، وعلى شهداء حرب رمضان الكرام.
وسلام ورحمة الله على الشهيد علي لاريجاني ونجله مرتضى.
ليخلد اسمه، وليمتدّ طريقه في السائرين.
