الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد سبعة آلاف وتسعمائة وثمانية وسبعون - ٣١ يناير ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد سبعة آلاف وتسعمائة وثمانية وسبعون - ٣١ يناير ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

الدبلوماسية على حافّة الصراع.. مستقبل العلاقات الإيرانية-الأميركية

إبراهيم متّقي

كما أن الفراغ في أي مجال جغرافي يهيّئ الأرضية لحدوث الانفجار، فإن الفراغ في الفعل الاتصالي بين الفاعلين يولّد بدوره مؤشرات على المواجهة، والصراع، بل وحتى الانفجار العسكري.
وفي الفضاء القائم للسياسة الدولية، يمكن ملاحظة مؤشرات واضحة لما يُسمّى «حافة التهديدات». فقد منعت الولايات المتحدة الدول الأوروبية من السماح بمشاركة وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأدائه أي دور في كلٍّ من «مؤتمر ميونيخ للأمن» و«المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس». ومن هنا، لم تتوافر الأرضية اللازمة لإلغاء القيود التي حالت دون قيام وزير الخارجية الإيراني بزيارته الدبلوماسية والتحليلية إلى ألمانيا وسويسرا.
في الظروف التي تعاني فيها الوحدات السياسية من غموض أمني، غالبًا ما يُنظر إلى المؤتمرات الدولية بوصفها فرصة لتعزيز الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى معالجة القضايا الاجتماعية والأمنية. إن تجاهل طلب سفر وزير خارجية إيران للمشاركة في المؤتمرات المرتبطة بالاقتصاد والأمن العالميين يمكن اعتباره من بين المؤشرات الخارجة عن الأعراف الدبلوماسية، وهو ما قد ينطوي على طبيعة عالية المخاطر في العلاقات المتبادلة بين الدول وفي أمن المنطقة.
يشير بعض المحللين إلى أن اتخاذ إجراءات من قبيل إلغاء زيارة وزير خارجية أي كيان سياسي يُعدّ بمثابة إعلان غير مباشر عن انتهاء الدبلوماسية، أو على الأقل فقدانها بشكل واضح لقدرتها الفاعلة في إدارة العلاقات بين الدول وتسوية القضايا الأمنية والاستراتيجية.
في مسار التحولات السياسية والإقليمية والاستراتيجية عالية المخاطر، لجأت إيران إلى آليات الفعل الدفاعي، وسعت على الدوام إلى تهيئة ظروف العبور من التحديات الأمنية القائمة في علاقاتها مع العالم الغربي. وفي مثل هذه الأوضاع، يمكن اعتبار نمط الأحادية الأميركية وسياسة تبعية الدول الأوروبية للسلوك السياسي - الأمني للولايات المتحدة من جملة الوقائع التي لا تُفشل فقط الاستجابة البنّاءة للجمهورية الإسلامية الإيرانية إزاء الاستراتيجية الأمنية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل تخلق كذلك مخاطر استراتيجية جسيمة للدول الإقليمية.
 أمننة إيران في السياسة الدولية
تسعى الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى إدخال إيران في إطار الأمننة. فعندما تواجه دولة ما مؤشرات على تهديدات دولية مركّبة ومتعددة الأبعاد، فإن ذلك يعني أنها تتعرّض لضغوط ومخاطر أمنية أشد. إن أمننة إيران تمثّل عملية جرى تشكيلها استنادًا إلى البرنامج الاستراتيجي للولايات المتحدة. وتشير الوقائع الاقتصادية والسياسية العالمية إلى أن الولايات المتحدة، في مسار إسقاط الأنظمة الثورية والشعبية والراديكالية - مثل تشيلي 1973م، وغواتيمالا 1954م، والعراق 2003م، وإيران 2026 - قد لجأت إلى آليات من قبيل العقوبات، والاحتواء، والقيود الشاملة.
وقد تصاعدت الضغوط الاقتصادية الأميركية خلال الأعوام 2018–2026 بصورة ملحوظة. فدونالد ترامب وأركان إدارته دأبوا على استخدام مفاهيم مثل «العقوبات الهشّة» و«العقوبات المُشلّة» في شرح الاستراتيجية الأميركية الهادفة إلى تقييد قوة إيران. ويمكن النظر إلى هذا النهج بوصفه انعكاسًا لـ«دبلوماسية الإكراه»، والقيود الاقتصادية، والضغوط الاستراتيجية التي تمارسها الولايات المتحدة ضد إيران. وقد تركت هذه القيود الاقتصادية آثارها الواضحة في تشكيلات الاقتصاد السياسي والأمن الإيراني.
يشير منظّرون ومسؤولون من أمثال "ريتشارد نِفيو" في أطروحاتهم إلى أن سياسة العقوبات تؤدي إلى استنزاف القدرة الاقتصادية للدول المستهدفة. وعندما تخضع دولة مثل إيران لقيود اقتصادية، فإنها ستواجه حتمًا تحديات أمنية واقتصادية شاملة في إدارة شؤونها الداخلية. وتتحقق معادلة القوة والفعل الأمني الأميركي ضد إيران على نحو فعّال عندما تُحدث العقوبات الاقتصادية تأثيرها في البنية الاجتماعية وأنماط سلوك الفاعلين السياسيين والأمنيين والاستراتيجيين والدوليين.
لقد أوجدت العقوبات الاقتصادية الأميركية ضغوطًا سياسية واجتماعية واسعة على إيران. ويمكن اعتبار ارتفاع معدلات التضخم، والعجز في الموازنة، واللجوء إلى آليات مثل «سياسة التعديل الاقتصادي» من أجل ترميم إيرادات الدولة العامة جزءًا من عملية ستُنتج تحديات أمنية أشدّ وأوسع لإيران. وتُظهر التجربة الأميركية مع الدول الثورية والراديكالية، التي تُدرج بوصفها أهدافًا أمنية للمؤسسات الاستراتيجية، مؤشرات على الأزمات والتهديدات، ومواجهات اجتماعية، ومحاولات إسقاط سياسي.
وقد أشار سكوت بيسِنت، وزير الخزانة الأميركي، خلال اجتماعات المنتدى العالمي في دافوس إلى أن الولايات المتحدة تستخدم سياسة العقوبات بهدف تقييد قوة إيران وتوسيع نطاق الاضطرابات الاجتماعية فيها، وقال بصراحة: إن "الولايات المتحدة هي مَن أشعلت انتفاضات واسعة في إيران؛ انتفاضات أدّت إلى مقتل عدة آلاف من الأشخاص. هذه الأعمال هي من صنعنا، وسنواصل هذا المسار. يجب أن يموت الآلاف بالرصاص، وعشرات الآلاف بسبب الجوع".
تُلاحظ مؤشرات متزايدة على الفعل الأمني الذي تمارسه الدول الأوروبية والولايات المتحدة ضد إيران. إن صياغة قرار البرلمان الأوروبي لإدانة إيران في ملف حقوق الإنسان، بالتوازي مع انعقاد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يوم الجمعة 23 كانون الثاني/ يناير 2026، تنطوي على أبعاد وتداعيات تهديدية لإيران. وتشعر الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها تواجه تصاعدًا في التهديدات الأمنية. وفي مثل هذه الظروف، يسعى أي فاعل، بصورة حتمية، إلى استخدام آليات الفعل الدفاعي من أجل إنتاج الأمن أو تحقيق الردع في مواجهة الإجراءات العسكرية.
يمكن تلخيص الهدف الرئيس للولايات المتحدة من استعراض قوتها الدبلوماسية ضد إيران في تقويض المصداقية ونزع الشرعية البنيوية للجمهورية الإسلامية الإيرانية داخل البنية الاجتماعية وعلى ساحة السياسة العالمية. وتؤكد التجربة التاريخية أنه كلما وُضعت دولة ما في إطار الأمننة، فإنها تواجه تهديدات تصاعدية. ويبيّن الخطاب السياسي ونمط السلوك الدبلوماسي الأميركي تجاه إيران أن القيود الاقتصادية الهادفة إلى الاستنزاف البنيوي وتوسيع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية في إيران ستتسم بطابع حتمي وواسع النطاق.
وفي الوقت الذي تخطط فيه الولايات المتحدة لحرب اقتصادية وأزمات اجتماعية متصاعدة ضد إيران وتقوم بتنظيمها، تسعى "إسرائيل" إلى استخدام آليات الفعل غير المباشر في تعاملها مع إيران. فالوحدات الأمنية الإسرائيلية، في سياق الأزمات الاجتماعية داخل إيران، لا تُعدّ مجرد محرك للتصعيد، بل تمتلك أيضًا القدرات التكتيكية اللازمة لـ"العمل العملياتي"، و"الاغتيال"، و"إحداث الفوضى". وتشكل كل واحدة من هذه الآليات جزءًا من الخطة التكتيكية الأميركية - الإسرائيلية في إطار تقسيم العمل الاستراتيجي ضد إيران.  النتيجة:
يمكن اعتبار السياسة والأمن من بين الضرورات الأساسية لعبور الدول بصورة سلمية في بيئة تتسم بتهديدات متصاعدة. وتواجه إيران في الظروف الراهنة مؤشرات على غموض استراتيجي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. إن تصاعد التهديدات الإعلامية والسيبرانية والأمنية ضد إيران يشكّل عاملًا مؤثرًا في تعميق هذا الغموض إلى جانب التهديدات الواسعة. كما أن التحديات الاقتصادية ونمط الحوكمة في إيران لا ينسجمان مع واقع التهديدات الأمنية القائمة. وفي ظل الارتفاع المرحلي لمستوى وشدة التهديدات، برزت مظاهر إدارة جامدة مترافقة مع حالات متكررة من المفاجأة.
إن التهديدات الاقتصادية والأمنية ضد إيران آخذة في التزايد. ورغم أن الأجهزة الأمنية الأميركية والإسرائيلية لعبت دورًا فاعلًا في إضعاف القدرات الاقتصادية والأمنية لإيران، فإن أي عملية إشاعة للفوضى تحتاج إلى بيئات اجتماعية مناسبة وحراك أمني من قبل الطرف الخصم. وقد نفّذت أجهزة الاستخبارات والأمن الأميركية والإسرائيلية خلال عام 2025 تخطيطًا فعالًا ومنسقًا من أجل تقييد القوة ومواجهة البنية السياسية والاجتماعية لإيران. ولن يكون تجاوز التهديدات المحدقة بإيران ممكنًا من دون تنسيق البنية البيروقراطية وإعادة إنتاج مؤشرات التماسك الاجتماعي. فالعديد من معطيات العصر الراهن تعكس طيفًا واسعًا من التهديدات الأمنية.
وفي ظل مواجهة إيران لتهديدات مركّبة، تصبح بحاجة إلى اعتماد آليات تحقق، أولًا، ترميم الأطر الخطابية داخل بنيتها الاجتماعية؛ وثانيًا، إدراج استراتيجية البقاء القائمة على إنتاج القوة، والردع، والمرونة الاستراتيجية في مجال السياسة الخارجية ضمن أولوياتها.

البحث
الأرشيف التاريخي