تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
السوق المجاورة والفرصة الكبرى؛
تحويل إيران إلى مركز إقليمي للأمن الغذائي عبر شراكة استراتيجية مع باكستان
بعد العدوان الأمريكي-الصهيوني على إيران، وتضييق حركة عبور السفن في مضيق هرمز، تأثر كل من تأمين الطاقة والأمن الغذائي في العالم. وقد فقدت المسارات المعتادة والسلاسل التجارية التقليدية فاعليتها، أو واجهت اضطرابات خطيرة. وفي المستقبل القريب، ستتجه الدول المصدّرة إلى تقليص أو وقف صادرات المنتجات الأساسية، في حين ستواجه الدول المستوردة نقصًا في السلع القابلة للشراء وارتفاعًا حادًا في أسعار التبادل. وفي مثل هذه الظروف، يكون أمام الدول المستوردة للغذاء حلّان:
- الأول: اعتماد سياسات الاكتفاء الذاتي، ولا سيما في المنتجات الأساسية.
- الثاني: العمل على تأمين آمن واستمرارية للمنتجات الأساسية التي تحتاج إليها.
إنّ التأمين الآمن والمستدام للغذاء يعني الانتقال من تجارة قائمة على علاقة التبادل والفرضيات التقليدية للاقتصاد الدولي، إلى تجارة متشابكة مع الظروف السياسية والأمنية والعسكرية. وبعبارة أخرى، فإن التجارة الدولية الحرة للغذاء ستفسح المجال أمام تجارة تكتلية مع الدول الصديقة والمتوافقة، تقوم على مواثيق سياسية-أمنية أو على الجوار.
ويتعين على إيران أيضًا، أثناء الحرب وما بعدها، أن تضع في جدول أعمالها الحفاظ على مرونتها وزيادتها، من خلال تأمين غذائها المستورد بصورة آمنة ومستدامة. وحاليًا، تعتمد إيران من حيث القيمة بنسبة 30 في المئة على الخارج في غذائها، وتتركز أهم وجوه هذا الاعتماد في سلسلة الزيوت والدواجن.
ويأتي ذلك في وقت تسيطر فيه حكومات غير متوافقة أو معادية على أكثر من 88 في المئة من الصادرات العالمية لهذه السلع. إنّ وجود سوق من 600 مليون نسمة، يغلب عليها طابع الاستيراد، في 15 دولة مجاورة لإيران، ووجود كبار منتجي الحبوب والأسمدة في شمال إيران، واضطراب الأمن الغذائي العالمي الناجم عن الحرب في مضيق هرمز، إلى جانب الموقع الجيوسياسي الإيراني، كلها عوامل تُظهر، أكثر من أي وقت مضى، فرصة وضرورة تُحوّل إيران إلى مركز الأمن الغذائي والزراعة في المنطقة، وتجعل هذا الهدف قابلًا للتحقق.
دور باكستان في مركز الأمن الغذائي الإقليمي
إنّ أحجية تحويل إيران إلى مركز الزراعة والأمن الغذائي في المنطقة تتألف من قطع، لكل واحدة منها أهمية خاصة بحد ذاتها.
ومن بين هذه القطع المهمة، تأتي باكستان؛ فباكستان، بفضل حدودها البرية الطويلة مع إيران، ومنها حدود تفتان-ميرجاوة، وباكستان-بشين، وبنجكور-ريمدان، وكوادر-تشابهار، تجعل مخاطر التجارة البحرية معدومة، كما أن وجود ميناءَي تشابهار المهم في جنوب شرق إيران، وكوادر في جنوب غرب باكستان، يتيح إمكان الربط المركب البري والبحري.
وتُعدّ باكستان، بإنتاجها 53 مليون طن من الحبوب، و2/2 مليون طن من لحم الدجاج، وأكثر من 6 ملايين طن من البذور الزيتية، وأكثر من 3 ملايين طن من اللحوم الحمراء، مصدرًا جيدًا لسد فجوات تأمين السلع الأساسية في إيران.
وتشمل قدرات التعاون مع باكستان في مجال الأمن الغذائي: التجارة، والمقايضة، والتعاون المشترك في الإنتاج الزراعي، وهو ما يُعرض بإيجاز فيما يلي:
1- التجارة
تملك باكستان قدرة تجارية جيدة تتناسب مع احتياجات إيران الاستيرادية في منتجات مثل الأرز واللحوم والذرة. وهذه القدرة التصديرية، التي تحظى أيضًا باهتمام المسؤولين الباكستانيين، تُعرض فيما يلي:
- الأرز
تتجاوز القدرة التصديرية للأرز الباكستاني 4 ملايين طن، في حين تصل حاجة إيران الاستيرادية في بعض السنوات إلى 1.5 مليون طن. وحاليًا، يُستورد ما يقرب من 30 في المئة من أرز إيران من باكستان، مع وجود إمكانية لتأمين 100 في المئة منه. وتحتاج واردات الأرز من باكستان إلى مدة تتراوح بين 7 و10 أيام، وهي مدة أقصر بأسبوعين من الاستيراد من الهند.
- اللحوم الحمراء
تملك باكستان قدرة إنتاج سنوية تتجاوز 3 ملايين طن من مختلف أنواع اللحوم الحمراء، وتُصدّر 80 ألف طن إلى كل من السعودية والإمارات وقطر. وتستغرق عملية إيصال اللحوم المستوردة من باكستان إلى السوق أسبوعًا واحدًا، وهو ما يتمتع بأفضلية واضحة على مدة الستين يومًا اللازمة للاستيراد من البرازيل.
كما أن وجود اتفاق IHR بين إيران وباكستان بشأن الالتزام بالبروتوكولات البيطرية يشكل ضمانة لاستيراد المواشي واللحوم الطازجة السليمة وذات الجودة العالية عبر هذا المسار الآمن والمستدام.
- الذرة
إن النمو البالغ 4.5 ضعف في إنتاج الذرة في باكستان بين عامي 2000 و2020، يدل على القدرة المناسبة لهذا البلد على تأمين جزء من حاجة إيران الاستيرادية من الذرة، سواء عبر الشراء، أو تحميل الطلب، أو الزراعة التعاقدية على الذرة الباكستانية للمواسم الزراعية المقبلة.
2- المقايضة بوصفها أداة تبادل مستدامة
تُعدّ باكستان من مستوردي الغاز المسال وسماد اليوريا في المنطقة. وتُصدّر إيران سنويًا ما يقارب 700 مليون دولار من الغاز المسال إلى باكستان، وهو ما يمثل مصدرًا مناسبًا لمقايضة هذه القيمة مع احتياجات إيران الاستيرادية من الأرز واللحوم والذرة. وبهذه الطريقة، تُحل مشكلة التسوية المالية والحاجة إلى عملة وسيطة.
ويُعزى 50 في المئة من إنتاجية المحاصيل الزراعية في العالم إلى سماد اليوريا، وقد أدت الحرب في مضيق هرمز إلى إحداث اضطراب خطير في تأمين اليوريا للدول المستوردة. وتنتج إيران سنويًا 8 ملايين طن من اليوريا وتُصدّر نحو 5 ملايين طن منها.
وتشكّل صادرات إيران من اليوريا، إلى جانب قدرتها على التحكّم بتدفقها عبر مضيق هرمز، أداتين أساسيتين لتلبية احتياجات باكستان من هذه المادة، في مقابل طلب إيران استيراد المنتجات الأساسية من باكستان.
3- التعاون المشترك في الإنتاج
تمثل مساحة 9/1 مليون هكتار غير المزروعة في باكستان أحد الخيارات التي تتيح أرضية للتعاون المشترك في الإنتاج وتأمين المنتجات الأساسية التي تحتاج إليها إيران، ومنها كامل احتياجاتها من فول الصويا ونصف احتياجاتها المستوردة من الذرة.
وينبغي أن تبدأ هذه السياسة عبر مشاورات بين الحكومة والقطاع الخاص في البلدين من أجل موسم الزراعة المقبل.
ويختلف هذا النموذج عن الزراعة العابرة للحدود بالمعنى المتعارف عليه. فهنا يجري زراعة وانتاج المحصولات التي تحتاج إليها إيران داخل باكستان، مع ربط ذلك بتأمين بعض احتياجات باكستان الاستيرادية من إيران، مثل الخضروات والفواكه، في إطار ترتيبات إنتاجية طويلة الأمد.
ومن شأن إيجاد مثل هذا الاعتماد المتبادل أن يرفع كلفة الخروج الأحادي من الالتزامات، وأن يسهم في تأمين آمن ومستدام للمنتجات الأساسية.
