في ظل تحدٍّ أمريكي للقانون الدولي
«غرينلاند ليست للبيع».. أوروبا تنتفض ضدّ هيمنة وتسلط ترامب
ما زال العالم يضج بمتابعة محاولات سيطرة ترامب على جزيرة غرينلاند الاستراتجية في ظل رفض أوروبي مستمر بدأ بالرفض القانوني والدولي وارتفعت حدته مع التهديد بانهيار حلف الناتو بعد الانسحاب الأوروبي وصولاً إلى إرسال قوات أوروبية إلى الجزيرة وإن كانت رمزية ولا تتعدى كونها مهمة استطلاع وغير كافية لردع التهديد الأمريكي بالتزامن مع تصاعد مضطرد في الخطاب السياسي الأوروبي من القضية وصولاً إلى مظاهرات شعبية دانمركية واسعة رفضًا لتصريحات ترامب المتكررة حول رغبته في ضم الجزيرة القطبية الشمالية أو السيطرة عليها ومحاولاته المتعددة لذلك والتي توجت بإعلانه الأخير أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته وقد نفذ ذلك بالفعل على ثماني دول أوروبية. الأسئلة التي تطرح هنا ما الذي ستحمله لنا تطورات القضية في القادم من الأيام من محاولات أمريكية مستمرة ومتعددة للسيطرة على الجزيرة وهل تستطيع أوروبا أن تقول «لا» لواشنطن أم أن الهيمنة الأمريكية ستجد طريقها، كما فعلت دائماً، عبر القوة والضغط؟
غرينلاند خط أحمر أوروبي
شهدت الأيام الأخيرة تصاعداً في الخطاب الرسمي الأوروبي بمواجهة التحركات الأمريكية للإستيلاء على غرينلاند، فقد أبلغ وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور نظيره الأميركي سكوت بيسنت أن الاستيلاء على الجزيرة يُشكّل خطًا أحمر أوروبيًا، محذرًا من أن هذه الخطوة ستُهدد العلاقة الاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة، مؤكداً أن أي تحرك أميركي سيضع العالم أمام واقع جديد تمامًا، يستوجب ردًا أوروبيًا مناسبًا. من جهته، أدان البرلمان الأوروبي تصريحات ترامب بشأن عزمه ضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك إلى الولايات المتحدة والتي تُمثل تحدياً للقانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وسيادة وسلامة أراضي حليف في الناتو.
الموارد في قلب الحسابات الاقتصادية
يؤكد ترامب دائماً على أن أهمية غرينلاند تتجاوز موقعها الجغرافي في القطب الشمالي إلى ثروتها المعدنية غير المستغلة، ولا سيّما المعادن النادرة الضرورية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والدفاع.
وتندرج هذه الموارد ضمن سعي القوى الكبرى إلى تأمين سلاسل توريد مستقرة في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي، خاصةً مع تنامي النفوذ الصيني في هذا القطاع.
وتُعدّ غرينلاند فرصة طويلة الأمد لتقليص اعتماد الولايات المتحدة على واردات المعادن الحيوية، فيما يسهم ذوبان الجليد المتسارع في تعزيز الجدوى الاقتصادية لاستغلال هذه الموارد.
ويرى محللون أن ربط الملف السيادي بأدوات الضغط التجاري يعكس تحولاً نحو مفهوم «الأمن الاقتصادي»، حيث تُستخدم الرسوم الجمركية كوسيلة لإعادة رسم توازنات السيطرة على الموارد الإستراتيجية، لا كإجراء تجاري تقليدي فحسب.
قوات عسكرية أوروبية رمزية إلى غرينلاند
ميدانيًا، وصلَت بعثة عسكرية أوروبية إلى غرينلاند، في خطوة قالت الدنمارك إنها تهدف إلى تعزيز الوجود الأمني في القطب الشمالي، والبعثة مؤلفة من فرنسا والسويد وألمانيا والنروج وهولندا وفنلندا وبريطانيا وهي قوات رمزية ضمن مناورات الصمود القطبي.
وفي سياق الرد الأمريكي على التحرك العسكري الأوروبي أكد البيت الأبيض أن نشر قوات أوروبية في غرينلاند لا يؤثر على خطط دونالد ترامب المتعلقة بالجزيرة، ولا يُغيّر من موقفه حيال ضمّها.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، في مؤتمر صحفي، أنها لا تعتقد أن وجود القوات في أوروبا يؤثر على عملية صنع القرار لدى ترامب، ولا يؤثر على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند على الإطلاق.
ترامب يُعلن حرباً جمركية على أوروبا
تعهد ترامب أنه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 10% من الأول من شهر شباط/فبراير القادم على دول تعارض استيلائه على غرينلاند. مشيراً إلى أن تلك الدول هي: الدنمارك والنرويج والسويد وفنلندا وهولندا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا .وأضاف إنه سيرفع نسبة الرسوم الجمركية الى 25 % في أول شهر حزيران/يونيو القادم اذا استمرت هذه الدول في معارضتها لاستيلائه على غرينلاند وأعلن ترامب إن هذه الدول وضعت نفسها في موقف لا يمكن تحمّله، زاعماً أن واشنطن منفتحة على التفاوض رغم ما قدمته من حماية طويلة الأمد.
ويرى اقتصاديون أن هذه الرسوم الجمركية التي يريد ترامب فرضها قد تضرب قطاعات صناعية أوروبية تعتمد على السوق الأميركية في وقتٍ يتباطأ فيه النمو داخل القارة، محذرين من أن هذه الخطوة قد تعيد أجواء الحروب التجارية في توقيت حساس للاقتصاد الأوروبي، كما تزامن التصعيد مع احتجاجات شعبية وضغوط سياسية داخل أوروبا، ما يضاعف كلفة الأزمة.
من جهتهم استنكر القادة الأوروبيون تصريحات ترامب، فأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تضامن الاتحاد الأوروبي الكامل مع الدانمارك وغرينلاند، مؤكدةً أن أوروبا موحدة وملتزمة بالحفاظ على سيادتها. معلنةً إن تلك الرسوم من شأنها تقويض العلاقات عبر الأطلسي وتعريضها لخطر الانزلاق في دوامة تصعيد خطيرة. من جهته، شدد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا على إن الاتحاد الأوروبي سيظل دائماً حازماً جداً في الدفاع عن القانون الدولي.
بدوره أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن التهديدات بفرض رسوم جمركية غير مقبولة ولا مكان لها في هذا السياق، وأن الأوروبيين سيردون بطريقة موحّدة ومنسّقة إذا تأكد ذلك مما يضمن احترام السيادة الأوروبية، وشدد على أنه «لا يمكن لأي ترهيب أو تهديد أن يؤثّر علينا، لا في أوكرانيا، ولا في غرينلاند، ولا في أي مكانٍ آخر في العالم».
أمّا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن الولايات المتحدة مخطئة تماماً في تهديدها بفرض رسوم جمركية جديدة على دول أوروبية أعضاء في حلف الناتو.
آلاف الدنماركيين يهتفون «غرينلاند ليست للبيع»
في مشهد تضامني واسع النطاق، شهدت الدنمارك يوم السبت مظاهرات حاشدة شارك فيها آلاف المواطنين في كوبنهاغن وعدة مدنٍ أخرى بالإضافة إلى احتجاجات في عاصمة غرينلاند نوك، ورفع المتظاهرون أعلام غرينلاند ذات اللونين الأحمر والأبيض، وهتفوا بشعارات مثل «غرينلاند ليست للبيع» و«ارفعوا أيديكم عن غرينلاند»، مطالبين باحترام حق سكان الجزيرة في تقرير مصيرهم. بدأت المسيرة الرئيسية من ساحة بلدية كوبنهاغن متوجهة نحو السفارة الأمريكية، وسط مشاركة منظمات غرينلاندية في الدنمارك ومنظمات أهلية أخرى.
وأعربت جولي راديماخر، رئيسة منظمة «أوجوت» (للمقيمين الغرينلانديين في الدنمارك)، عن شكرها للدعم الشعبي الكبير، قائلةً إن غرينلاند أصبحت «جبهة نضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان»، ودعت العالم إلى «الانتباه» لهذه القضية.
ختاماً تُثير هذه التطورات مخاوف من توتر داخل الحلف الأطلسي، وسط استنكار أوروبي واسع لما يُعتبر تهديدًا للسيادة والقانون الدولي.
