وصفة ترامب.. قمع في الداخل؛ وفوضى للجيران
نشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي مقالة تتناول سلوك دونالد ترامب القائم على القمع في الداخل الأمريكي ودعم الفوضى في الخارج، مسلّطة الضوء على تحوّل العنف الحكومي إلى أداة حكم، والتناقض بين خطابه بشأن حقوق الإنسان وممارساته تجاه الاحتجاجات الشعبية وحقوق المواطنين.
استهزأ دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، عبر سلوكياته وممارساته، بالقواعد الهشّة للنظام الدولي، واتجه علنًا إلى اعتماد سياسة الغطرسة. لم يلتزم بالدبلوماسية ولا بالمبادئ القانونية، بل سعى إلى فرض مساره عبر التهديد والبلطجة، وهو أسلوب يؤدّي عادةً، عند مواجهة ردود فعل مقابلة، إلى التراجع. لم يقتصر هذا السلوك على السياسة الخارجية فحسب؛ بل انتهجه أيضًا داخل أمريكا، حيث قمع كل صوت معارض. فالمؤسسات الداخلية، والاحتجاجات المدنية، وحقوق المواطنين، لا تُعدّ في نظره سوى عوائق في طريق تحقيق مطامعه الشخصية.
في الأيام الماضية، تحوّلت شوارع بعض المدن الأمريكية إلى ساحات حرب. ما يجري اليوم في هذا البلد لم يعد يُعدّ أزمة أمنية عابرة أو مجرّد تحدٍّ مرتبط بالهجرة. لقد دخلت أمريكا، في الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، مرحلة يمكن وصفها بأزمة حُكم - وإن كانت ملامح هذا المسار قد بدأت منذ سنوات - إذْ تحوّل العنف الحكومي إلى أداة اعتيادية لممارسة السلطة، وأصبح الاحتجاج المدني فعلًا عالي الكلفة ومحفوفًا بالمخاطر.
إنّ مقتل أليكس بيرتي، الممرّض الأمريكي، على يد عناصر الهجرة الفدرالية في مينيابوليس، ليس حادثًا معزولًا، بل هو رمز لسياسة واضحة ينتهجها ترامب. فرواية البيت الأبيض عن «رجل مسلّح» اضطرّ العناصر إلى الدفاع عن أنفسهم مقابله، لا تنسجم مع مقاطع الفيديو، ولا مع تصريحات العائلة، ولا مع مواقف عدد من أعضاء «مجلس الشيوخ». تُظهر الصور أنّ الضحية كان أعزل وغير مهدِّد، تعرّض للضرب ثم أُطلق عليه النار. ومع ذلك، رفضت الحكومة الفدرالية تحمّل المسؤولية، وسلكت مسار الإنكار وصناعة السردية. إنّ منع إجراء تحقيق مستقل وتقديم دعم غير مشروط للعناصر المنفّذين يكشف بوضوح أنّ هدف ترامب هو السيطرة على المشهد وبثّ الخوف. كما وصف نائبه، في تصريح لافت، هذه الاحتجاجات بأنّها «فوضى مُهندَسة».
تحوّلت مينيابوليس في الأسابيع الأخيرة عمليًا إلى مدينة عسكرية. إنّ الانتشار الواسع للقوات الفدرالية، واستخدام الغاز المسيل للدموع والقنابل الدخانية ضدّ التجمعات السلمية، وتهديد المحتجّين بحملات اعتقال واسعة، يرسم صورة مقلقة عن واقع الحقوق المدنية في أمريكا. هذه الأوضاع ليست نتيجة اضطرابات شعبية، بل ثمرة قرارات سياسية اتُّخذت في أعلى مستويات السلطة. فقد اختار دونالد ترامب، في تعاطيه مع الاحتجاجات، طريق التهديد بدل الحوار وتهدئة التوتر؛ يصف المحتجّين بأنهم مثيرو شغب، ويتّهم المسؤولين المحليين بالتحريض على التمرّد، ويطلق على القوات الفدرالية صفة «الوطنيين». يتجلّى التناقض في سلوك ترامب بصورة أوضح عند التوقف عند مواقفه من الاضطرابات في إيران. فالرئيس نفسه الذي كان يدعو، في ما يتعلّق بأحداث إيران، الناسَ علنًا إلى العنف، والاستيلاء على المراكز الحساسة، ومواجهة النظام الحاكم، لا يحتمل اليوم أيّ شكل من أشكال الاحتجاج داخل بلاده؛ يدعم الفوضى في الخارج، بينما يواجه الاحتجاج في الداخل بالرصاص والاعتقال.
بالنسبة إلى ترامب، يُعدّ الاحتجاج، بل وحتى الشغب، أمرًا مشروعًا عندما يتشكّل ضدّ الخصوم الجيوسياسيين لأمريكا. أمّا حين يصل المنطق ذاته للاحتجاج إلى شوارع أمريكا، فإنّه يُفسَّر فورًا على أنّه تمرّد، وإرهاب، وتهديد للأمن القومي. تواجه إدارة ترامب في الوقت ذاته أزمات متعدّدة؛ إذ تعمّقت الانقسامات الاجتماعية، وتفاقمت أزمة الهجرة، واتّسعت حالة الاستياء الاقتصادي، وتراجع مستوى الثقة العامة بالمؤسسات الأمنية. وقد جاء ردّ البيت الأبيض على جميع هذه الأزمات واحدًا؛ قائمًا على القمع، والتهديد، واستخدام القوّة.
إنّ الدعم غير المشروط الذي يقدّمه ترامب للقوات الفدرالية، حتى بعد نشر أدلّة مصوّرة على قتل مواطنين، يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع. هذه الرسالة تقول إنّ الدولة تستطيع استخدام العنف من دون أن تعدّ نفسها ملزمة بالمحاسبة. وحين يطلب سيناتور أمريكي من الناس أن يثقوا بأعينهم، فهذا يعني أنّ الفجوة بين الواقع والرواية الرسمية قد وصلت إلى مرحلة خطيرة. ومع ذلك، لا يتراجع ترامب فحسب، بل يعمّق الأزمة عبر تعزيز انتشار القوات الفدرالية. إنّه يرفع منسوب التوتر لكي يبرّر القمع. فأمريكا التي تردّ اليوم على الاحتجاج السلمي بالسلاح، لا يمكنها أن تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم. والرئيس الذي يثير الفوضى خارج بلاده، ويرتكب مرتزقوه الجرائم، ويخنق في الداخل صوت احتجاج شعبه، وفي الوقت ذاته يصف نفسه بأنّه رئيس سلام ويغضب لأنه لم ينل جائزة «نوبل» للسلام، هو بحالة مرضية خطيرة تحتاج إلى علاج جاد.
