الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد سبعة آلاف وتسعمائة وثمانية وثمانون - ١٥ فبراير ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد سبعة آلاف وتسعمائة وثمانية وثمانون - ١٥ فبراير ٢٠٢٦ - الصفحة ٦

وموسكو تقترب من حسم المعادلة

انتخابات تحت النار.. واشنطن تُصعِّد وكييف تتصدَّع

/ مع اقتراب الحرب الروسية – الأوكرانية من دخول عامها الخامس، تتسارع التطوّرات السياسية في كييف تحت ضغط أميركي غير مسبوق، يهدف إلى دفع أوكرانيا نحو انتخابات رئاسية واستفتاء على اتفاق سلام قبل منتصف العام.
هذا الإيقاع الأميركي السريع لا يعكس حرصاً على الديمقراطية بقدر ما يكشف رغبة واضحة في إغلاق ملف الحرب بما يخدم الحسابات الانتخابية في واشنطن.
وفي المقابل، تبدو موسكو أكثر ثباتاً وهدوءاً، وهي تراقب هذا الاندفاع الأميركي وتعتبره دليلاً إضافياً على أن الغرب بات عاجزاً عن مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها، وأن أوكرانيا تتحوّل تدريجياً من مشروع جيوسياسي غربي إلى عبء ثقيل على داعميها.
في هذا المشهد المتشابك، تبرز روسيا كطرف يمتلك زمام المبادرة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، بينما تجد كييف نفسها محاصرة بين تراجع الدعم الغربي، وتآكل شرعية السلطة، وتعب شعبي متزايد من حرب طالت أكثر مما توقّع الجميع.
ومن هنا، فإن أي انتخابات أو استفتاء يجري في أوكرانيا في الأشهر المقبلة لن يكون سوى انعكاس مباشر لميزان القوى الذي فرضته موسكو على الأرض، وللضغوط التي تمارسها واشنطن على حليفها الأوكراني، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتغيّر موازين السياسة الأميركية الداخلية.
واشنطن تبحث عن «سلام سريع» يخدم مصالحها
من الواضح أن الولايات المتحدة لا تدفع كييف نحو الانتخابات بدافع الحرص على الاستقرار السياسي، بل لأنها تريد إنهاء الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. فالإدارة الأميركية الحالية تدرك أن استمرار الحرب، مع ما يرافقه من إنفاق ضخم وتراجع في التأييد الشعبي، قد يتحوّل إلى نقطة ضعف انتخابية. لذلك، تسعى واشنطن إلى فرض جدول زمني ضاغط على كييف، يربط بين استمرار الدعم العسكري والمالي وبين الالتزام بإجراء الانتخابات والاستفتاء.
هذا النوع من «السلام السريع» لا يُراعي تعقيدات الواقع الأوكراني، ولا يأخذ في الاعتبار أن البلاد تعيش حالة طوارئ، وأن جزءاً كبيراً من أراضيها خارج السيطرة، وأن ملايين المواطنين نازحون أو لاجئون. بالنسبة إلى موسكو، هذا السلوك الأميركي ليس مفاجئاً. فمنذ بداية الأزمة، تعاملت الولايات المتحدة مع أوكرانيا كمنصة عسكرية وسياسية لمحاصرة روسيا، وليس كدولة مستقلة. واليوم، مع تراجع قدرة الغرب على تمويل الحرب، تحاول واشنطن الخروج من المأزق بطريقة تحفظ ماء الوجه، حتى لو كان الثمن فرض تسوية غير مستقرة على كييف.
زيلينسكي بين شرعية متآكلة وضغوط متناقضة
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يجد نفسه في وضع بالغ الصعوبة. فولايتُه الدستورية انتهت منذ عامين تقريباً، واستمراره في الحكم يستند فقط إلى حالة الطوارئ. ومع ذلك، تطالبه واشنطن بإجراء انتخابات في وقت لا تتوافر فيه أدنى شروط النزاهة أو الأمن. وفي المقابل، يدرك زيلينسكي أن الذهاب إلى الانتخابات من دون وقف إطلاق النار سيُعرّضه لخسارة سياسية كبيرة، لأن شعبيته تراجعت بشكلٍ واضح، ولأن منافسين أقوياء مثل الجنرال فاليري زالوجني باتوا يتمتعون بتأييد واسع داخل الجيش والشارع.
هذا التناقض بين الضغط الأميركي والواقع الداخلي يضع زيلينسكي في مأزقٍ حقيقي. فإذا رفض إجراء الانتخابات، سيخسر الدعم الغربي. وإذا وافق، قد يخسر السلطة. وفي الحالتين، تبدو موسكو المستفيد الأكبر، لأنها ترى في هذا الارتباك دليلاً على أن النظام السياسي الأوكراني الذي دعمه الغرب منذ 2014 بدأ يتفكك تحت وطأة الحرب.
الإرهاق الشعبي.. ورقة قوة روسية
أحد أهم التطورات التي تصبّ في مصلحة موسكو هو التحوّل الواضح في المزاج الشعبي الأوكراني. فبعد سنوات من الخطاب القومي المتشدد، بدأت نسبة متزايدة من الأوكرانيين تعلن استعدادها لقبول تسوية تشمل التخلّي عن بعض الأراضي مقابل وقف الحرب. هذا التحوّل لا يعني بالضرورة تأييداً لروسيا، لكنه يعكس حقيقة أن المجتمع الأوكراني لم يعُد قادراً على تحمّل حرب طويلة بلا أفق. هذا الإرهاق الشعبي هو نتيجة طبيعية لسياسات كييف والغرب، اللذين رفعا سقف التوقعات إلى حدِّ غير واقعي، ووعدا الأوكرانيين بالنصر الكامل، وباستعادة كل الأراضي، وبانضمام سريع إلى «الناتو». لكن الواقع أثبت أن هذه الوعود كانت مجرد شعارات سياسية، وأن الغرب غير قادر على توفير الدعم اللازم لتحقيقها.
أوروبا بين الخوف من روسيا والقلق من واشنطن
في الوقت الذي تضغط فيه الولايات المتحدة على كييف، تبدو أوروبا في موقف أكثر حذراً. فهي من جهة تريد إنهاء الحرب لأنها تتحمّل العبء الأكبر اقتصادياً وإنسانياً. لكنها من جهةٍ أخرى تخشى أن يؤدي اتفاق سريع إلى تكريس مكاسب روسيا الميدانية، وإلى إظهار ضعف الاتحاد الأوروبي في مواجهة موسكو.
هذا التردد الأوروبي يعكس انقساماً عميقاً داخل القارة. ففرنسا تحاول لعب دور الوسيط، بينما ألمانيا تعيش أزمة استراتيجية، ودول أوروبا الشرقية تتبنّى خطاباً متشدداً لكنها لا تمتلك القدرة على فرضه. وفي هذا السياق، تبدو روسيا المستفيد الأكبر من الانقسام الأوروبي، لأنها تدرك أن القارة غير قادرة على صياغة موقف موحّد، وأن واشنطن لم تعد قادرة على قيادة الغرب كما كانت تفعل في السابق.
الميدان العسكري..تثبيت الوقائع قبل التفاوض
على الرغم من كل الحديث عن الانتخابات والاستفتاء، يبقى الميدان العسكري هو العامل الحاسم في تحديد شكل التسوية المقبلة. فروسيا تواصل ضرب البنية التحتية الأوكرانية، وتثبيت مواقعها في الشرق والجنوب، وتحقيق مكاسب تدريجية تُضعف قدرة كييف على الاستمرار في الحرب. وفي المقابل، تبدو أوكرانيا عاجزة عن شنّ هجمات واسعة، وتعتمد بشكل شبه كامل على الدعم الغربي الذي يتراجع يوماً بعد يوم.
هذا الواقع يجعل أي اتفاق سلام مستقبلي أقرب إلى الرؤية الروسية، لأنه سيعكس ميزان القوى الفعلي على الأرض، لا الخطاب السياسي الغربي. ومن هنا، فإن موسكو لا تبدو مستعجلة على وقف الحرب، لأنها تدرك أن الزمن يعمل لصالحها، وأن الغرب يواجه أزمة إرادة وقدرة في آنٍ واحد.
ختاماً تبدو أوكرانيا اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فالانتخابات التي تضغط واشنطن لإجرائها ليست تعبيراً عن إرادة شعبية، بل محاولة لإنقاذ مشروع غربي يترنّح. وفي المقابل، تبدو روسيا الطرف الأكثر ثباتاً، لأنها تخوض معركة تعتبرها جزءاً من أمنها القومي، لا مجرد نزاع حدودي. ومع تراجع الدعم الغربي، وتآكل شرعية السلطة في كييف، وتعب المجتمع الأوكراني، وانقسام أوروبا، يصبح من الواضح أن موسكو تتقدّم نحو تسوية تعكس رؤيتها، لا رؤية خصومها.

 

البحث
الأرشيف التاريخي