في أربعينية إستشهاد الدكتور لاريجاني ونجله مرتضى
«كنتَ طريقي إلى الله».. رسالة وفاء من زوجة الشهيد علي لاريجاني
تمّ، مساء السبت (2 مايو)، إزاحة الستار عن كتاب «بنده خدا» أي «عبد الله» في قاعة وحدت بطهران بحضور رسمي واسع، في أربعينية إستشهاد الدكتور علي لاريجاني ونجله مرتضى من تأليف حجةالاسلام رسول جعفريان وحجةالإسلام محمد مهدي معراجي. يستعرض المؤلفان في مقدمة الكتاب لحظة استشهاد الشهيد لاريجاني بعد الغارة الصهيو - أمريكية، متذكرين أيام الحرب المفروضة التي رافقتها أنباء اغتيال قائد الأمّة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي(رض) وعدد من القادة، في صمت دولي مخزٍ، ويشيران إلى صعوبة استيعاب الفاجعة لمن عرفوا الشهيد لاريجاني عن كثب، ويصفان مراسم تشييعه ودفنه إلى جانب أستاذه الشهيد مرتضى مطهري في قم المقدسة. يضمّ الكتاب مجموعة من البيانات والمواد التي كتبها أساتذة وفضلاء، أجمعوا على التأكيد على «عقلانية» الشهيد لاريجاني. على الغلاف الخلفي، يصف الناشر، الشهيد علي لاريجاني بأنه «إنسان عظيم وفريد»، ويشير إلى أن صوته لا يزال يتردد في أروقة مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وإبداعاته خالدة في الثقافة والسياسة. ويلفت إلى أن إيران حرمت من خدماته في فترة كان يحتاجها بشدة؛ لكنه عاد ليضطلع بمسؤولياته عندما نودي به، ليكمل مسيرته حتى نال وسام الشهادة على يد «أشرار العصر». ويؤكد أن إرث الشهيد لاريجاني الفكري والعملي سيظل باقياً. كما كتبت السيدة فريدة مطهري نص حزين لزوجها الشهيد في هذا الكتاب، جاء فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
في سَحَرِ ليلةٍ مضت خلّصوك من أحزانك
وفي عتمة الليل سقوك ماء الحياة
يا له من سَحَرٍ مبارك ويا لها من ليلةٍ سعيدة
تلك الليلة التي مُنحتَ فيها صكّ خلاصك الجديد
كنتَ تقول دائمًا: إنّ أعظم ما يميّز الرجال الكبار هو حسنُ خاتمتهم؛ وقد جسّدتَ هذا المعنى بأجمل صورة.
وكنتَ تقول: إنّ أجمل الحيوات تقود إلى أجمل الممات؛ وقد فسّرتَ ذلك بأحسن بيان.
وكنتَ تقول: إنّ المؤمنين حين يشهدون نعيم البرزخ والقيامة، لا يحنّون إلى الرجوع إلى هذه الدنيا المليئة بالمشقّة، إلا الشهداء، فإنهم يتمنّون العودة ليُستشهدوا مرارًا. وها أنت، بحضورك المتكرر في أحلامنا، تؤكّد هذا الشوق الكامن فيك، وأنا لا أنفكّ أشعر بقربك: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِي سَبِیلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْیَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ».
كنتَ تقول: إنّ العظماء يبحثون عن معنى الحياة في دروب الموت.
وكنتَ تقول: ليجد كلٌّ طريقه إلى الله، فإنّ «الطرق إلى الله بعدد نفوس الخلائق»، وأنتَ اهتديتَ إلى الطريق الأوضح... ويا له من اهتداء!
كنتَ تقول: الأخلاق رأس مال لا يكلّف شيئًا؛ وحقًّا كانت مكارم الأخلاق نهجك.
وكنتَ تقول: إنّ الشهيد مطهري وكتبه هما دليل حياتك. أتذكر آية الاستخارة لزواجنا التي أجراها والدي: «وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا»؟ وكنتَ تسعى دائمًا لتجسيدها في الواقع... وقد فعلت. وفي النهاية، لحقتَ بأبي الشهيد وبأبيك الكريم، وضممتَ ابننا الحبيب، ومضيتَ نحو الخلود.
كنتَ تقول: إنّ دماء آلاف الشهداء أُريقت في سبيل هذا النظام الإسلامي، فاعرفوا قدره، فهو عظيم الشأن، ويتولى قيادته رجل حكيم يُضرَب به المثل في التقوى والورع.
وكنتَ تقول: الشهيد هو شمعة التاريخ؛ يحترق ليضيء.
وكنتَ تقول: أحسنوا العمل وادّخروا للآخرة، فإنّ «الْحَسَنَاتِ یُذْهِبْنَ السَّیِّئَاتِ».. هنيئًا لك، ما أطيب ما ادّخرتَ لآخرتك! وسيكون ولدك الصالح زهرةً من زهور جنّتك.
كنتَ تقول: إنّ مرتضى سيحطّم زيف الباطل، وسيجسّد معنى العشق؛ وكم كنتَ صادقًا!
كنتَ تقول: إنّ مرتضى سيُعلّم الوفاء.
كنتَ تقول: إنّ مرتضى كتابٌ قائم بذاته.
كنتَ تقول: إنّ فطرته مشبعة بحبّ مولاه، وإنّه لن يركن إلى الدنيا، بل سيلتحق بالحقّ بحبّه الصادق لأبي عبدالله الحسين(ع)... وحقًا صدقت!
أمّا أنا، فكنتُ أقول: مع زوجٍ مثلك، وأبناءٍ مرضيين -بإذن الله- فقد أرانا الله جنّة الدنيا.
اللّهمّ أرِني جنّة البرزخ والقيامة، وامنحني صبرًا؛ فإن ألم الفراق شديد...
«رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَیْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَی الْقَوْمِ الْکَافِرِینَ».
منذ أن دخلتُ حياتك في الخامسة عشرة، شعرتُ وكأنني دخلتُ مدرسة؛ تعلّمتُ منك، وتربّيتُ على يديك، وعملتُ بما تعلّمت.
وكان شعار حياتك: «يدرؤون بالحسنة السيئة».
كنتَ تجمع بين المتناقضات: أحنّ الناس في البيت، وأشدّهم بأسًا في الميدان.
لم تكن الدنيا غايتك. كنتَ عبدًا لله حقًّا؛ لم ترَ سواه، ولم تطلب غيره، ولم تكن لتلتفت إلى غير محبوبك. فبان جوهرك...
عشتَ سعيدًا، ومتَّ سعيدًا...
كنتَ باحثًا مدقّقًا، محبًّا للعلم والتحقيق.
كنتَ تغتنم كل لحظة من عمرك؛ فلا فراغ عندك: إمّا في خدمة شؤون البلاد، أو في التأليف، أو في القراءة والاستعداد للتدريس، أو في تسلّق الجبال، أو في العبادة وقيام الليل، أو في مساعدة الأسرة، أو في الجلوس مع الأبناء والإجابة عن أسئلتهم.
وكان شغفك بتسلّق الجبال -ومنها صعودك المتكرر لقمة دماوند- ليس مجرّد هواية، بل مساحة للتفكير، وحلّ القضايا العلمية، والتأمّل، ومناجاة الله.
وبشهادة أهل البصيرة، كنتَ على علم بقرب شهادتك، ومذكّراتك تشهد بذلك.
أليس الشهيد ينظر إلى وجه الله، فيكون وليًا له؟
أشهد أنني كنت أرى ذلك فيك خلال حياتنا المشتركة.
ما أجمل عروجكما، أبًا وابنًا... نعم، كان المقام يليق بكما. وأعلم أنّ الإنسان خُلق مؤهّلًا لمرتبة الشهادة ومعرفة عوالم الغيب؛ لكنه يبتعد عنها بالانشغال بالدنيا.
يا ربّ! ارفع هذا الحجاب، فأنا -إقتداءً بالسيدة رباب- أعيش على أمل لقائهما، وأتوسّل بالسيدة زينب، وسأواصل طريقكما بصبر وثبات...
حلّ الربيع، وتفتّحت شقائق النعمان والنسرين
تخرج من التراب كأنّها تعاتبك: لِمَ أقمتَ في الثرى؟
سأمضي كغيم الربيع أبكي بحرقة
وأظلّ أبكي مادمتَ في التراب... حتى تعود منه.
