وتحويلها إلى سيادة صهيونية كاملة
أميركا تشرعن الضمّ علناً.. قنصلية على أرض محتلة تمهّد لابتلاع الضفة الغربية
/ لم يكن إعلان السفارة الأميركية نيتها تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة «إفرات» حدثاً عابراً في سياق العلاقات الأميركية – الصهيونية، بل شكّل نقطة تحوّل خطيرة في مسار الصراع على الضفة الغربية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضمّ الفعلي الذي يجري بصمت، وبخطوات متتابعة، وبغطاء دولي غير مسبوق. فالولايات المتحدة، التي لطالما ادّعت رفض الاستيطان واعتباره «عقبة أمام السلام»، انتقلت اليوم إلى مستوى المشاركة المباشرة في تطبيع المستوطنات، والتعامل معها كأماكن «طبيعية» يمكن للدبلوماسيين الأميركيين العمل فيها، وكأنها جزء من كيان سياسي شرعي. هذا التحوّل لا يمكن قراءته بمعزل عن المشروع الصهيوني اليميني المتطرف الذي يسعى إلى فرض السيادة على الضفة الغربية دون إعلان رسمي، عبر سلسلة إجراءات تراكمية تُنهي عملياً أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
إن خطوة السفارة الأميركية ليست مجرد إجراء إداري، بل هي إعلان سياسي واضح بأن واشنطن لم تعُد ترى في الضفة الغربية أرضاً محتلة، بل فضاءً صهيونياً قابلاً للدمج في المنظومة الإدارية الدولية. وهذا التحوّل، بما يحمله من دلالات سياسية وقانونية، يضع الفلسطينيين أمام واقع جديد، تتراجع فيه لغة التحذير من الضمّ لصالح مواجهة نتائجه المباشرة، ويكشف حجم التواطؤ الدولي مع المشروع الاستيطاني الذي يلتهم الأرض الفلسطينية قطعةً بعد أخرى.
التحوّل الأميركي.. من الرفض اللفظي إلى الاعتراف العملي بالمستوطنات
منذ عقود، اعتمدت الإدارات الأميركية المتعاقبة سياسة مزدوجة تجاه الاستيطان: رفض لفظي يهدف إلى الحفاظ على صورة «الوسيط»، مقابل دعم عملي يتيح للاحتلال التوسع دون قيود. لكن تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة يُمثّل انتقالاً نوعياً من مرحلة التغاضي إلى مرحلة المشاركة المباشرة. فالولايات المتحدة، عبر هذا القرار، تتعامل مع المستوطنات كأنها جزء من كيان الاحتلال، وتمنحها شرعية سياسية وإدارية لم تكن متاحة من قبل. وهذا الاعتراف العملي أخطر بكثير من أي تصريح سياسي، لأنه يخلق واقعاً جديداً على الأرض، ويمنح الاحتلال غطاءً دولياً لتكريس سيادته على الضفة الغربية.
إن اختيار مستوطنة «إفرات» تحديداً ليس صدفة، فهي جزء من مغتصبات «غوش عتصيون» التي يسعى الاحتلال منذ سنوات إلى ضمّها رسمياً، وتُعدّ من أكبر المستوطنات وأكثرها توسعاً. تقديم خدمات قنصلية فيها يعني أن واشنطن تتعامل معها كمدينة طبيعية، لا ككيان غير شرعي أقيم على أرض محتلة. وهذا التحوّل يفتح الباب أمام خطوات مشابهة في مستوطنات أخرى، كما أعلنت السفارة الأميركية بالفعل، ما يعني أن «إفرات» ليست سوى بداية لمسار طويل يستهدف دمج المستوطنات في المنظومة الدولية.
القرار في سياق المشروع الصهيوني.. الضمّ بلا إعلان
لا يمكن فهم الخطوة الأميركية بمعزل عن المشروع الصهيوني اليميني المتطرف الذي يقوده وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش، والذي يقوم على إزالة الفوارق القانونية بين المستوطنات والأراضي المحتلة، وتحويل الضفة الغربية إلى مجال إداري يخضع بالكامل للسيادة الصهيونية. هذا المشروع لا يحتاج إلى إعلان ضمّ رسمي، بل يعتمد على سلسلة إجراءات تراكمية تجعل الاحتلال واقعاً طبيعياً، وتحوّل المستوطنات إلى مدن صهيونية كاملة الحقوق.
القرار الأميركي ينسجم تماماً مع هذه الرؤية، لأنه يساهم في دمج المستوطنات في المنظومة الإدارية الدولية، ويمنحها شرعية سياسية لم تكن متاحة من قبل. فحين تقدّم دولة كبرى خدمات رسمية داخل مستوطنة، فهي تقول ضمنياً إن هذه المستوطنة ليست «غير شرعية»، وإنها جزء من كيان سياسي معترف به. وهذا الاعتراف العملي يفتح الباب أمام خطوات صهيونية أكثر جرأة، مثل توسيع المستوطنات، وفرض القوانين الصهيونية عليها، وتقييد حركة الفلسطينيين في محيطها.
إن أخطر ما في المشروع الصهيوني أنه لا يعتمد على خطوة واحدة، بل على تراكم بطيء ومدروس، يجعل الضمّ أمراً واقعاً دون الحاجة إلى إعلان رسمي. والقرار الأميركي يُشكّل إحدى أهم حلقات هذا المسار، لأنه يمنح الاحتلال غطاءً دولياً لتنفيذ سياساته دون خوف من ردود الفعل.
البُعد القانوني.. كيف تتجاوز واشنطن القانون الدولي؟
تنص اتفاقيات جنيف بوضوح على عدم شرعية نقل السكان إلى الأراضي المحتلة، وعلى عدم شرعية إقامة المستوطنات، وعلى عدم شرعية أي تغيير ديموغرافي أو إداري في الأراضي المحتلة. لكن الولايات المتحدة، عبر قرارها الأخير، تتجاهل هذه القواعد بالكامل، وتتعامل مع المستوطنات كأنها جزء من كيان الاحتلال. هذا التجاهل يُشكّل انتهاكاً مباشراً للقانون الدولي، وتقويضاً للمنظومة القانونية العالمية التي تبدو قابلة للتجاوز حين تتعارض مع مصالح واشنطن أو مصلحة الاحتلال.
إن خطورة القرار الأميركي لا تكمن فقط في مخالفته للقانون الدولي، بل في خلقه سابقة يمكن أن تستغلها دول أخرى في نزاعات مشابهة. فإذا كانت الولايات المتحدة، تتجاهل القانون الدولي وتُشرعن الاحتلال، فما الذي يمنع دولاً أخرى من القيام بالأمر نفسه؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام انهيار المنظومة القانونية الدولية، ويجعل من الاحتلال نموذجاً يمكن تكراره في أماكن أخرى.
الأثر على الفلسطينيين.. من التحذير إلى مواجهة النتائج
لطالما حذّر الفلسطينيون من مخاطر الضمّ، لكن القرار الأميركي يشير إلى أننا دخلنا مرحلة جديدة، لم يعُد فيها التحذير كافياً. فالضمّ لم يعُد احتمالاً، بل أصبح واقعاً يُفرض على الأرض، وتدعمه دولة كبرى. هذا الواقع يضع الفلسطينيين أمام تحديات جديدة، أبرزها تفكيك ما تبقى من اتفاق أوسلو، الذي كان يقوم على فكرة أن الضفة الغربية أرض متنازع عليها، وأن مستقبلها سيُحسم عبر المفاوضات. لكن تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة يعني أن الولايات المتحدة لم تعُد تعترف بالضفة كأرض محتلة، وأنها تتعامل معها كجزء من كيان الاحتلال، ما يجعل أي مفاوضات مستقبلية بلا معنى.
إن الضمّ الزاحف يهدد الوجود الفلسطيني بشكلٍ مباشر، لأنه يؤدي إلى تضييق الخناق على القرى والبلدات الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات على حساب الأراضي الفلسطينية، وتحويل الفلسطينيين إلى «سكان بلا سيادة» داخل كانتونات معزولة. وهذا الواقع يفرض على الفلسطينيين إعادة التفكير في استراتيجياتهم السياسية، والبحث عن أدوات جديدة لمواجهة الاحتلال، بعيداً عن الرهان على المفاوضات التي أثبتت فشلها.
ختاماً إن قرار السفارة الأميركية تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة «إفرات» ليس مجرد خطوة إدارية، بل هو جزء من مشروع متكامل يستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر شرعنة الاستيطان وتحويل الضفة الغربية إلى جزء من كيان الاحتلال بغطاء أميركي كامل. هذا القرار يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع، إذ لم يعُد الاحتلال بحاجة إلى إعلان الضمّ رسمياً، لأن الضمّ أصبح واقعاً يُفرض على الأرض. إن مواجهة هذا المسار تتطلب خطاباً فلسطينياً واضحاً، وتحركاً دولياً جاداً، وإرادة سياسية وشعبية ترفض الاستسلام للوقائع المفروضة بالقوة. فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الرواية والشرعية والقانون، وعلى حق الشعب الفلسطيني في الوجود والسيادة والحرية.
