عراقجي، مُشيراً إلى أننا لا نخشی الاستعراض العسكري في المنطقة:
لن تنجح المفاوضات إلّا عندما تُعترف بحقوق الشعب وتُحترم
قال وزير الخارجية سيد عباس عراقجي، في كلمة له خلال المؤتمر الوطني للسياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يوم أمس: إن الاستعراض العسكري للطرف الآخر في المنطقة لا يخيفنا اليوم، وقال: نحن دبلوماسيون، وأيضا محاربون؛ نحن محاربون، ليس بمعنى أننا نسعى للحرب، بل بمعنى أننا مستعدون للقتال حتى لا يجرؤ أحد على محاربتنا. ونحن دبلوماسيون لأننا نملك المنطق.
وهنأ عراقجي بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، وقال: إننا في أيام عشرة الفجر المباركة، من المناسب أن نتذكر الإمام الخميني الراحل وشهداء الثورة الإسلامية؛ أولئك الذين ضحوا بدمائهم، وحققوا النصر لهذه الثورة، وجعلوا إرادة الشعب الإيراني تسود.
وأضاف وزير الخارجية: إذا نظرتم إلى دستورنا، ستجدون أن تركيزه الأساسي ينصب على الاستقلال وعدم السماح بأي شكل من أشكال للنفوذ الأجنبي. وينص المبدأ الأول للدستور على أن نظامنا هو جمهورية إسلامية.
وقال عراقجي: لا يمكن فهم السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية دون فهم مبدأ الاستقلال والكرامة والاحترام.
التخصيب من بين احتياجات البلاد
وقال وزير الخارجية: لقد دفعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ثمنا باهظا للغاية لامتلاك برنامج نووي سلمي وللتمتع بالتخصيب، وكان هذا الثمن متناسبا مع احتياجات البلاد.
وأكد أنه يعتبر التخصيب والبرنامج النووي من بين احتياجات البلاد، إذ يُلبيان احتياجاتها في مجالات عديدة، بما في ذلك الزراعة والصحّة وغيرها. بل إن التخصيب نفسه ضروري لتلبية احتياجاتنا المستقبلية من الوقود النووي ومحطة الطاقة النووية. وقد ذكر هذا مرارا وتكرارا.
وتابع قائلا: أريد أيضا أن أنظر إلى هذه القضية من منظور الاستقلال والكرامة. لماذا أصررنا على التخصيب إلى هذا الحد، وهل نحن غير مستعدين للتخلي عنه، حتى لو فرضت علينا الحرب؟ لأنه لا يحق لأحد أن يملي علينا ما يجب أن نملكه وما لا يجب أن نملكه. هذا مبني على مبدأ نفي الهيمنة. من حقي أن أغتني، وبموجب القانون، لي حرية ممارسة هذا الحق أو عدم ممارسته.
السبيل الوحيد هو الدبلوماسية
وأشار عراقجي إلى أنه إذا كان هناك أي سؤال أو أي غموض بشأن أهداف البرنامج النووي السلمي الإيراني، فسوف نجيب ونزيل أي غموض، مضيفا: أن السبيل الوحيدة لضمان برنامج إيران النووي السلمي هو من خلال الدبلوماسية. وأوضح أنه لم تجد الخيارات الأخرى نفعا. لقد قصفوا منشآتنا، لكن النتيجة التي أرادوها لم تتحقق. لا يمكن تدمير المعرفة بالقصف، ولا يمكن تدمير التكنولوجيا. وأضاف وزير الخارجية: لن تنجح المفاوضات إلا عندما تُعترف بحقوق الشعب الإيراني وتُحترم، وعندما نتمكن من ممارسة هذه الحقوق. لا نريد من أحد أن يعترف بحقوقنا؛ حقوقنا رسمية، وحقوقنا قائمة. نريد أن تُحترم حقوقنا.
يخشون قنبلتنا الذرية، بينما نحن لا نسعی إلیها
وشدد على اعتقاده بأن سر قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية يكمن تحديدا في قدرتها على مقاومة الاستبداد والهيمنة والضغوط الخارجية، وقال: إنهم يخشون قنبلتنا النووية، بينما لا نسعى نحن لامتلاكها. إن قنبلتنا النووية هي القدرة على رفض القوى العظمى. وسر قوة الجمهورية الإسلامية يكمن في هذه القدرة على رفض تلك القوى.
الجلسة الأولى من المفاوضات كانت بمثابة اختبار
وفي مؤتمر صحفي على هامش المؤتمر، أشار عراقجي الى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد استخلصت دروسا عديدة خلال العام الماضي، سواء من المفاوضات السابقة أو من الحرب التي اندلعت، قائلا: لقد دخلنا هذه المفاوضات آخذين في الاعتبار كل ما حدث في الماضي. اعتقد ان الجلسة الأولى كانت بمثابة اختبار أكثر من أي شيء آخر. واوضح عراقجي: تناولت المفاوضات حصريا الموضوع النووي، وإذا تقرّر الاستمرار بها في المستقبل، فستبقى على هذا النحو. ويجري حاليا تحليل نتائج مفاوضات يوم الجمعة، وسيُتخذ قرار بشأن مواصلتها لاحقا. وكان التوجه العام لكلا البلدين في ختام مفاوضات يوم الجمعة ينص على ضرورة الاستمرار في الحوار، لكن القرار النهائي يعتمد في النهاية على الاستنتاجات التي ستُتّخذ في عاصمتي البلدين".
استخلصنا دروساً من المفاوضات والحرب على حدٍّ سواء
وأردف عراقجي: أوجه التشابه الوحيدة بين هذه الجولة والجولات السابقة هي الشكل غير المباشر للمفاوضات بوساطة وزير خارجية سلطنة عُمان، بالإضافة الى أن محور النقاش يقتصر هذه المرة أيضا على القضية النووية فقط. أما من جوانب أخرى، فأرى أن ثمة فروقا جوهرية.
واكمل: لقد استخلصت الجمهورية الإسلامية الايرانية دروسا كثيرة جدا خلال العام الماضي، سواء من المفاوضات السابقة أو من الحرب التي وقعت، وذلك في المجالين السياسي والدبلوماسي على حد سواء. ودخلنا هذه المفاوضات ونحن نأخذ في الاعتبار كل ما حدث في الماضي. واردف: الجلسة الأولى كانت ذات طابع تجريبي في المقام الأول، لاختبار مدى إمكانية الوثوق بالطرف المقابل ومدى جديته في التوصل الى حل تفاوضي. كما ادّعى الطرف المقابل أنه أيضا كان يقيّم مدى جديتنا. وأعتقد أنه إذا خلص تقييمنا الى وجود جدية لدى الطرف المقابل، فستستمر المفاوضات.
استمرار العقوبات يُثير شكوكاً حول جدّية المفاوضات
وأوضح عراقجي: توجد مؤشرات تدل على جدية الطرف المقابل، وفي الوقت ذاته توجد مؤشرات أخرى تُضعف هذه الجدية. فاستمرار بعض العقوبات وبعض التحركات في المجال العسكري يُثير بطبيعة الحال شكوكا حول مدى جدية واستعداد الطرف المقابل. وسنتابع جميع هذه المؤشرات ونقيّمها مجتمعة، وبناء على هذا الاستنتاج الشامل، سنقرّر بشأن مواصلة مسار المفاوضات.
وعن كيفية التفاوض مع الوفد الأمريكي، قال عراقجي: في جميع الجولات السابقة، كانت المفاوضات تُجرى بشكل غير مباشر، لكن مع ذلك، كان الطرفان يلتقيان وجها لوجه لدى دخول الوفدين أو خروجهما؛ وهذا أمر غير مستغرب، فقد ذكرنا مرارا أن هذا إجراء متعارف عليه في مراعاة آداب الدبلوماسية.
وأضاف: لقد شددتُ مرارا على أن شكل المفاوضات ليس هو المهم بقدر محتواها. والمحادثات غير المباشرة ليست بالأمر الغريب أو الاستثنائي، بل هي أمر متعارف عليه وشائع جدا في العلاقات الدولية. فلأسباب مختلفة، قد لا ترغب دولتان في التحدث مباشرة أو في المواجهة المباشرة؛ وقد يكون ذلك لأسباب تاريخية أو سياسية أو حتى في أعقاب انتهاء حرب معينة.
وتابع: ولهذا السبب نشأت فلسفة الوساطة في العلاقات الدولية. ومثال واضح على ذلك هو مفاوضات روسيا وأوكرانيا التي تُجرى حاليا بحضور الولايات المتحدة، والتي بدأت بشكل غير مباشر؛ أي أن الولايات المتحدة نفسها تلعب دور الوسيط لتسهيل هذه المحادثات غير المباشرة. وهناك أمثلة عديدة أخرى في العلاقات الدولية، وهذا الامر متعارف عليه وشائع تماما.
العوائق الحقيقية للمفاوضات
واكمل عراقجي: هذا الأسلوب في المفاوضات لا يشكّل عائقا أمام التوصل إلى اتفاق؛ فالعوائق الحقيقية تكمن في القضايا الجوهرية، مثل المطالب المفرطة والادعاءات غير المنطقية والطلبات غير الواقعية. والنقطة الجوهرية هي نهج الطرف الأمريكي. فإذا كان هذا النهج قائما على المصالح المتبادلة والاحترام والعدالة والإنصاف، فأرى أن التوصل إلى اتفاق ممكن، سواء أكانت المفاوضات مباشرة أم غير مباشرة.
وردا على سؤال حول زمان ومكان المحادثات المقبلة، ووجود تكهنات بأن مكان المحادثات قد يتغير، وما هي الخطة التي طرحتها إيران في المجال النووي، قال وزير الخارجية: لا يمكن الخوض في التفاصيل، لكن الفكرة العامة واضحة. على أي حال، بإمكاننا اتخاذ سلسلة من إجراءات بناء الثقة في البرنامج النووي، وفي المقابل، يجب رفع العقوبات.
وأشار عراقجي إلى أن الزمان والمكان للجولة المقبلة سيُحدّدان من خلال المشاورات التي سيجريها وزير الخارجية العُماني. ومن الممكن أن يتغير مكان المفاوضات، كما حدث في الجولة السابقة التي انتقلت مرتين إلى مكان آخر. أما شكل المفاوضات من وجهة نظرنا، فهو لا يزال غير مباشر، وسَيُحدد الزمان والمكان عبر القنوات الدبلوماسية.
وردا على سؤال حول تصريح الرئيس الأمريكي القائل إن الحرب لَما وقعت لو كانت إيران قد قبلت بشروطهم الحالية في الجولة السابقة، قال وزير الخارجية: أهم نقطة وأكثرها محورية في المفاوضات السابقة كانت إصرار الطرف المقابل على التخصيب الصفري، وهو أمر لم يكن مقبولا بأي حال من الأحوال من جانبنا. وقد أعلنا مواقف بلادنا بهذا الشأن بشكل قاطع، وما زلنا نؤكد عليها في هذه الجولة أيضاً. واوضح وزير الخارجية: القضايا الصاروخية والمسائل الإقليمية لم تكن أبدا على جدول أعمال المفاوضات، أي أنها لم تُدرج أصلا كي تُستبعد الآن. وموضوع المفاوضات الحالي هو الملف النووي فقط، وسيرتبط بهذا الشأن فحسب.
المقاومة إحدى ركائز القوّة
وقال عراقجي: إن اكتساب القوة ضرورة ملحة بالنسبة لنا واحد ركائز القوة المقاومة والصمود أمام الضغوط.
وأشار إلى أن هذه ليست نظرية جديدة وأنها كانت موجودة في العلاقات الدولية من قبل، ولكنها أُهملت لفترة طويلة، قائلاً: "على مدى ثمانين عاماً تقريباً، سعت الدول إلى إرساء نظام دولي قائم على القانون؛ وقد تشكلت المؤسسات الدولية والمنظمات الدولية والقانون الدولي والأعراف الدولية في هذا الاتجاه. لكننا الآن نواجه قوة تقول إن كل شيء قائم على القوة؛ السلام بالقوة وليس سلاماً عادلاً. وأكد عراقجي ان ايران لا تثق بامريكا، قائلاً: لقد شددت في جميع الاجتماعات على احتمال وجود تضليل، وأنه لا ينبغي لأحد أن ينخدع. يجب على كل مؤسسة أن تؤدي واجبها؛ سواء أكانت القوات المسلحة، أو الحكومة، أو غيرها من القطاعات، يجب عليها أن تضطلع بواجباتها باستقلالية تامة عن هذه المفاوضات. نحن نقوم بعملنا؛ إما أن نحقق نتيجة أو لا. يجب أن تُحكم البلاد دون الاعتماد على المفاوضات والاتفاقيات وهذه هي الطريقة التي تُحكم بها.
