العدد ثمانية آلاف وثلاثة وعشرون - ٠٧ أبريل ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وثلاثة وعشرون - ٠٧ أبريل ٢٠٢٦ - الصفحة ٤

بين التصعيد والغموض.. كيف تدير إيران حرب الروايات؟

حسام الدين آشنا
مستشار رئيس الجمهورية في الحكومتين الحادية عشرة والثانية عشرة

لم يعُد مركز ثقل الحرب مع إيران محصورًا في الخليج الفارسي فقط، بل هو في طور الانتقال إلى داخل النظام السياسي والمؤسسات والاقتصاد والبيئة المعلوماتية في الولايات المتحدة. وما بدا في البداية مواجهة خارجية يمكن التحكم بها، أصبح الآن يتأثر بشكل متزايد بثمانية قيود داخلية، لا تزال كامنة؛ لكنها تتقارب نحو نقطة تحوّل محتملة.
 1- الانقسام داخل ائتلاف الجمهوريين
لم يصل الحزب الجمهوري بعد إلى حدّ التمرد العلني؛ لكنه لم يعد موحدًا. ما يتشكل حاليًا ليس مجرد انقسام بسيط، بل تباعد متعدد الطبقات بين الصقور التقليديين، والقوميين الشعبويين، والليبرتاريين المناهضين للتدخل.
لا يزال «راند بول» يمثل الصوت الأكثر صراحة في التعبير عن الشك المؤسسي، محذرًا من توسيع المهمة في إيران والضغوط المالية. ويتزايد توافق موقفه مع قطاعات من القاعدة الجمهورية التي ترى في الحرب انحرافًا عن أولويات «أمريكا أولًا».
في الوقت نفسه، يُظهر الفضاء الشعبوي -الذي كان سابقًا منسجمًا تلقائيًا مع ترامب- علامات ضغط واضحة. ولا تكمن أهمية هذا التطور في وجود النقد بحدّ ذاته، بل في كسر المحظور السياسي المرتبط به. كما أن بعض المسؤولين المنتخبين يعكسون هذه المخاوف بشكل غير مباشر.
ومع ذلك، لا يزال التيار الداعي للحرب مؤثرًا. يرى وزير الخارجية الأميركي «ماركو روبيو» أن الحرب ضرورية للردع، بينما يتخذ نائب الرئيس الأميركي «جي دي فانس» موقفًا مزدوجًا موالٍ؛ لكنه حساس للمخاطر السياسية. هذا التباعد لم يقيّد السياسة بعد؛ لكنه أوجد الشروط اللازمة لظهور قيود مستقبلية.
 2- صدمة التمويل في الكونغرس
تقترب الحرب من لحظة مؤسسية حاسمة: الحاجة إلى تمويل تكميلي واسع النطاق، ربما بمئات المليارات من الدولارات. وحتى الآن، كانت الحرب قابلة للتحمل سياسيًا؛ لكن مع تحولها إلى تصويت مالي، سيتغير الوضع.
عند هذه النقطة، لن يصوّت أعضاء الكونغرس على استراتيجية مجردة، بل على التزامات مالية ملموسة قبيل انتخابات التجديد النصفي.
هنا تصبح المعارضة قابلة للقياس. حتى انقسام محدود داخل الجمهوريين -خاصة إذا ترافق مع معارضة ديمقراطية- قد يؤدي إلى تأخير التمويل أو فرض شروط عليه، وسيغدو هذا التصويت بمثابة استفتاء غير مباشر على الحرب.
 3- القيد المؤسسي: البنتاغون؛ مجتمع الاستخبارات وإشارات مبكرة على التصدّع
يحدد البنتاغون ومجتمع الاستخبارات الأطر التشغيلية والتحليلية للحرب. وإذا اختلفت حقائق الميدان عن الرواية العامة، فسيظهر الاحتكاك عبر التقييمات الداخلية، والتقارير الحذرة، وربما التسريبات لاحقًا.
في هذا السياق، تكتسب استقالة «جو كِنت» -حتى لو عُزيت لأسباب إدارية أو شخصية- أهمية تتجاوز ظاهرها. ففي النظام الأمريكي، نادرًا ما تُعدّ مثل هذه الخطوة محايدة، وغالبًا ما تُفسر كنوع من الابتعاد عن مراكز القرار.
تكمن أهمية هذا الحدث في الإشارة التي يحملها. فإذا استمرت الحرب في إنتاج الغموض أو الخلافات الداخلية أو المخاطر على المصداقية، فقد نشهد استقالات إضافية أو انسحابات صامتة، ما يشكل إنذارات مبكرة لتآكل الإجماع الداخلي.
لذلك، ينبغي متابعة تحركات الموارد البشرية داخل الأجهزة الأمنية بدقة، إذ أن مثل هذه التغيرات كانت تاريخيًا مقدمة لتحولات سياسية أوضح.
 4- ميدان الرواية: حرب يجب أن تكون قابلة للتصديق
أصبحت استدامة الحرب تعتمد بقدر اعتمادها على النتائج العسكرية، على تماسك الرواية أيضًا. فالبيئة المعلوماتية في الولايات المتحدة منقسمة بين منظومات إعلامية متعددة: الإعلام السائد، الإعلام الشعبوي، الشبكات التقدمية، والمنصات اللامركزية.
وفي هذا السياق، يتعين على الحكومة تقديم رواية مستمرة، قابلة للتصديق والتكرار، حول التقدم، وهو أمر يزداد صعوبة يومًا بعد يوم.
يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية تركز على منع الولايات المتحدة من إعلان نصر حاسم، وذلك عبر إظهار القدرة على الصمود ومواجهة الروايات الأمريكية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن الخطر لا يكمن فقط في زيادة النقد، بل في انهيار الرواية نفسها. فمثل هذه الحروب تعتمد على الإدراك، ومع انهيار تصور التقدم، قد يتراجع الدعم بسرعة.
5- الشباب والإنجيليون.. وتآكل القاعدة الاجتماعية تدريجيًا
هناك تحول هيكلي أعمق يتشكل بين الناخبين، خصوصًا الشباب. فالجمهوريون دون سن 35 عامًا أكثر تشككًا تجاه الحروب طويلة الأمد.
كما يظهر انقسام جيلي بين المسيحيين الإنجيليين، إذ لا تزال الأجيال الأكبر داعمة، بينما تميل الأجيال الشابة إلى التركيز على القضايا الإنسانية والاقتصادية.
 6- الضغط الاقتصادي وهشاشة الأسواق بالنسبة لترامب
يُعدّ الاقتصاد القيد الأكثر إلحاحًا. فأسعار الطاقة، وتكاليف النقل، وتقلبات الأسواق آخذة في الارتفاع، وإن لم تصل بعد إلى مستوى الأزمة؛ لكن هذا الاستقرار النسبي قد يكون مضللًا.
فإذا استمرت الحرب وأظهرت إيران قدرتها على الصمود، فإن التأثيرات التراكمية قد تمتد إلى التضخم، وثقة المستهلك، والأسواق المالية. وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة لترامب، الذي اعتبر دائمًا سوق الأسهم مؤشرًا على النجاح. وأي تراجع مستمر قد يخلق ضغطًا سياسيًا ونفسيًا كبيرًا لخفض التصعيد.
 7- الاحتكاك الداخلي.. ديناميكيات كوشنر-ويتكوف
توجد مؤشرات على أن ترامب قد يكون بصدد إعادة تقييم نصائح صهره «جاريد كوشنر» ومبعوثه الخاص للشرق الأوسط «ستيف ويتكوف». وإذا لم تتحقق توقعات النجاح السريع، فقد يتحول الغموض إلى توتر داخلي.
كما أن حساسية ترامب تجاه النجاح قد تدفعه إلى إعادة توزيع المسؤوليات وتسريع التغييرات في السياسات.
 8- أوروبا.. تباعد استراتيجي ودعم محدود
ظلّ الحلفاء الأوروبيون، خصوصًا ضمن إطار الاتحاد الأوروبي، حذرين، ويركزون على خفض التصعيد بدلًا من الاصطفاف الكامل.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة تعمل بغطاء سياسي خارجي محدود، ما يعزز الشعور بالعزلة الاستراتيجية. ورغم أن كل تحدٍّ من هذه التحديات يمكن احتواؤه بمفرده، فإن تزامنها وتفاعلها قد يحولها إلى قيود استراتيجية حقيقية.
 استراتيجية «مسار الخروج القائم على الإنكار»
من أبرز الأخطاء في تحليل هذه الحرب افتراض أن إيران ما تزال تسعى إلى «النصر» بمعناه التقليدي. يبدو أن ما تسعى إليه طهران ليس تحقيق نصر عسكري، بل تبني استراتيجية «الإنكار السياسي». فالهدف الأساسي ليس هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، بل حرمان واشنطن -خاصة ترامب- من الظروف التي تسمح له بإعلان النجاح، وإغلاق الملف، والخروج من الحرب.
هذا النهج ليس ردعًا تقليديًا؛ إذ إن الردع الكلاسيكي يسعى إلى منع الخصم من الفعل عبر رفع الكلفة. أمّا السلوك الإيراني فيشبه شيئًا مختلفًا: إن طبيعة هذه الاستراتيجية تقوم على إرباك السردية، والغموض الاستراتيجي، ومنع «إغلاق الملف» بشكل مُحكَم ومُسيطر عليه. فهذه الحرب لا تُدار فقط عبر الصواريخ، والتصعيد البحري، والضغط الإقليمي، والتصعيد المحسوب، بل تُدار أيضًا من خلال الامتناع عن تأكيد السردية السياسية التي تحتاجها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. وقد أصبح منطق هذا النهج أكثر وضوحًا.
- يقول ترامب إن قيادة إيران قد «قُطِع رأسها» حسب زعمه؛ بينما تُظهر إيران الاستمرارية. فحتى بعد استشهاد قائد الثورة الاسلامية واغتيال شخصيات رفيعة أخرى، استطاع النظام إعادة بناء آلية اتخاذ القرار، والحفاظ على سلسلة القيادة، وإظهار درجة من التنسيق الشامل تحت أشدّ الضغوط.
- يقول ترامب إن القدرات الصاروخية الإيرانية قد دُمِّرت؛ بينما لا تزال إيران تُطلق الصواريخ.والحقيقة العسكرية قائمة: الصواريخ ما تزال تُطلق، وإسرائيل لا تزال تحت النار، والجبهة الشمالية لم تستقر بشكل مستدام، وهذا وحده كافٍ لنقض ادعاء «التحييد».
- يقول ترامب إن التصعيد تحت السيطرة؛ بينما توسّع إيران نطاقه. فقد امتدّ الصراع إلى منظومة الطاقة في الخليج الفارسي وإلى الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. إنّ انعدام الأمن في الملاحة، والصدمات التأمينية، وتهديد البنية التحتية للطاقة، والضغط في مضيق هرمز كلها تؤدي وظيفة واحدة: إظهار أن الحرب لا يمكن «احتواؤها» بمجرد إعلان من واشنطن.
- يقول ترامب إن قنوات التفاوض مفتوحة؛ بينما ترفض طهران السيناريو الدبلوماسي. فقد رفضت إيران المقترحات -سواء عبر الوسطاء أو من خلال التفاوض المباشر- بل ووضعت شروطًا صارمة حتى لبدء الحوار. ومن وجهة نظر طهران، فإنّ التفاوض تحت النار ليس تفاوضًا، بل عرضٌ للاستسلام. وهذه مسألة ذات أهمية استراتيجية، إذ تمنع ترامب من تحويل الغموض العسكري إلى إنجاز دبلوماسي، وتحرمُه من أهمّ عنوان إعلامي، وهو أن «القوة» قد تحققت في «التفاوض».
وهذا هو جوهر استراتيجية «مسار الخروج القائم على الإنكار»، التي تعمل على ثلاثة مستويات:
أولًا: إنكار «الانتصار السردي». فمن خلال الحفاظ على الغموض بشأن ما تبقى من قدراتها، تمنع طهران ترامب من إعلان اكتمال المهمة.
ثانيًا: إنكار «النهاية العسكرية». فاستمرار إطلاق الصواريخ، والضغط عبر الحلفاء، والتصعيد البحري، والتبعات الاقتصادية، كلها تُبقي مسار الحرب مفتوحًا.
ثالثًا: إنكار «الإطار الدبلوماسي». فلا تستطيع الولايات المتحدة بسهولة الادّعاء بأنها أجبرت إيران وفتحت مسار التفاوض في الوقت نفسه، مادامت إيران ترفض هذا الافتراض علنًا. فالتفاوض الذي يُنكر يتحول إلى مصدر حرج سياسي للدولة التي تسعى لإظهار «القوة» و«الدبلوماسية» كمسارين متوازيين.
إنّ أسلوب ترامب الخطابي، المليء بالتفاصيل والمبالغة، يجعل هذه الاستراتيجية أكثر فاعلية. فرئيسٌ يطلق ادّعاءات مبكرة ويحوّل كل مرحلة من الحرب إلى اختبار لتفوقه الشخصي، يمنح خصمه فرصًا متكررة. فكل ادّعاء أقصى يتحول إلى هدف يمكن لإيران نقضه.
ولهذا السبب، اكتسبت هذه الحرب بُعدًا نفسيًا. يبدو أن طهران تقرأ الحرب من خلال تصريحات ترامب، وتسعى إلى تفكيك الصلة بين لغته والواقع القابل للملاحظة. فالهدف ليس تحقيق هزيمة عسكرية تقليدية، بل وضعه في مأزق بين التصعيد والحرج.
الزمن ليس محايدًا. فإذا استطاعت إيران إطالة أمد الضغط إلى ما يتجاوز قدرة ترامب على تحمّل التكاليف السياسية والتناقضات الميدانية، فإنّ «القدرة على الصمود» تتحول بحد ذاتها إلى سلاح، وهذه الفرضية ليست غير منطقية. فالضغط الاقتصادي يتسع، وانعدام الأمن في الملاحة يتزايد، وشركاء واشنطن لا يُبدون رغبة في تحمّل أعباء حرب إقليمية طويلة.

البحث
الأرشيف التاريخي