أنت رستم الجبّار!
سيّد عطاءالله مهاجراني
بعض الأناشيد أو الأغاني التاريخية والتراثية، تصبح ترجمةً صادقة لما يغلي في أعماق المجتمع ويتدفّق منه لأنها تعبّر بدقة عن حال الناس وظروف اليوم، كما أن مثل هذه الأناشيد تسري في فكر الناس وألسنتهم ووجدانهم.
يُردّدها الجميع همسًا، ثم تتحوّل إلى شعار وطني. ومن ذلك نشيد «أنت رستم الجبّار!»، الذي كتب كلماته رجل الدين الشاب حجةالإسلام طاهري، وأنشده مهدي رسولي وآخرون. ونحن أيضًا نردّده في خلوتنا وعلننا.
بالنسبة لي، كان هذا النشيد بمثابة نافذة، أو مدخل، لفهم إيران وشعبها، وأودّ أن أطرح بعض النقاط الجديرة بالتأمل:
أولًا:
يُعدّ الشعب الإيراني من بين قلّة من الشعوب التي يبدأ تاريخها بالأساطير. ففي هذه الأساطير، يُعتبر كيومرث أول إنسان إيراني، ومن خلالها تتشكّل رؤيتنا للحياة. كما أنّ "رستم دستان" هو بطلنا الأسطوري الأبرز.
يمتلك "رستم" صفاتٍ استثنائية، حتى إن الكاتب والمفكر الإيراني "شاهرخ مسكوب" يرى أنّها ليست واقعية، بل يكاد يكون وجود إنسان بهذه الخصائص مستحيلًا؛ فهو «أسد لم يُخلق مثله»، بطلٌ تبلغ زنة هراوته مئات الكيلوغرامات، وإذا وطئت قدمه الأرض غاصت في التراب حتى قرب الركبة، وطعامه حيوانٌ بريّ مشويّ كامل، وسيخ كبابه جذع شجرة... يصعد إلى السماء مع "أكوان ديو"، ويقتل ابنه سهراب في صراعٍ بين عاطفة الأبوة ومثال حبّ الوطن.
هذه القصة لم تُفسَّر حتى اليوم كما ينبغي. وبحسب ما يورده "شاهرخ مسكوب" في كتاب "مقدمة على قصة رستم وإسفنديار": «لم يكن هناك إنسان عاش ستمئة عام، ولا جسدٌ لا يُخترق، ولا طائر سيمرغ يُنقذ أحدًا؛ لكن حلم الخلود كان دائمًا حاضرًا، وكذلك الأمل بالعون الغيبي في أوقات العجز. ورغم أنّ هذه العناصر غير واقعية، فإنها تعبّر عن حقيقة أعمق: إنها تجسيد مبالغ فيه لآمال الإنسان في صورة أبطال خياليين. فرستم، وإن لم يكن واقعيًا، إلا أنه أكثر تعبيرًا عن روح الإنسان من أي شخصية حقيقية؛ إنه صورة لمشاعر أمّة وطموحاتها. ليس التاريخ كما وقع، بل كما كان يُرجى أن يكون. ومن هذا المنطلق، فإن أسطورة رستم أصدق في التعبير عن روح الأمّة من كثير من وقائع التاريخ».
إنّ الشعوب التي تمتلك تراثًا أسطوريًا، كإيران والهند، تعبّر عن آمالها ومُثلها عبر هذه الأساطير. فالأسطورة هي تاريخ الأمنيات، والتاريخ كما يُراد له أن يكون.
ولا شكّ أنّ الشاهنامه، مقارنةً بـ«الإلياذة» و«الأوديسة» لـهوميروس، وكذلك «رامايانا» الهندية، أكثر عمقًا وإنسانية وإشراقًا. وعندما نقرأ قصص رستم، رغم بُعدها الأسطوري، نشعر أننا نعيش معه.
وفي وصفٍ شعري لرستم في وحدته، وهو يعزف قرب نبع ماء، يمكن صياغة المعنى على نحو أدبي سليم:
أمسك تهمتن ذلك في حضنه،
وضرب على العود وشرع في الكلام.
إنّ علامة رستم كان أنّه في سفر دائم،
وأنّ نصيبه من أيام الفرح قليل.
كل مكان ميدان حرب له،
والصحراء والجبال هي بستانه.
ولهذا ظلّ الإيرانيون، عبر قرون، يصغون إلى رواة الشاهنامه في البيوت والمقاهي. ومازلت أذكر قارئ الشاهنامه في قريتنا، وكيف كان الناس يبكون عند مقتل سهراب أو سياوش.
وفي أصفهان، كان "مرشد عباس زريري" (1282–1350هـ.ش / 1903–1971م) يقرأ الشاهنامه أمام حشود كبيرة. كان الناس يصمتون تمامًا، والأنفاس محبوسة. وكان مشهد مقتل سهراب يُبكي الجميع كما لو أنه عاشوراء جديدة.
هكذا امتزجت الشاهنامه بحياة الناس، وأصبحت جزءًا من وجدانهم، خاصة في القرى والعشائر. وكأنها كانت مصدر عزاء وقوة للأمّة.
إيران باقية، ورستم رمز هذه البقاء. إنه تجسيد للأمل والقوة والقدرة. وفي أوقات الحرب، يزداد حضور الشاهنامه في الوعي الشعبي.
ثانيًا:
عندما بدأت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني قصف إيران في حرب رمضان المفروضة، واستُشهد في اليوم الأول من العدوان قائد الثورة الإسلامية الشهيد الإمام الخامنئي إلى جانب عدد من كبار القادة العسكريين، ومع استمرار القصف، اندفع الشعب الإيراني إلى ساحة المواجهة.
لقد أدهش هذا الحضور الجميع. ففي الحروب، خاصة غير المتكافئة، من الطبيعي أن يفرّ الناس من المدن؛ لكن ذلك لم يحدث في إيران، بل بقي الناس، وعاد كثير من المغتربين إلى وطنهم.
وعندما هدّد ترامب بتدمير محطات الطاقة والجسور، تجمّع الناس حولها، وشكّلوا سلاسل بشرية لحمايتها. وباختصار، كان الشعب حاضرًا في قلب المواجهة، حيث امتزجت ساحة الصراع بالشارع، وأصبح الجميع جزءًا من المعركة.
وكان النشيد:
«أنت رستم الجبّار
اضرب، فإنّك تُحسن الضرب».
تعبيرًا عن هذا الالتحام بين الشعب والمواجهة.
وعندما هدّد ترامب بإعادة إيران إلى «العصر الحجري»، واستهدف المراكز العلمية مثل معهد باستور، أدرك الإيرانيون أن العداء موجّه إلى حضارتهم وثقافتهم، لا إلى نظامهم فقط.
إيران، بشعبها الكبير، لا يمكن أن تخضع. وقد أنهت الثورة الإسلامية حلم الهيمنة عليها. وكان حضور الشعب، كرمز رستم الجبّار، مصدر قوة وصمود.
إنّ إيران، بوصفها دولةً كبيرةً مقتدرة، وبشعبٍ يناهز تعداده مئة مليون نسمة، لا يمكن أن تكون خاضعةً لأوامر الولايات المتحدة أو أن تبقى كذلك. ومن وجهة نظر واشنطن، كان ينبغي أن يكون نظام الحكم في إيران شبيهًا بنظام حكم بهلوي، حتى يصحّ ما قاله الشاه، بحسب ما ورد في مقدمة كتاب «الردّ على التاريخ»: «إنني أتعجب من الأمريكيين، لماذا عاملوني بهذه الطريقة؟ لقد نفّذت كل ما أرادوه!».
لا تزال الولايات المتحدة تطمح إلى الهيمنة على إيران، وعلى مواردها النفطية، والتدخل في شؤونها الداخلية. غير أنّ الثورة الإسلامية أطاحت بهذا الوهم.
لقد منح حضور الشعب الإيراني في الساحات والشوارع -كأنه رستم الجبّار- النظام قدرةً على الصمود والتحمّل. ونقل الشعب الإيراني بلاده من حيّز التاريخ إلى حيّز الأسطورة. وهذا الإنجاز يُفسَّر على مستوى العالم بدلالات أخرى.
