تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
«الشهادة»؛ الجوهرة اللامعة في هُويّة إيران
تشكّلت الثورة الإسلامية الإيرانية في ظروفٍ لم يكن منظّرو العالم يتوقّعون فيها أن يعود اسم الله إلى الواجهة مرة أخرى، وأن يصبح منشأً للآثار والتحولات الفكرية والسياسية، وأساسًا لثورة؛ لكن «شهداءنا أعادوا، في ظلمات هذا العصر المادي، إحياء ثقافة الشهادة التي تمثل أعلى مستوى من الفداء من أجل الآمال الإنسانية، وأروا نور النجاة للبشر أصحاب الفطرة الطاهرة والطالبين للحق. وإذا أُخذ هذا الدرس العظيم على وجهه الصحيح، فإن جميع أسلحة الذهب والقوة ستتعطل، وستغدو أدوات الهيمنة العالمية للسيطرة على المجتمعات البشرية غير فاعلة.»
وكان القائد المعظّم للثورة من مروّجي هذه الثقافة في سنوات غلبة الثقافة الغربية على الأدبيات الرسمية لحكّام إيران. يقول: «كنت قبل الثورة أصلّي في مسجدٍ في مشهد وأتحدّث للناس، وكان الشباب يجتمعون أيضًا. في ذلك الوقت لم تكن الشهادة متاحة ورخيصة كما كانت بعد الثورة؛ ولكن كان عندنا شهداء. كنت أقول لهم: يا شباب! يا إخوان! الشهادة موتٌ تجاريّ، وموتُ الأذكياء. هذه الهدية، لمن يعطيها الله؟ إن الله لا يعطي هذه الهدية بثمن بخس؛ بل يعطيها لأولئك الذين يجاهدون في سبيله.»
دافعٌ ثمين
إنّ نظرةً إلى حياة شهداء الثورة الإسلامية تُظهر أن أغلبهم، مع أنهم كانوا يملكون إمكانات مادية واقتصادية محدودة، قد واجهوا بأيدٍ خالية ولكن بقلوبٍ مفعمة بالإيمان نظامًا كان يستند إلى دعم قوةٍ عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية. وكان سلاحهم الأساسي هو إيمانهم وقضيتهم. وكانت الأسس الفكرية للشهداء متجذرة في إيمانٍ عميق بالإيثار وطلب الشهادة. ولهذا كان القائد الشهيد للثورة الإسلامية، حين يعرّف «الشهيد»، يشير إلى عمقه المعرفي، فيقول: «فيما يتعلق بالشهادة؛ إن عنوان «الشهيد» عنوانٌ لا ينبغي المرور عليه بسهولة. ففي كلمة «شهيد» مجموعة من القيم الدينية والوطنية والإنسانية كامنة. وحين تقولون «شهيد»، فهذه الكلمة في الحقيقة كتاب؛ ففيها مجموعة من المعارف الدينية، ومجموعة من المعارف الوطنية، ومجموعة من المعارف والمكارم الأخلاقية؛ إنها كلمة بالغة الأهمية. وأنتم ترون وتسمعون أن بعض شهدائنا كانوا يتمنّون الشهادة بعشق؛ لقد ألقى الله المتعال نورًا في قلوبهم، وبهذا النور كانوا يرون حقيقةً ما، ولذلك كانوا عشّاق الشهادة.»
مراقبةٌ دائمة
إنّ طريق الشهادة هو طريق أسمى مراتب الإنسانية. وفي مرحلة النضال، كان هناك أناسٌ خطوا خطواتهم بدافع الطمع في الشهادة ومن أجل مقارعة الطاغوت؛ لكنهم انحرفوا في أثناء الطريق. وقد بيّن القائد الشهيد للثورة(رض)، في لقاءٍ مع جمعٍ من المناضلين، مشيرًا إلى هذا الأمر، أن قاعدة هذا الطريق هي الحركة وفق المؤشرات الدينية، فقال: «هذا الطريق المليء بالمنعطفات ــ طريق الله ــ له تشعّبات كثيرة جدًا. كثيرون يبذلون الجهد في الدين لكي يجدوا الطريق بحسب ظنهم وبحسب أذهانهم؛ ولذا يضيعون في هذه الأزقّة المتشعّبة. أمّا حين يكون دين الله هو الحاكم وهو المعيار، فإننا لا نخطئ، وحتى إن أخطأنا فإن خطأنا معذور، والوصول إلى الهدف حتمي. وإذا مات الإنسان في وسط الطريق، فقد وصل إلى الهدف؛ وإذا وصل إلى الغاية، فقد وصل، وأرضى الله تعالى عنه.»
وأشار القائد الشهيد إلى أن «الربح الحقيقي إنما هو في طريق الله. والفوز والمكسب الحقيقي إنما هو في سلوك طريق الله؛ ولكن بالجهاد.» ثم استذكر رفاقه الشهداء، وقال: «بعضنا ذهبوا قبلنا وأفضل منّا، واستُشهدوا. الشهيد إسلامي والشهيد درخشان والشهيد لاجوردي والشهيد عراقي، وكثير من الأصدقاء الذين كنّا دائمًا معهم في تلك الجلسات وتلك الحوارات، مضوا؛ وتلك القافلة مازالت مستمرة على هذا النحو، وقد جعلت هذه الدماءُ محرّكها أسرع وأحدّ. نسأل الله أن تكون عاقبتنا وعاقبتكم أيضًا مثل عاقبة أولئك الرفاق.»
روحٌ خاصة
لم تصنع الشهادة صورة المسلم الإيراني في الأذهان على نحوٍ سامٍ فحسب، بل صاغت لهم أيضًا هُويةً مشبعةً بالشجاعة والصمود وطلب المبدأ. فالشهيد، بتجاوزه الأنا، وبضربه صفحًا عن الدنايا، قد أهدى أمّته الغيرة والشجاعة. ومن هنا، فإن حتى أولئك الذين لا يسعون هم أنفسهم إلى الشهادة، مولعون بالشهداء؛ لأنهم تجاوزوا التعلقات وفازوا بالخلود. ولذلك فإن الشهيد وثقافة الشهادة يشكّلان الأعمدة الراسخة لهُويتنا الوطنية.
ولكن ما يُبقي هذه الثقافة حية هو روح طلب الشهادة: «إذا كانت في أمّةٍ روحُ استقبال الموت والشهادة، فإن تلك الأمّة ستنتصر.». إنها روح تنبع من معتقداتٍ عميقة، وتوقد في القلب شوق الوصول إلى المعبود: «كان الشهيد سليماني يقول: أنا أجري في الصحارى وراء الشهادة، أبحث عنها. هدّدوه بأنّك ستُقتل، فقال: أنا أبحث عنها في الصحارى، وأقطع المرتفعات والمنخفضات من أجلها؛ فهل تهددونني أنتم؟ بعض الناس لم يفتحوا من هذا الكتاب إلا صفحةً واحدة، ولكن تلك الصفحة نفسها جذبتهم، وجعلتهم عشّاقًا.»
شوقٌ دائم
لقد كانت روح طلب الشهادة هذه حالةً متصلةً عنده؛ منذ اليوم الذي رأى فيه نوّاب صفوي في مدرسة سليمان خان، وكان يذكر ذلك بهذا النحو: «رأيت أننا جميعًا نريد بشوقٍ أن نستشهد! مع أنكم تعلمون أن ثقافة الشهادة وطلب الشهادة لم تكن موجودة آنذاك أصلًا داخل المجتمع.» وحتى الزمن الذي قال فيه، بعد نهاية الحرب الصدّامية المفروضة، في جمعٍ من التعبويين: «إن مسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالروح نفسها، روح طلب الشهادة التي دخلوا بها ساحة الثورة... دخلوا بها ساحة الحرب، أي بروح الاستعداد للقتل في سبيل الله، والثبات حتى آخر قطرة دم في سبيل آمال الثورة الإسلامية، قد وقفوا بحزمٍ وقدرة.»
وقد كان قد أوجد هذه الروح في أمّته أيضًا على نحوٍ لم يقتصر على ميدان الجهاد العسكري. «... سواء شهداء الساحة العسكرية، أو شهداء الساحة العلمية، أو عامة أبناء شعبنا الأعزاء الذين التحقوا بركب الشهداء في هذه الحرب المفروضة التي استمرت اثني عشر يومًا. أولئك الذين كنّا نعرفهم عن قرب، نستطيع أن نشهد بأن حياتهم كانت جهادًا من رأسها إلى أخمصها؛ كانوا يفكرون في الجهاد. لم يكن لديهم تأمّلٌ أو توقّفٌ في طريق الله، بل كانوا يعملون؛ وكانت الشهادة أملهم؛ نعم، كان أملهم الشهادة. سواء الشهداء العسكريون أو الشهداء العلميون ــ وهؤلاء كنت أعرف بعض العلماء منهم عن قرب ــ كانوا عشّاق الشهادة، وكانوا ينتظرون الشهادة.»
الآباء والأمّهات صانعو الهُويّة
لا يمكن تجاهل أن تشكّل هذا الشوق، إلى جانب وجود قادةٍ طالبي شهادة، إنما ينمو أولًا في حضن الأسرة الطاهر، ثم يتربى ويتكامل في التفاعل مع المؤسسات الاجتماعية. فالأسر، بتربية أبناءٍ مؤمنين، شجعان، متيمين بالآمال الإلهية، هي حملة مشاعل هذا الطريق المنير.
«الشهيد والشهادة من جملة الأمور التي تُبرز الهُويّة الوطنية وترفع من منزلة الهوية الوطنية. لقد نال الشعب الإيراني العظمة في أعين أولئك الذين بلغتهم هذه الأخبار ــ وإن كان تضليل وضوضاء إعلام العدو لا يتيحان وصول كثير من الأمور إلى أسماع الناس في العالم، إلا أن الذين وصلتهم لم يكونوا قليلين، بل كانوا شعوبًا كثيرة ــ وقد نال هذه العظمة بسبب ماذا؟ بسبب الشهيد. ليس لمجرد الحرب؛ فالحروب موجودة في أماكن كثيرة؛ بل بسبب هذه التضحيات التي تُخرج الشهيد من بين ثناياها؛ وبسبب هذه الأسر؛ أسر الشهداء، هؤلاء الآباء، هؤلاء الأمّهات؛ بسبب هؤلاء. وكلما تسرّب خبرهم إلى الخارج، صنع لهذا الشعب عظمة؛ ولذلك فإن الشهيد يجعل الهوية الوطنية متألقة، يبرزها، ويرفع منزلتها.»
وأشار القائد الشهيد إلى المعاني السامية الموجودة في وصايا الشهداء، التي تحدّثت عن اختيارٍ واعٍ لهذا الموت، فقال مؤكدًا: إن «الإنسان حين يرى آباءهم وأمّهاتهم أحيانًا، يرى آثار تلك البصيرة في الأسرة كلها؛ أصلًا إن نور الشهادة متلألئ في كل أسرة، وهذه الأسرة تكون لها حالٌ أخرى.» إنها الأسرة التي رأى القائد الشهيد أن مهمتها مستمرة، فقال: «إن هذه الأسر قد أبقت حقًا مصباح الشهادة مضاءً.»
تميّز شهدائنا
كان قائد الثورة الشهيد الإمام الخامنئي(رض)، الذي أصبح سيد شهداء الثورة الإسلامية، يمتلك تحليلًا خاصًا لشهداء الثورة الإسلامية، إذ قال: إن «للشهداء جميعًا رتبةً عالية، غير أن مراتب الشهداء ليست واحدة؛ وأنواع الشهداء الذين استُشهدوا في الثورة الإسلامية ــ مجموع الشهداء، سواء أولئك الذين استشهدوا في أحداث الثورة، أو أولئك الذين استشهدوا في الدفاع المقدس، أو الذين استشهدوا في الفتن، أو الذين استشهدوا في مجالات الأمن أو الصحة، أو الذين استشهدوا في الدفاع عن الحرم ــ هؤلاء من ضمن الأفضل، ومن ضمن الشهداء الأرفع عند الله تعالى؛ لماذا؟ لأنهم دافعوا عن تيار، واستشهدوا في حادثةٍ تتصدر كثيرًا من حوادث تاريخ الإسلام وتاريخ جميع الأديان؛ وما هي؟ إنها حادثة إنقاذ البلد الإسلامي وإنقاذ عالم الإسلام من التبعية والاضمحلال والذوبان في ثقافة الكفر وثقافة الاستكبار، وهذا ما وقع في الثورة الإسلامية.»
إنّهم شهداء كان دم بعضهم يثير أحيانًا ثورةً في قلوب الناس: «لقد قلت مرارًا إن الشهداء مازالوا حتى اليوم يثبتوننا في هذا الطريق. فكلما لانت عزائمنا قليلًا، أعادنا اسم شهيد، أو حركة شهيد، أو قيام شهيد، أو شهادة شهيد، إلى الوقوف والثبات والنشاط. فعندما يُستشهد الشهيد سليماني، فإنه يجدد قوى الأمّة، ويحيي الثورة من جديد.»
الجهاد من أجل حفظ ونشر ثقافة الشهادة
إنّ الرصيد المعنوي لـ«الشهادة»، الذي كان له هذا الدور في دفع الثورة الإسلامية الإيرانية إلى الأمام، يحتاج إلى صيانةٍ وإبقائه حيًا؛ وهذا مما كان من توصيات القائد الشهيد للثورة الإسلامية المتكررة: إن «السبب في بقاء هذا النظام، وفي أن هذه الشتلة لم تذهب وتفنى، وأنها تحولت بحمد الله إلى هذه الشجرة الوارفة، هو تلك التضحيات والإيثارات وطلب الشهادة والدخول إلى الميدان؛ وهذا يجب الحفاظ عليه.»
ومن الحلول التي طرحها القائد الشهيد، إقامة مجالس إحياء ذكرى الشهداء: إن «مجالس الإحياء هي استمرار للحركة الجهادية واستمرار للشهادة. وهذه المجالس التذكارية التي تقيمونها ــ وهي ذات قيمة كبيرة جدًا ــ ليست مجرد مجلس عزاء مهيب؛ بل إن لهذه المجالس مضامينها الخاصة؛ يجب أن تُفسّر الشهادة، وتعرّف بالشهيد، وتجعل ثقافة الشهادة راسخةً في المجتمع.». «ويجب أن تكون هذه الإحياءات قادرةً على تمهيد الطريق الذي سار فيه الشهداء، وأن تضمن استمرار هذا الطريق لشبابنا، وللأجيال الجديدة المتعاقبة التي تحضر إلى الميدان.»
إن المسار الآخر هو رواية هذه الثقافة في قوالب فنية مختلفة. فقد قال قائد الثورة الشهيد بعد فترةٍ وجيزة من نهاية الدفاع المقدس، في جمعٍ من أهل الأدب والفن: إن «تلك السنوات الثماني من الحرب ينبغي أن تغذّي تاريخنا. يجب أن نستفيد من تلك السنوات الثماني من الحرب، ومن كل ما جرى فيها، تلك الروح المقاومة، وذلك الروح الفدائي المقرون بالإخلاص [وأن نستخدمها] وفي إظهار هذه النقاط، وإجراء هذه الروح في طول تاريخنا وامتداده، يجب أن يُبذل جهدٌ كبير جدًا.»
وقد كان هذا الأمر جليًا تمامًا في تقاريظه المتكررة على الكتب التي روت حياة الشهداء. وكانت كتابة الملاحظات على الكتب سنّةً قديمةً عنده: «أنا غالبًا ما أكتب بضعة أسطر في حواشي الكتب التي أطالعها على سبيل الملاحظة.».
ولكن منذ مرحلةٍ معينة، أُذن بنشر آرائه الداعمة للكتب التي كانت تروّج لثقافة الشهادة، بوصف ذلك أحد العوامل المؤثرة في تعزيز هذه الثقافة على نحوٍ ملحوظ، بل إنّه كان أحيانًا يشجّع أعمالًا فنيةً مكمّلة، فقال: «هذا كتابٌ مصدرٌ غنيّ وقيم للغاية، يمكن استخراج عشرات الكتب والسيناريوهات والسير الذاتية منه. إن اللحظات والحالات المسجلة في جميع أنحاء هذا الكتاب هي عين تلك الدقائق المدهشة التي نشأت من مجموعها اللوحةُ المهيبة الباذخة لعملياتٍ مثل الفتح المبين وبيت المقدس، وأظهرت أرقى فنون الجهاد والإيثار والشجاعة والابتكار في معرضٍ لا نظير له لفنون الثورة الإسلامية.»
يا للخسارة...
إنّ خط الشهادة في الثورة الإسلامية له تاريخه الخاص. فقد بقي هذا الطريق المقدس ممهّدًا بدماء الشهداء الأطهار الذين بذلوا أرواحهم من أجل تثبيت النظام الفتي للثورة الإسلامية، وفي السنوات الثماني من الدفاع المقدس غدا هذا السبيل النوراني ميدانًا لأروع الملاحم التي صنعها مجاهدو الإسلام؛ لكن «في اليوم الذي أعلنا فيه قرار وقف إطلاق النار عام 1367هـ.ش (1988 - 1989م) ظلّ حزنٌ يهيمن عليّ لبضعة أيام؛ طبعًا لم يطل ذلك كثيرًا، لأن العراق هاجم مرةً أخرى بعد القرار واحتل بعض المناطق، فانفتح هذا الطريق من جديد؛ وأنا أيضًا لم أبقَ في طهران، بل ذهبت إلى هناك؛ إلى أن انتهى الأمر تدريجيًا، ونفّذ الشباب عملياتهم، وردّوا العدو إلى الوراء، وعادت الحال إلى ما كانت عليه. [وبعد ذلك،] لم يكن متصورًا أن يبقى هذا الباب [باب الشهادة] مفتوحًا لعباد الله؛ لكن عددًا من عباد الله المخلصين نالوا الشهادة في هذه المدة. وإنه حقًا لخسارة أن يرحل أمثال همداني، وكاظمي، وصياد عن الدنيا بغير الشهادة، وأن يموتوا مثل الناس العاديين.»
وقد استُعمل هذا التعبير كذلك في حق مناضلين آخرين، وغالبًا ما كان مقترنًا بطلب هذا المصير. فعندما أُقيم مؤتمرٌ لإحياء ذكرى شهيد المحراب آيةالله مدني بعد عشرين عامًا من استشهاده، قال قائد الثورة الشهيد: إن «الشهادة والأجر والمقام الإلهي الكبير كانت حقًا جزاء الله لهذا الرجل، وكان من المؤسف أن يموت على فراشه. نسأل الله تعالى أن يتفضل علينا ويقدّر لنا نحن أيضًا هذا الطريق، طريق الشهادة، مع أننا لا نملك القابلية.»
وكان مصير الشهداء موضع غبطةٍ دائمة لديه. فعلى سبيل المثال، حين أشار أحد طلاب جامعة تربيت مدرس، في جلسة سؤال وجواب معه، في سؤالٍ انتقادي إلى استشهاد السيد أسدالله لاجوردي، وسأل عن بعض المناضلين الآخرين وهل سيكون مصيرهم كذلك أيضًا، كان الجواب: «بالطبع إن مصيره موضع غبطتنا؛ هنيئًا له. عندما أخبروني بخبر استشهاد لاجوردي، قلت: كان من المؤسف أن يموت على الفرش وهو بتلك السوابق؛ بل كان ينبغي أن يُستشهد. هنيئًا له.»
طريقٌ لا نهاية له
لكن طريق الشهادة لا نهاية له؛ فطالما أن عالم الكفر يصطف في مواجهة الإسلام، فإن هذا الطريق سيبقى مفتوحًا دائمًا. وقد قال في إحدى آخر خطبه، خلال محاولة الانقلاب التي دعمتها أميركا في شهر دي من عام 1404هـ.ش (22 ديسمبر/ كانون الأول 2025م - 20 يناير/ كانون الثاني 2026م)، التي مُنيت بالفشل: إن «الشاب الإيراني جسورٌ في الحرب؛ وهو في السياسة بعيد النظر، عارفٌ بالعدو، يعرف أمريكا؛ ولم يكن هكذا في يومٍ من الأيام.» وبيّن أحد شواهد ذلك بقوله: «إن تشييع الشهداء يجري بأيدي الشباب؛ هم الذين يُجلّون الشهداء، ويمدحونهم، ويعظّمونهم. شبابنا هكذا.»
فالشهادة ثقافةٌ باقية لأمّة الإسلام، ومادام الظلم والكفر موجودين في العالم، فإن أحرار العالم سيواصلون هذا الطريق، وسيكون الشباب، على ضوء هداية الشهداء، في طليعة السائرين فيه. وكان يعتقد أن «ميزة الثورة هي أنها تستطيع أن تضع الشهيد آيةالله أشرفي، ذلك الشيخ الذي بلغ الثمانين أو التسعين عامًا، إلى جانب الشهيد آرمان علي وردي، هذا الشاب ابن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، مع فارق أربعين سنة بينهما، في خطٍ واحد، وأن تعبّئهما وتدفعهما إلى الميدان. إن ثورةً تملك هذه القدرة، بحيث تستطيع على امتداد سنوات طويلة أن تعبّئ مثل هذه القوى، لا يمكن هزيمتها.
وهكذا كان إمامنا الشهيد يرفع الدعاء قائلًا: «اللّهمّ! نسألك بمحمد وآل محمد أن تُديم فينا الروح العاشورائية والحسينية، وألّا تنزع من هذه الأمة روح الإيثار وطلب الشهادة.»
الثواب العظيم
لقد كان في جهادٍ دائم؛ جهادٍ امتد في ميادين شتى من النضال: من مقارعة استبداد بهلوي، إلى الترصّف جنبًا إلى جنب مع جمران في مقر الحروب غير النظامية، ومن مقاومة الغزو الثقافي المباغت، إلى التقدم في جهاد التبيين، ومن عمرٍ كامل من الدعم العملي الشامل لمجاهدي المعركة ضدّ الصهيونية، إلى تحطيم الهيمنة الاستكبارية الأمريكية. ولمجاهدٍ كهذا، كانت الشهادة بمنزلة قبول صحيفة أعماله، وكان هذا هو الأمل الكبير الذي نطق به، وقد دفع الله أجر عمره الجهادي في أعلى مراتبه، إذ قال: «دعوني أقول لكم بلساني؛ كلما فكرتُ في أن هذه الحرب وهذه الشهادة وهذه الميادين المشرّفة وميادين الدم ستنتهي ونبقى نحن، ثم نموت بعد ذلك مثلًا بحادثٍ عرضي ــ كما يموت كثيرون ــ أو نموت بحمّى، فإن مجرد تصور هذا الأمر، والله يشهد، يضغط على قلبي ضغطًا شديدًا. أن يُنتزع من الإنسان ميدانُ سباق الشرف الأبدي والإلهي، وميدانُ سباق الجنّة، ثم يموت هكذا فقط! إن هذا شديد القسوة. يا ليت ــ وهذا دعاء يخرج من أعماق قلوبنا ــ يا ليت موتنا يكون مثل موت أبنائكم! وأنا لا أظن أن أحدًا يعرف حقيقة هذا النوع من الموت ثم لا يتمنى ذلك.»
