سدٌّ استراتيجي في مواجهة التوغل الصهيوني
رداً على اعترافه بـ«صوماليلاند».. الصومال تغلق باب المندب وتخنق الاحتلال
/ في مطلع عام 2026، دخل العالم مرحلة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، بعدما فجّر كيان الاحتلال أزمة غير مسبوقة باعترافه بإقليم «أرض الصومال» كدولة مستقلة، وهو ما رفضته غالبية الدول العربية. هذا الاعتراف لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية، بل تحوّل إلى شرارة أشعلت سلسلة من التوترات امتدت من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، وأدت إلى أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة. في قلب هذه الأزمة يبرز باب المندب، المضيق الاستراتيجي الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، والذي أصبح محوراً للصراع الدولي، إذ أعلنت دولة الصومال حظر مرور السفن الصهيونية عبره، لتضع نفسها في قلب معادلة جيوسياسية معقدة.
وهكذا تتجه الأنظار حالياً إلى باب المندب والبحر الأحمر، حيث تسود مخاوف واسعة في المنطقة والأسواق العالمية على إثر ما أعلنته حكومة الصومال باستهداف السفن الصهيونية التي تعبر هذا الممر التجاري البحري، الذي يُعتبر الثاني من حيث الأهمية بعد مضيق هرمز.
الصومال .. سدٌ أمام التغلغل الصهيوني
حين نتأمل في خريطة القرن الإفريقي، ندرك أن الصومال ليست مجرد دولة تقع على أطراف المحيط الهندي وخليج عدن، بل هي عقدة استراتيجية تربط بين طرق التجارة العالمية، وممرات الطاقة، وخطوط الملاحة التي تصل الشرق بالغرب. ولموقعها الاستراتيجي نجد محاولات العدو الصهيوني للتغلغل فيها وإيجاد نفوذ له في المنطقة، وذلك عبر الاعتراف بإقليم «أرض الصومال» الذي أعلن استقلاله عام 1991 دون أي اعتراف دولي به، والإقليم يقع على طول خليج عدن بالقرب من مدخل مضيق باب المندب، وهو ممر مائي رئيسي يمر عبره ما يقرب من ثلث حركة الشحن العالمية.
فالكيان الصهيوني منذ عقود يحاول بناء علاقات مع دول القرن الإفريقي، سواء عبر التعاون الأمني أو عبر مشاريع اقتصادية ظاهرها التنمية وباطنها السيطرة. وقد نجح في إقامة علاقات مع إثيوبيا وإريتريا، مستفيداً من حاجتهما إلى الدعم العسكري والتقني. لكن الصومال، بحكم خصوصيتها الدينية والثقافية، بقيت عصية على هذا التغلغل، رغم محاولات متعددة لاختراقها عبر بوابات إنسانية أو تجارية أو أمنية.
الحكومة الفيدرالية في الصومال وقفت أمام هذا التغلغل الصهيوني ورفضت اعتراف كيان الاحتلال بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي وتعيين سفير له فيها، وأعلنت حظر مرور السفن الصهيونية عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي، وحذّر السفير الصومالي لدى إثيوبيا والاتحاد الأفريقي، عبد الله ورفا، من أن «أيّ دولة تتدخّل في الشؤون الداخلية للصومال وتضرّ بسلامة أراضيها وسيادتها ستواجه عواقب وخيمة، بما في ذلك فرض قيود محتملة على الوصول إلى مضيق باب المندب».
والصومال رغم ضعفها العسكري، إلا أنها وجدت نفسها فجأة في قلب معادلة جيوسياسية كبرى. إعلانها حظر مرور السفن الصهيونية عبر باب المندب جعلها لاعباً سياسياً في المنطقة والأزمة الحالية، هذا الموقف قد يفتح أمامها احتمالات جديدة أبرزها تحالفات جديدة كما أنه ومن المؤكد أنها ستتعرض لضغوط دولية فالولايات المتحدة والدول الغربية قد تمارس ضغوطاً على مقديشو للتراجع عن قرارها.
ومن أجل مواجهة الخطر الصهيوني، تحتاج الصومال إلى بناء شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية التي تدعم موقفها. هذا يشمل التعاون مع الدول العربية والإفريقية، إضافة إلى الاستفادة من التوازنات الدولية التي قد تمنحها هامشاً للتحرك.
القرار الصومالي رسالة تحدي للكيان الصهيوني
وهكذا مثل إعلان كيان الاحتلال اعترافه بـ«أرض الصومال» كدولة مستقلة تحدياً مباشراً لوحدة الصومال وسيادته. وردّ مقديشو جاء سريعاً بإعلان حظر مرور السفن الصهيونية عبر باب المندب، وهو قرار يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه إجراءً عملياً قابلاً للتنفيذ، إذ أن القدرات العسكرية المحدودة، فالصومال لا يمتلك قوة بحرية أو جوية قادرة على فرض الحظر فعلياً، ولكن الرسالة السياسية يظهر القرار يعكس رفضاً قاطعاً لأي تدخل في سيادة الصومال، ويضع مقديشو في مواجهة مباشرة مع العدو الصهيوني.
باب المندب.. الجغرافيا التي تصنع السياسة
يُمثل مضيق باب المندب بوابة الدخول إلى البحر الأحمر وقناة السويس. هذا الموقع الجغرافي جعله أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره يومياً ناقلات النفط والغاز والبضائع القادمة من آسيا إلى أوروبا وأميركا. الأهمية الاقتصادية للمضيق تكمن في أنه يمر عبره أكثر من 10% من تجارة النفط العالمية، إضافةً إلى ملايين الأطنان من البضائع. أمّا الأهمية الاستراتيجية له تكمن في أنه يُعد جزءاً من سلسلة مترابطة تشمل قناة السويس ومضيق هرمز، ما يجعله محوراً أساسياً في الأمن البحري العالمي. وأهميته السياسية تقوم على أن أي اضطراب فيه ينعكس مباشرةً على الاقتصاد العالمي، ويضع القوى الكبرى أمام تحديات أمنية واقتصادية.
باب المندب..التاريخ يعيد نفسه
ليس جديداً أن يكون باب المندب محوراً رئيسياً في قضايا المنطقة بسبب موقعه الاستراتيجي. ففي حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، أغلقت مصر واليمن المضيق أمام السفن الصهيونية، ما شكّل ضغطاً كبيراً على كيان الاحتلال، واليوم، يتكرر المشهد بشكلٍ مختلف، حيث تعلن الصومال الحظر، لكن بقدرات محدودة، في ظل سياق عالمي أكثر تعقيداً.
التداعيات الاقتصادية العالمية
إغلاق مضيق هرمز بالتزامن مع تهديدات في باب المندب، خلق أزمة اقتصادية غير مسبوقة. فالعالم يعتمد على هذه الممرات البحرية بشكلٍ أساسي، وأي اضطراب فيها يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة إذ يصبح كل من النفط والغاز أكثر تكلفة بسبب صعوبة النقل، وكذلك زيادة تكاليف الشحن والتأمين فشركات النقل البحري ستضطر لدفع مبالغ مضاعفة لتأمين سفنها، وكذلك ستتعطل سلاسل التوريد فالبضائع والمواد الخام ستتأخر في الوصول، ما يرفع معدلات التضخم عالمياً، والانعكاسات على الدول المستوردة للطاقة والغذاء ستكون كبيرة.
ختاماً الأزمة الراهنة تكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام التوترات الجيوسياسية. فباب المندب، رغم صغر مساحته، يحمل وزناً استراتيجياً هائلاً، وإغلاقه أو حدوث اضطرابات أمنية فيه سينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتجارة الدولية. الصومال، بقرارها حظر مرور السفن الصهيونية، وضعت نفسها في قلب هذه الأزمة، لتصبح لاعباً سياسياً رغم ضعفها العسكري. ومع استمرار التوترات في البحر الأحمر والخليج الفارسي، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة جديدة، حيث تتحول الممرات البحرية إلى ساحات للصراع السياسي والعسكري، وتصبح الدول الصغيرة مثل الصومال جزءاً من معادلة أكبر تُحدد مستقبل الاقتصاد العالمي. وهكذا رغم ما تواجهه الصومال من تحديات، تقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة. فالتوغل الصهيوني في القرن الإفريقي ليس مجرد خطر عابر، بل هو مشروع استراتيجي يُهدد الأمن القومي العربي والإفريقي، ويستهدف السيطرة على الممرات البحرية التي تُشكل شريان الاقتصاد العالمي.
