رحلة في عمق التاريخ والعمارة الإسلامية

من التمدّن إلى الروحانية.. مسجد سرخ رمز السياحة الدينية في ساوه

/ مع اتساع ظاهرة التمدّن وارتفاع مستويات الدخل العام، إلى جانب تغيّر أنماط حياة الناس، تحوّلت الدوافع إلى السفر وازدياد أهمية أوقات الفراغ لتلبية الاحتياجات الروحية للإنسان إلى أمرٍ ضروري. وقد أدّى ذلك إلى ظهور ظاهرة عالمية تُعرف باسم صناعة السياحة.
المدن بوصفها مراكز حضارية وسياحية
ومن جهة أخرى، تُعدّ البيئات الحضرية مراكز للحضارة والثقافة والسياسة، كما أنها تمتلك أحيانًا قيّمًا سياحية عالية من خلال ما تضمه من الحدائق، والمناظر الطبيعية، والفضاءات التاريخية. وفي الوقت الحاضر، اكتسبت معظم مدن إيران جاذبية كبيرة جعلتها تستقبل سنويًا أعدادًا كبيرة من السياح المحليين والأجانب.
ساوه.. مدينة ذات مقومات سياحية متنّوعة
وتُعدّ مدينة ساوه من المدن التي تزخر بتنوّع في المقومات السياحية، ويُعتبر مسجد سرخ ساوه أحد أبرز معالمها التاريخية والدينية.
يمكن اعتبار المباني الدينية والثقافية ذات العمارة المتنوّعة فضاءاتٍ جماعية أُنتجت في حقبة زمنية معيّنة، تتجلّى فيها وظائف السلطة والدين بوضوح. وتتميّز هذه الفضاءات بكونها محاطة بأنظمة وقواعد خاصة تُلزم الفرد بالالتزام بمجموعة من القوانين، وتضعه ضمن إطار نظام محدد، وتعلّمه القيم والمعايير التي تمكّنه من اختبار أسلوب حياة منسجم، ويُعدّ مسجد سرخ ساوه أحد هذه المباني البارزة.
معلم ديني وثقافي بارز
ويُعدّ مسجد سرخ من أجمل المساجد والمباني التاريخية في مدينة ساوه، ويقع في ساحة الثورة. وقد اشتهر باسم المسجد الأحمر بسبب الزخارف والكتابات ذات اللون الأحمر المستخدمة في تزيينه.
وبحسب آراء الخبراء والنقوش التاريخية، يعود تاريخ بناء المسجد إلى العصر السلجوقي. أمّا مئذنة المسجد، فوفقًا للتاريخ المنقوش عليها، فقد شُيّدت سنة 1074م. وقد تم تسجيل المسجد في 9 ديسمبر/كانون الأول 2010 ، كما سُجّلت مئذنته عام 1931 ضمن قائمة الآثار الوطنية الإيرانية.
الزخارف والكتابات.. جماليات  الفن الإسلامي
يتكوّن مبنى هذا المسجد من قبّة بسيطة مبنية بالآجر، ومئذنة واحدة، وثلاثة أروقة، وعدد من الإيوانات، وهي عناصر باقية من العصر السلجوقي. ويُعدّ المحراب الجميل، المزيَّن بعدة كتابات جصّية محفورة، إلى جانب الرسوم والزخارف الملوّنة، من أبرز مظاهر الجمال في هذا الصرح المعماري.
ويتميّز مدخل المسجد بزخارف من القاشاني «البلاط الفيروزي العائد إلى العصر الصفوي»، في حين طُليت جدرانه باللون الأبيض، ويظهر في قوس المدخل عمل مقرنص متقن، وأسفله كتابة جصّية نافرة بخط الثلث. كما ثُبّت فوق المدخل، وفي صدر الواجهة، لوح حجري.
الفضاء الداخلي وتكوين الأروقة والقباب
يقع القسم الرئيسي، بين ثلاثة أروقة ومقام واحد، وتفتح منه ثلاثة مداخل واسعة ومرتفعة باتجاه الأروقة المحيطة. وقد شُيّدت قبب أخرى فوق هذه الأروقة، تحوّلت فيها أنصاف الأقواس إلى أضلاع عبر أقواس أصغر، بينما ارتفع أسفل القوس ببناء مغطّى بأسلوب تقليدي. وقد زُيّنت أجسام أنصاف الأقواس بزوايا من المقرنصات الجميلة والمُلوّنة. وتحت القبة كُتبت كتابة قرآنية من سورة النبأ، مزدانة بزخارف نباتية نافرة. كما توجد تحت القبة الثانية كتابة أخرى بالخط الكوفي البارز باللون العنّابي وعلى أرضية لازوردية، تتضمن آيات من سورة يس، منفّذة بالجص.
المحراب والمئذنة والإيوان
وفي منتصف الضلع الجنوبي يقع محراب رباعي الأضلاع مغطّى بمقرنصات جصّية، ومزيَّن بكتابة جصّية محفورة. ويُعدّ المئذنة الآجرية من أهم أجزاء المسجد، إذ زُيّنت بالآجر وآيات من القرآن الكريم.
وفي الجهة الغربية من صحن المسجد يظهر إيوان آجري مرتفع، تحيط به حجرات مشيّدة على ثلاثة طوابق، ما يكمّل المشهد المعماري والتاريخي لهذا المعلم البارز.
البحث
الأرشيف التاريخي