قمة الابتسامات والنتائج الصفرية..
لماذا عاد نتنياهو من فلوريدا بـ«وعود» لا «قرارات»؟
د. أكرم شمص
في منتجع «مار-آ-لاغو» بفلوريدا، كانت الصورة أنيقة: رئيس أميركي يصف ضيفه بـ»البطل»، ورئيس وزراء يتعهّد بمنحه «جائزة إسرائيل»، وابتسامات عريضة، وتهديدات نارية تُرمى يمينًا ويسارًا ضد إيران وحماس وحزب الله؛ لكن خلف هذه الاستعراضات، تكشف التفاصيل عن شيء مختلف تمامًا: قمة فشلت في منح نتنياهو الشيك على بياض الذي سافر من أجله، وانتهت بتفاهمات هشّة، وخلافات علنية، وإهانات شخصية مبطّنة، وتركت العدو الصهيوني في قلب أزماته نفسه. نتنياهو ذهب باحثًا عن حسمٍ فوري وشراكة عملياتية ناجزة، فعاد بحقيبة مليئة بالوعود المؤجَّلة، وبما يشبه رسالة أميركية واضحة: واشنطن تدير الإيقاع، لا تل أبيب.
أولًا: إيران.. «جعجعة» بصوتٍ عالٍ ولا طحين فوري
على مستوى الخطاب الإعلامي، بدا الملف الإيراني كأنه الإنجاز الأكبر الذي حمله نتنياهو من مارالاغو؛ ترامب هدّد علنًا بـ»تدمير» أي محاولة إيرانية لإعادة بناء قدراتها النووية أو الصاروخية، وتحدّث عن إمكانية «ضربة ثانية» إذا لزم الأمر. لكن ما إن ندقّق في طبيعة الرسائل، حتى يظهر جوهر مختلف تمامًا: لا قرار بعمل فوري، بل تعهّد أميركي مشروط ومؤجَّل التنفيذ، يربط أي ضربة مستقبلية بتقييم واشنطن لا بتوقيت تل أبيب. فعبارات ترامب من قبيل «إذا أعادوا البناء سندمّره» تبدو سياسية أكثر منها عسكرية، لأنها لا تحدّد ما المقصود بـ “إعادة البناء» — هل هو زيادة عدد الصواريخ؟ رفع مستوى التخصيب؟ أو مجرّد تطوير منشأة جديدة؟ إبقاء الخطوط الحمراء مبهمة يعني ببساطة أنّ المفتاح الاستراتيجي يبقى في يد واشنطن. أمّا بالنسبة لنتنياهو، الذي يحتاج إلى تفويض هجومي سريع ليعوّض نزيف صورته داخليًا واستنزاف جيشه إقليميًا، فقد خرج بما هو أقرب إلى «تعزيز للردع» لا «رخصة للهجوم» — كلام كبير يملأ العناوين، بلا أدوات تسمح بتغيير المعادلة في الزمن الحاضر.
ثانيًا: غزة.. شعارات نارية بلا
آليات تنفيذ
في ملف غزة، ارتدى ترامب ثوب مدير الحملة الانتخابية أكثر من كونه صانع تسويات، ولوّح لحماس بعبارات من نوع: «انزعوا السلاح أو ستواجهون الجحيم»، رابطًا الانتقال إلى «المرحلة الثانية» من اتفاق وقف إطلاق النار بنزع سلاح المقاومة خلال وقت قصير جدًا. غير أنّ ما يبدو أمام الكاميرات استعراض حزم، ينكشف في التفاصيل كفراغ سياسي كامل تقريبًا؛ فالمرحلة الثانية، كما تُقدَّم نظريًا، تقوم على تشكيل حكومة تكنوقراطية في غزة، وانسحاب جيش العدو الغاصب، وبدء إعادة الإعمار بتمويل دولي، مع نزع سلاح حماس أو تفكيكه تدريجيًا، لكن اللقاء لم يقدّم مفتاحًا واحدًا حقيقيًا لهذه الأبواب: لا تعريف لمن يضمن نزع السلاح وكيف، ولا اتفاق على شكل الحكومة المقبلة ومن تمثّل، ولا جدولًا زمنيًا ملزمًا للانسحاب أو لإطلاق ورشة الإعمار. وهكذا تبقى تهديدات ترامب مجرّد ضغوط نفسية وإعلامية، ما دامت واشنطن لم توفّر للعدو الصهيوني أدوات جديدة على الأرض، ولم تُنتِج شريكًا عربيًا أو دوليًا مستعدًا لتحمّل كلفة تسلّم قطاع محاصر ومدمَّر في ظلّ موازين القوى القائمة. في المقابل، يقول الميدان إنّ حماس ليست في وارد تسليم السلاح كـ»ثمن دخول» إلى أي تسوية، بل تسعى إلى توظيف صمودها وخبرتها القتالية لفرض شروط جديدة على طاولة الترتيبات المقبلة. عند هذه النقطة يكتمل مشهد الفشل: تهديدات أميركية لا تُترجَم إلى تغيير في سلوك الحركة، ونتنياهو عاجز عن انتزاع غطاء واضح لعمليات نوعية حاسمة تنهي وجودها أو تكسر بنيتها العسكرية، لتكون الحصيلة تكريسَ اتفاق هشّ، وتعليقَ «اليوم التالي» على حبال التمنيات والتصريحات، بدل تحويله إلى خطة متماسكة قابلة للحياة والتنفيذ..
ثالثًا: الضفة الغربية.. الخلاف يخرج من الكواليس إلى الكاميرات
اللحظة الأكثر إحراجًا لنتنياهو لم تكن في إيران ولا في غزة، بل في الضفة الغربية، حين قال ترامب على الملأ إنهما «لا يتفقان 100% بشأن الضفة»، في اعتراف علني نادر يُخرِج ما يُقال عادة خلف الأبواب المغلقة إلى العلن. هذا التصريح وحده كفيل بإسقاط الركيزة الدعائية الأهم لليمين المتطرف داخل حكومة نتنياهو، الذي روّج طوال السنوات الماضية أن العهد الترامبي هو فرصة «تاريخية» لضمّ الضفة أو لتوسيع الاستيطان من دون سقف أو مساءلة. فإذا بترامب نفسه يعلن أمام كاميرات العالم أن واشنطن — حتى في أكثر مراحلها قربًا من العدو الصهيوني — لا تمنح تفويضًا مفتوحًا لهذه الأجندة. هنا يتبدّى البعد الثاني: استمرار الفيتو السياسي الأميركي على مشاريع الضمّ الكبرى، حرصًا على عدم تفجير الوضع الإقليمي أو الإطاحة بما تبقى من واجهة السلطة الفلسطينية، وهذا بحدّ ذاته يعني أن نتنياهو فشل في تحويل القمة إلى «ختم أميركي» يشرعن مشروعه التوراتي. أمّا البعد الأشد قسوة داخليًا، فهو أن نتنياهو عاد إلى تل أبيب مكشوفًا أمام حلفائه الأكثر تشدّدًا؛ بعدما ذهب إليهم بصورة «الرجل الذي قادر على جلب كل شيء من واشنطن»، فعاد باعتراف موثّق يثبت أن البيت الأبيض لا يوافقه في واحدة من أهم ساحات مشروعه الأيديولوجي، وأن رهانه على «التطابق الكامل» لم يكن سوى ورقة دعائية انهارت في أول اختبار علني.
رابعًا: لبنان وحزب الله.. تهديد لفظي وملف مُعاد إلى الدولة اللبنانية
في الشقّ اللبناني، ظهر أوضح تعبير عن حدود ما تمنحه واشنطن لتل أبيب، إذ اكتفى ترامب بتصريحات من قبيل «حزب الله يتصرف بشكل سيئ» و»الوضع في لبنان صعب ومعقّد» و»هناك جهود لنزع السلاح وسنرى ما ستسفر عنه»، من دون أي إشارة إلى خطة حرب برّية، أو تعديل لقواعد الاشتباك، أو تحديد جدول زمني لعملية كبرى على الجبهة الشمالية. هذا الخطاب لا يشبه إعلانًا عن معركة، بل أقرب إلى تسجيل موقف وإلقاء العبء على الأطراف الأخرى. فالمعنى الفعلي هنا هو أنّ الولايات المتحدة لا تمنح العدو الصهيوني تفويضًا بحرب شاملة على لبنان، بل تفضّل إبقاء الملف في إطار الضغط الدبلوماسي واستنزاف الحزب بالعقوبات والتهديدات النفسية والإعلامية، مع تحميل الدولة اللبنانية نفسها جزءًا من عبء معالجة ملف السلاح عبر قنوات سياسية داخلية. وهكذا يفشل نتنياهو مرة جديدة في انتزاع ما يحتاجه لتسويق «معركة حسم» في الشمال، وتبقى الحدود اللبنانية محكومة لمنطق إدارة التوتر لا فتح الحرب، في معادلة تُظهر أن ميزان القوة السياسي — لا العسكري — هو ما يحدّد سقف الحركة الصهيونية في هذه الساحة.
خامسًا: الإهانة الشخصية..
من «وسام إسرائيل» إلى ورقة عفو محرِجة
على المستوى الشخصي، بدا نتنياهو كمن يحاول تعويض الفراغ السياسي بعرضٍ احتفالي، حين وعد بمنح ترامب «جائزة إسرائيل» تكريمًا لمواقفه، وترك للرئيس الأميركي هامشًا واسعًا ليتحدث عن قضايا العفو المرتبطة بمحاكماته، في خطوة كان الهدف منها إظهار علاقة استثنائية تتجاوز السياسة إلى مستوى الدعم الشخصي. لكن المشهد ارتدّ عليه بصورة قاسية: فبدل أن يُقدَّم كقائد قادر على انتزاع إنجازات، ظهر كسياسي ملاحَق يحتاج إلى «وساطة» لإنقاذ مستقبله القضائي. وزاد الطين بلّة نفي مكتب رئيس العدو الصهيوني إسحاق هرتسوغ تلقيه أي طلب رسمي بالعفو، في ما بدا وكأنه تبرؤ مؤسسي من محاولة استخدام موقع الرئاسة لحماية رجل واحد. بهذه الصورة، تحوّل ما أراده نتنياهو وسامًا على صدره إلى جرس إنذار جديد حول هشاشة وضعه القانوني والسياسي، وإلى أحد أكثر المشاهد التي لخصت جوهر القمة: زعيمٌ يعود خالي الوفاض سياسيًا… ومكسورًا رمزيًا.
خاتمة: قمة تهديد بلا قرار.. و»تهريج استراتيجي» مستمر
لم تكن قمة مارالاغو قمة سلام؛ لكنها أيضًا لم تكن قمة قرار بالحرب؛ بل بدت محطةً لإطلاق تهديدات صوتية بلا أسنان. خرجت منها تل أبيب بمزيد من الخطاب ضد حماس وإيران وحزب الله، واتفاق هشّ في غزة قابل للانهيار في أي لحظة، واعتراف علني بخلافات حول الضفة، وصور تذكارية بلا مكاسب فعلية.
فشلت القمة في أن تمنح نتنياهو ما أراده: لا تفويضًا لحرب، ولا خريطة طريق لليوم التالي، ولا حتى إنقاذًا سياسيًا شخصيًا. وبين جملة ترامب: «سنرى ما ستسفر عنه جهود لبنان لنزع سلاح حزب الله»، ووعوده بـ»جحيم» مشروط لحماس وإيران، يبقى السؤال معلّقًا: هل نحن أمام نظام إقليمي يُدار بالتصريحات والتسويف، أم أنّ هذه الثغرات بالذات هي ما سيتيح لقوى المقاومة إعادة رسم المعادلات في الزمن القادم؟
